العاشر من طعم في يدا أليفة، بقلم سيلا وليد
بعد ساعات…
وقفت خديجة أمام المرآة.
حدقت في انعكاسها طويلًا، وكأنها لا تصدق أن تلك المرأة التي تنظر إليها هي نفسها التي قضت الأيام الماضية تبكي في الظلام.
كان الفستان يلتف حولها برقة، يبرز جمالها دون مبالغة، وقد تبدلت ملامحها تمامًا.
لم تعد خديجة التي أرهقها الانتظار…
بل عروسًا.
عروس رجلٍ أحبته رغم كل شيء.
طرقاتٌ خفيفة على الباب قطعت شرودها.
ثم دخلت حنان وهي تبتسم.
_جاهزة يا عروسة؟ عريسك مستنيكي برة
انتفض قلبها، وشعر بخيانة سيقانها، اخذت نفسًا طويلًا، رفعت ذقنها، وحاولت أن تخفي ارتباك قلبها، واشتياقها له بابتسامة واثقة.
_جاهزة… أنا دايمًا جاهزة يا حنان.
اقتربت حنان منها
_تقولي للقمر قوم وأنا اقعد مكانك، طالعة حلوة اوي اوي ياخديجة
لم ترد عليها، حملت فستانها الطويل و
نزلت الدرج على أنغام موسيقى هادئة.
تلفتت بعدما استمعت الى الموسيقى، نظرت الى الدرج المزين بالورود الحمراء والانوار الخافتة، وموسيقى هادئة تصدح بالمكان، نظرت الى الأسفل…كان ينتظرها… اخر الدرج
واقفًا كفارسٍ ينتظر اميرته، هيئته المنمقة جعلت قلبها يخفق بعنف، وكأن كل السنوات التي قضتها وهي تحلم به قد اجتمعت الآن في لحظة واحدة.
وحين وقعت عيناه عليها…سكت كل شيء.
تلاقت النظرات.. اشتياقٌ كان أكبر من عشرة أيام.. حبٌ قاوم الغضب.
ولهفةٌ أخفاها كل منهما خلف عنادٍ طويل.
عشرة أيامٍ فقط…
لكنها مرت عليهما كأنها سنوات من الفراق.
مد كفه، نظرت اليه للحظات فوضعت يدها في يده.. ارتجفت أصابعهما معًا.
نظر إلى عينيها المحاطتين بالكحل، ثم ابتسم ابتسامةً لم تستطع مقاومتها.
وهمس:
_بسم الله ما شاء الله… زي القمر.
ابتسمت بخجلٍ رغماً عنها.
_شكرًا.
رفع يده، وضم رأسها برفق، ثم طبع قبلةً طويلة على جبينها…
قبلةً كأنه يعتذر بها عن كل يومٍ غاب فيه.
وكأنه يقول لها دون كلام:
أنا هنا.. أنا لم ابعد
رفعت عيناها المرتجفة إليه، وجدت لمعة تزين عيناه، لمعة عشق تعلمها جيدًا
ضعف أمام نظراتها، امال برأسه وطبع قبلة رقيقة بجوار شفتيها
شهقة خافتة اخرجتها، فتراجعت للخلف، ولكنه حاوط خصرها يضمها إليه وهمس بااسمها
_متحاوليش لأنك هتخسري
_ممكن نمشي…
اومأ وتراجع قليلًا، ثم خلل أصابعه بأصابعها، وتحرك بها نحو السيارة المزينة
_ماما…
توقف يحاول أن يسيطر على ارتعاشة جسده في حضرتها
_اخدوها، جبت لها حد مخصوص، متخافيش
_تمام… قالتها وهي تنظر لباب السيارة تبتعد عن نظراته، سيارة حديثة مفتوحة من الأعلى، التفتت حولها
_مفيش سواق
_اركبي ياخديجة… أنا هسوق
استقلت السيارة بجواره، تحبس انفاسها، رائحته تضعفها، تحرك بالسيارة، ثم مد يده يحتضن كفيها
_ركز في الطريق ياعبدالرحمن، نعمل حادث
انحنى وسحب كفيها وقاد السيارة بهدوء ورغم هدوئهما الظاهري الا أن قلبيهما يصرخان بالضلوع
تريد أن تسأله لماذا ابتعد كل هذه الفترة،ايعقل بسبب ماذكره، ، ولكن كرامتها تمنعها
وصلا بعد قليل للشارع الذي يقنطان به، ترجل اولا، ثم اتجه اليها يفتح باب السيارة
وحين خرجت خديجة…
توقفت مصدومة.. حدقت حولها غير مصدقة.
كان الفرح، رغم إقامته في شارع منزلهم، لكنه أشبه بزفافٍ ملكي.
كل شيء أُعد بعناية؛ الإضاءة، الزهور، الطاولات، الموسيقى، وحتى أدق التفاصيل التي لم تتوقع أن يهتم بها.
رفعت عينيها إليه.. كان يراقب دهشتها بابتسامةٍ خفية.
لم يكن يريد مجرد حفل.
كان يريد أن يمحو من قلبها كل فكرةٍ قالت إن زواجه منها كان إهانة.
عانقت ذراعيه دون وعي منها، ارتجف قلبها من مجرد اقترابها بمفردها، نظر لكفيها الذي تحتضن به ذراعه، ونظراتها للحفل
_مبسوطة
_زمان ماحلمتش غير بكدا
_ودلوقتي
تاهت عيناها تتلفت ولا تعلم لماذا لم تشعر بالسعادة، فقالت
_عادي
عانق كفيها وتحرك بها
_كل حاجة ممكن تبقى عادية ياخديجة، الا انك تكوني في حضني
تحركت ولم ترد عليه
جلس بالمكان المخصص لهما، بعد افتتاح الحفل، اقتربت احدى جيرانها
_ألف مبروك ياديجا والله يابنتي تستاهلي اكتر من كدا، بس يلا مادام عبده، زوجة تانية من اولى مش هتفرق
نظرت للمرأة ورسمت ابتسامة موجوعة
وراحت عيناها له، كان يقف مع بعض من اصدقائه، كانت تراقبه اينما ذهب، وكأنها تريد الا تبتعد عيناها عنه فيصبح حلم، وقعت عيناها على المربية التي تتراقص مع سيليا،دارت عيناها بالقاعة لم تجد ماسة…انطفأت الانوار فجأة،
ليبدأ الحفل برقصة العروسين.. اقترب منها ومد يده يحتضن كفيها، ثم حاوط خصرها، وقربها إليه.
تعلقت عيناه بعينيها، بينما راحت الموسيقى تنساب حولهما.
مال نحوها وقال بصوتٍ لا يسمعه سواها:
_مبروك يا خديجتي… شوفتي؟ أنا راجل وقد كلمتي، واتجوزتك مرتين.
رفعت عينيها إليه بحدة، وهمست:
_كنت فين الأيام اللي فاتت؟
ابتسم وكأنه لم يسمع سؤالها.
_أنا بقولك مبروك.
ضيقت عينيها.
_والله لأعيشك في جهنم يا ابن حسناء.
انفجر ضاحكًا، وضمها إلى صدره أكثر وهو يتراقص معها.
_أنا وإنتِ… وبئس المصير يا روحي.
أغمضت عينيها.
حين شعرت بنبض قلبه تحت كفيها واضحًا، حيًا، دافئًا، حقيقيًا.
فاستسلمت للحظة.
دفنت رأسها في صدره، تسحب رائحته