الرابـــع عشـر قدرا لايشبهه بقلم سيلا وليد
“اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك”
قدرا لايشبهه بقلم سيلا وليد
وصلت وفاء بعد قليل إلى منزل عتيق بأحد الأحياء القديمة في مدينة الإسكندرية. كان بيتا مكوّنًا من طابقين، تتآكل بعض جدرانه تحت وطأة السنين، لكنه ما زال يحتفظ بدفء البيوت القديمة وملامحها التي تشبه ذاكرة لا تريد أن تموت.
تقدمت وفاء وطرقت الباب بخفة.
لم تمر سوى لحظات حتى فُتح الباب، ليظهر أمامها شاب في الخامسة والعشرين تقريبًا.
تطلّع إليها باستغراب، قبل أن تسأل:
_ ده بيت حسنين الدسوقي؟
أجابها الشاب وهو يبادلها النظرة نفسها:
_ أيوه… إنتِ مين؟
_ قوله وفاء نور الدين.
تغيرت ملامحه قليلًا، ثم تنحى جانبًا وهو يشير لها بالدخول.
_ طيب ادخلي، هتفضلي واقفة كده؟
وقبل أن تخطو وفاء للداخل، أمسكت ليلى بذراعها، وهمست بتردد وهي تتفحص المكان بعينيها:
_ ماما… هو ده بيت الدكتور؟
نظرت إليها وفاء للحظة، ثم أجابتها بهدوء:
_ ادخلي يا ليلى… هنتكلم جوا.
دلفت ليلى خلف والدتها، لكن عينيها ظلتا تجولان في المكان بدهشة.
كان عقلها يعجز عن استيعاب ما يحدث.
كيف لطبيب أن يستخدم منزلًا كهذا كعيادة؟
لم تكن تتوقع أن يكون المكان بهذه البساطة، بل على العكس، كانت تتخيل عيادة حديثة، أو على الأقل مكانًا يشبه الأماكن التي اعتادت أن تراها في القاهرة.
جلست وفاء بعد دقائق في غرفة المعيشة، بينما ظلت ليلى إلى جوارها، تحاول أن تخفي توترها.
لم يطل انتظارهم.
فُتح باب الغرفة، وخرج رجل تجاوز الستين بقليل، ما إن وقعت عيناه على وفاء حتى توقف لحظة، وكأنه يحاول أن يستعيد من ملامحها امرأة غابت عنه سنوات طويلة.
تقدم منها وهو يتطلع إليها بتدقيق.
_ مين وفاء؟
نهضت وفاء سريعًا، وارتسمت على وجهها ابتسامة اختلط فيها الفرح بالحنين.
_ إزيك يا خال؟
ظل ينظر إليها لثوانٍ، قبل أن تشرق ملامحه بابتسامة دافئة.
_ إزيك يا بنت حليمة؟ عاملة إيه؟
ابتلعت وفاء غصتها، ثم ابتسمت.
_ الحمد لله.
ثم التفت حسنين إلى ليلى، فتوقفت عيناه عندها طويلًا.
فقالت وفاء:
_ ليلى… بنتي.
رفع حسنين يده إليها بحنان.
_ تعالي لجدك يا جميلة.
اقتربت ليلى بخجل، فابتسم الرجل وهو يتأملها بدهشة حقيقية.
_ بسم الله ما شاء الله… بنتك كبرت أوي كده؟
ابتسمت ليلى بخجل، بينما قالت وفاء:
_ آه… شوفتها؟ زي القمر.
ثم هز رأسه إعجابًا وأضاف:
_ هي من جهة زي القمر… فهي قمرين يا وفاء.
ضحكت وفاء بخفوت، بينما ازدادت ليلى خجلًا، وأخفضت عينيها.
ظل حسنين يتأملها للحظات، ثم سألها:
_ وإنتِ خلصتي تعليم يا ليلى؟ شكلك لسه صغير.
رفعت عينيها إليه وأجابته بنبرة هادئة، رغم أن عقلها لا يزال يضج بعشرات الأسئلة:
_ لسه أولى جامعة.
_ ما شاء الله… ما شاء الله. قد هيثم ابن بنتي.
ابتسمت وفاء وقالت:
_ اللي فتح لنا…
قاطعها حسنين ضاحكًا:
_ لا، ده عصام… هيثم الصغير. عصام مخلص هندسة السنة اللي فاتت.
وقبل أن تضيف وفاء شيئًا، ارتفع رنين هاتف ليلى.
التفتت إلى والدتها:
_ ماما، تليفوني معاكي… هاتيه.
مدت وفاء يدها إلى الهاتف، وما إن نظرت إلى الشاشة حتى تجمدت للحظة.
عمران.. انقبض قلبها.