الثامن عبد الرحمــــــــن وخديجـــــــــة بقلم سيلا وليد

تجمعت الدموع في عينيها، لكنها تماسكت، وكأنها ترفض أن تمنحه لذة رؤية انكسارها، ثم قالت بصوتٍ مخنوق:
_وأنا كمان عرفت إنك اتجوزت وخلفت… بس أنا باركت لكَ.

تعلقت عيناه بعينيها، كأن كلماتها لمست جرحًا قديمًا فيه، فابتسم ابتسامة صغيرة خالية من الفرح، وقال:
_يبقى أنا لازم أرد التهنئة… مش كده يا…

توقفت الكلمات على شفتيه.

رفع عينيه إلى عينيها مباشرة، وكأنه تعمد أن يختار الكلمة التي يعرف أنها ستوجعها، ثم قال ببطء:
_يا مدام.

ارتجف قلبها بعنف.

كلمة واحدة كانت كفيلة بأن تهدم كل ما تبقى من تماسكها.

نظرت إليه بألمٍ صامت، وانسابت دموعها أخيرًا، هذه المرة دون أن تحاول إخفاءها أو تمسحها، وكأنها تعبت من مقاومة شيءٍ ظل يسكنها طوال تلك السنوات.

وللحظة…
سقط غضبه من قلبه أمام دموعها.

اشتعلت في صدره نيران لم يعرف كيف يطفئها، ولم يحتمل أن يراها تبكي أمامه، فاقترب منها دون تفكير، وكأن جسده سبق عقله.

_خديجة…
خرج اسمها من بين شفتيه كأنه اعترافٌ لا يملكه.

رفع كفيه، ومسح دموعها برفقٍ لم يتناسب أبدًا مع قسوة كلماته قبل لحظات.

لكنها ابتعدت عنه كالملسوعة، وكأن لمسته أعادت إليها كل ما حاولت نسيانه.

قالت وهي تخفي ارتجاف صوتها:
_مقولتش شرطك يا بشمهندس… أنا عايزة أكمل شغلي.

نظر إليها طويلًا، ثم خرجت منه الكلمة دون تردد، ودون أن يمنح نفسه فرصة للتراجع:
_عايزك.

رفعت عينيها إليه.
لكنها لم تنظر هذه المرة إلى الرجل الذي أحبته قديمًا، بل إلى رجلٍ يقف أمامها محمّلًا بكل ما بينهما من حبٍ ووجعٍ وخذلان.

كان الألم يخترق روحها وهي تسأله، وكأنها ترجوه أن يوضح لها أي شيء بقي له منها:
_عايز مني إيه يا عبدالرحمن؟

صمت…
وتعلقت عيناه بعينيها طويلًا، وكأن السنوات التي قضاها في جمع الغضب داخل صدره قد انقلبت عليه دفعةً واحدة.

كان قد أعدّ هذا الحديث مئات المرات في رأسه… تخيل كيف سيقف أمامها باردًا، كيف سيخبرها أنها لم تعد تعني له شيئًا، وكيف سيجعلها تدفع ثمن السنوات التي قضاها وحيدًا بعدما اختارت رجلًا آخر وتركت قلبه خلفها.

أراد أن يعاقبها… أراد أن يرد إليها بعضًا من الوجع الذي عاشه.

لكنها الآن أمامه.

وبمجرد أن التقت عيناه بعينيها، خانته كل الكلمات.

تاهت الاتهامات التي حفظها عن ظهر قلب، وانطفأ الغضب أمام تلك النظرة التي طالما أحبها، حتى أصبح عاجزًا عن الاختباء خلف قسوته.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!