قطة في عرين 6

*****************************************
استقبل الجميع خير وجود “زهرة” على قيد الحياة بصدمة شديدة .. واضطر “مراد” الى اخبار أختاه بأن “مريم” كانت خطيبة أخوه التوأم الذى لم يكن يعلم أنه مازال على قيد الحياة .. انفرد “مراد” بـ “ناهد” وسألها قائلاً وهو يمعن النظر اليها :
– ماما .. انا عارف ان ممكن الموضوع يكون صعب عليكي .. بس أنا مستحيل أسيب أمى مرميه فى دار مسنين .. إما انى أجيبها تعيش معانا هنا .. وإما انى أسكنها فى مكان تانى
صمت قليلاً ثم قال :
– بس مش هقدر اسيبها عايشة لوحده .. وهعيش معاها هناك
كانت “ناهد” تستمع اليه صامته .. اقترب”مراد” منها وأمسك ذراعيها قائلاً :
– انتى أمى .. اللى ربتنى وكبرتى وعلمتى لحد ما بقيت راجل .. وأفضالك عليا ملهاش حصر .. عمرك ما حسستيني انك مش أمى اللى ولدتنى .. عمرك ما فرقتى فى المعاملة بيني وبين اخواتى البنات .. عمرى ما حسيت للحظة انك مراة أب .. كنتى فعلاً أمى ومازلتى أمى وهتفضلى أمى على طول
اغرورقت عينا “ناهد” بالعبرات وهى تنظر اليه .. ثم أجهشت فى البكاء فعانقها “مراد” وقبل رأسها .. ثم نظر اليها قائلاً :
– اللى هتقولى عليه هعمله .. شوفى ايه اللى يريحك وأنا هعمله يا ماما .. بس مقدرش أسيب أمى فى دار مسنين .. مستحيل مبقاش راجل لو عملت كده
كفكفت “ناهد” دموعها وقالت وهى تنظر اليه :
– لو مكنتش قولت كده مكنتش هتبقى “مراد” اللى ربيته وكبرته وعلمته لحد ما بقى راجل .. دى أمك يا ابنى .. ليها حق فيك زى ما أنا ليا حق فيك .. هى اللى ولدت وأنا اللى ربيت .. ومش ممكن أبداً أحطك فى اختيار بيني وبينها
أخذت نفساً عميقاً ثم قالت :
– هاتها تعيش معانا هنا .. كفاية اللى شافته فى حياتها .. وانها اتحرمت منك طول السنين دى .. من حقها تعيش مع ابنها اللى اتحرمت منه
عانقها “مراد” وابتسم بسعادة قائلاً :
– ربنا يخليكي ليا يا ماما كنت واثق ان قلبك كبير
ابتسمت “ناهد” وهى تشعر بالسعادة لسعادة ابنها .. فمضى الكثير من الوقت الذى لم ترى فيه “مراد” سعيداً بهذا الشكل.

*****************************************

بعد منتصف الليل وبعدما نام الجميع وقفت تناجى ربها وتتساقط دموعها على سجادة الصلاة وهى ساجدة .. تبكى بحرقة وينتفض جسدهاً ألماً وندماً .. أخذت تلهج بالدعاء وبالاستغفار .. ترجوه ولا ترجو سواه .. وقفت بين يداه الى أن شعرت بالآلام تشتد فى قدميها .. لكنها كانت آلام لذيذة لأنها فى سبيل طاعة .. شعرت وكأنها تُغسل من ذنوبها و من آلامها ومن عذابها .. شعرت وكأنها تولد من جديد .. فتاة أخرى .. بقلب آخر .. بروح أخرى .. بجسد آخر .. شعرت بأن اليوم هو يوم ميلادها .. وكأنها لم تعش قط .. وكأنها لم تحيا قط .. وكأنها اليوم فقط .. علمت معنى الحياة .. أنهت “سهى” صلاتها وأمسكت مصحفها وظلت تتلو من كتاب الله .. كلما قرأت آيات العذاب استعاذت منها وبكت .. وكلمها قرأت آيات النعيم استبشرت بها ودعت .. أغلقت مصحفها عندما سمعت آذان الفجر يتردد فى المسجد القريب .. أغمضت عينيها وهى تسمع ذلك النداء الذى كانت تصم آذانها عنه طيلة أعوام طويلة .. ها هى الآن تسمعه بقلبها قبل أذنها .. وتستشعره بكل حواسها .. فتحت عينيها عندما انتهى المؤذن وقفت لتصلى بلهفة وشوق .. وأخذ قلبها ينبض بقوة وكأنها على ميعاد يقفز قلبها لهفه له .. رفعت كفيها وقالت من أعماق قلبها :
– الله أكبــر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!