الجزء الثاني من الفصل 17طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد

أغلق الكتاب بيدٍ مرتجفة، ثم وضعه جانبًا، لكن الكلمات التي قرأها لم توضع معه؛ بقيت عالقة في صدره، تنهش قلبه وتنتزع منه أنفاسه. اجتاحته برودة قاسية، رغم دفء الغرفة، وكأن روحه تُسحب منه انتقامًا لكل وجعٍ تسبب فيه لها. لم يكن يتخيل أن وراء صمت خديجة كل هذا الألم، وأن المرأة التي احتمت بصدره يومًا كانت تخفي بين ضلوعها حكاياتٍ لو قرأها قبل الآن، لاحتضنها وبكى بدلًا من أن يكون يومًا سببًا في دموعها.
قطع شروده همسها الواهن، الذي تسلل إلى قلبه كنداء استغاثة.
_عبدالرحمن… بردانة.
انتفض قلبه بعنف، وشعر وكأن شيئًا حادًا انغرس في صدره. حتى وهي غافية، كانت تناديه؛ تبحث عن دفءٍ عند الرجل الذي لم يكن يدرك أنه قادر على أن يمنحها الدفء والوجع في آنٍ واحد.
لم يتردد.
تمدد بجوارها، وسحبها برفق إلى أحضانه، ثم أحاط جسدها بذراعيه، دافنًا وجهه في عنقها. لفح جلدها بأنفاسه الدافئة، وأخذ يضمها إليه أكثر، كأنه يحاول أن يعوضها عن كل لحظة بردٍ عاشتها وحدها، وكل ليلةٍ احتاجت فيها إليه ولم تجده.
أراد أن يخفيها داخل صدره، أن يجعل بينهما وبين العالم جدارًا لا يُخترق، وأن يضم جراحها إلى جراحه حتى لا تتألم وحدها مرة أخرى.
تأوهت بخفوت وهي تتقلب في نومها، فرفع رأسه، وطبع قبلة مرتجفة على جبينها.
قبلةٌ حملت اعتذاراتٍ لا تسعها الكلمات، وندمًا أثقل من أن يُقال، ورجاءً خفيًّا بأن تسامحه يومًا، رغم أنه لم يعد واثقًا من استحقاقه لتلك المسامحة.
كيف يطلب منها أن تنسى، بعدما قرأ ما عانته؟ كيف يجرؤ على مطالبتها بالصفح، بعدما رأى بين السطور كم مرةٍ انكسر قلبها، وكم مرةٍ اضطرت إلى ابتلاع وجعها وحدها؟
مد يده بحذر تحت طرف منامتها، يربت على جانبها بحنانٍ، ثم أعادها إلى صدره، وأغمض عينيه بقوة. حاول أن يتخيل ما مرت به، أن يضع نفسه مكانها، لكنه كلما اقترب من صورةٍ محتملة لمعاناتها، شعر بأن قلبه يعجز عن احتمالها.
لم يكن الألم في أن غيره لمسها فحسب، بل في تلك الفكرة التي مزقته من الداخل؛ أنها عاشت وجعًا لم يعرف عنه شيئًا، بينما كان يظن أنه يعرف كل شيءٍ عنها.
رفرفت أهدابها ببطء، ثم انفرجت عيناها نصف انفرجة، لتقع نظراتها على وجهه القريب. كان يحدق فيها بعينين محمرتين، تتجمع الدموع عند أطرافهما، فحدقت فيه لحظةً غائمة، ثم أغمضت عينيها مجددًا، كأنها أرادت أن تتأكد من وجوده بجوارها، وأنها لم تستيقظ لتجد نفسها وحيدة.
_خديجة…
خرج اسمها من بين شفتيه مكسورًا، يتخلله البكاء، حتى كاد لا يُسمع.
فتحت عينيها مرة أخرى، تنظر إليه بنعاسٍ أثقل جفنيها، بينما مرر أنامله فوق وجنتها بحذر، كأنه يخشى أن يوقظ ألمًا آخر فيها.
_آسف يا حبيبتي… سامحيني.
لم تفهم من اعتذاره سوى أنه نادم على ما فعله بها قبل خروجه، فظنت أن قلبه لان أخيرًا، وأن غضبه انطفأ.
لم تجادله، ولم تسأله عن سبب بكائه. اكتفت بأن تدفن رأسها في صدره، وتستريح إلى دقات قلبه، وكأنها لا تملك من القوة ما يسمح لها بفتح بابٍ آخر للكلام.
رفع كفيها إلى شفتيه، وقبّلهما واحدةً تلو الأخرى، ثم أسندهما إلى وجنتيه، محتفظًا بهما هناك، كأن لمستهما وحدها قادرة على إبقائه متماسكًا.
همست بصوتٍ خافت:
_مش زعلانة منك خلاص.
تجمدت ملامحه.
يا الله! حتى الآن، وهي التي تستحق أن يعتذر لها العالم كله، ما زالت تخشى أن يكون حزنها عبئًا عليه، وما زالت تسارع إلى طمأنته، كأن قلبها لم يتعلم كيف يتوقف عن حبه، مهما أوجعها.
رفع ذقنها برفق، حتى صار وجهها مقابلًا لوجهه.
_افتحي عيونك يا خديجة… بصيلي، حبيبتي.
فتحت عينيها ببطء، فمرر إبهامه على وجنتها، يمسح أثر دمعةٍ لم ينتبه إلى سقوطها.
اقترب منها حتى تلامست جباههما، وأطبق عينيه لحظةً، كأنه يستجمع ما تبقى من روحه ليقول لها ما يعجز عنه قلبه.
_إنتِ عارفة أنا بحبك قد إيه؟
ابتلع غصةً خانقته، ثم تابع بصوتٍ خافت، تكسوه رجفة لم يستطع إخفاءها:
_ده أنا بحبك أكتر من نفسي يا خديجة. بحبك بطريقة تخوفني أنا شخصيًا… مجرد فكرة إنك تبعدي عني تاني، إنك تصحي في يوم وتقرري إنك مش عايزة عبدالرحمن في حياتك، بتخليني أحس إن الدنيا كلها بتتسحب من تحت رجلي.
ارتجفت شفتاه، وفتح عينيه ليتأمل ملامحها التي يحفظها عن ظهر قلب، لكنه في تلك اللحظة كان ينظر إليها كما لو أنه يراها للمرة الأولى.
_بغير عليكي، آه، وبغير بطريقة ممكن تخليكي تفهميني غلط. ببقى عايز أخبيكي عن عيون الدنيا كلها، عايز أكون أنا الوحيد اللي يشوف ضحكتك، والوحيد اللي يسمع صوتك لما تبقي فرحانة، والوحيد اللي تجري عليه لما تخافي… بس والله يا خديجة، عمري ما حبيتك علشان أوجعك. أنا بس ساعات بخاف عليكي من الدنيا، وبنسى إن خوفي لما بيزيد عن حده، ممكن يبقى هو نفسه الوجع اللي بهربك منه.
سكت قليلًا، ثم انحنى يقبّل جبينها، وأردف بصوتٍ أكثر انكسارًا:
_أنا بقيت مهووس بيكي، بعشقك لدرجة إني ساعات مبعرفش أتصرف إزاي من كتر خوفي أخسرك. لو أقدر أديكي عمري كله، وأضمن إنك تفضلي مبسوطة وآمنة، مش هتردد لحظة واحدة. بس أنا مش عايزك تفضلي معايا لمجرد إنك بتحبيني… أنا عايزك تفضلي علشان قلبك مرتاح معايا، علشان تبصيلي وتحسي إنك في أمان
كانت تستمع إليه بعينين لامعتين، فيما أخذ قلبها يلين رغم كل ما حمله من تعب. لم تكن تحتاج إلى كلماتٍ جميلة بقدر ما كانت تحتاج إلى أن تشعر بأنه يراها، يرى خوفها ووجعها، ولا يطالبها بأن تتجاوزه وكأن شيئًا لم يكن.
رفعت يدها بصعوبة، ولمست وجنته.
_وأنا كمان بحبك يا عبدالرحمن… بحبك أوي.
انحنى يقبّل كفها، ثم ضمه إلى صدره، وانفلتت منه آهةٌ طويلة، آهة رجلٍ اكتشف متأخرًا أن أكثر ما يخيفه ليس فقدان المرأة التي يحب، بل أن يكون هو السبب في انطفاء النور الذي أحبها من أجله.
_آسف… سامحيني يا روح قلب عبدالرحمن.
أغمضت عينيها، وأراحت رأسها فوق صدره.
_عايزة أنام… سبني أنام شوية.
توقف عن الكلام، لكنه لم يتوقف عن النظر إليها. طبع قبلةً هادئة فوق جبينها، ثم مرر أنامله على وجنتها بحنان.
_بس أنا مش عايزك تنامي دلوقتي… عايز أتكلم معاكي، عايز أحكيلك كل حاجة، عايز أقولك قد إيه أنا…
قاطعته بصوتٍ واهن، اختلطت فيه الدموع بالتعب:
_مش قادرة يا عبدالرحمن… جسمي كله واجعني أوي. مش قادرة حتى أعدل نفسي، علشان خاطري، سبني أنام. أنا مش زعلانة منك.
تبدلت ملامحه في لحظة، وتلاشت الكلمات من فمه.
نظر إلى وجهها الشاحب، إلى التعب الذي استقر في عينيها، وإلى الطريقة التي تحاول بها أن تطمئنه رغم أنها لا تكاد تحتمل ألمها. شعر بالخزي من نفسه؛ حتى في لحظة احتياجه إلى سماعها، لم ينتبه إلى أنها لم تعد تملك طاقةً تمنحها لأحد.
أحاطها بذراعه برفق، محاولًا أن يجعل استلقاءها أكثر راحة.
_خلاص يا حبيبتي، نامي. مش هتكلم، ومش هضغط عليكي في أي حاجة. ارتاحي بس
رفعت كفيها إلى وجهه، واحتضنت وجنتيه بينهما، ثم همست بابتسامةٍ واهنة:
_محدش بيزعل من روحه يا عبدالرحمن… وإنت روحي وحياتي.
انهار شيءٌ داخله.
لم يستطع أن يجيبها، ولم يجد في صدره مساحةً لكلمةٍ واحدة. انحنى إليها، وقبّل شفتيها قبلةً طويلة، مشبعةً بالشوق والندم، قبلة رجلٍ يريد أن يعتذر عن كل لحظةٍ جعلها تشعر فيها أنها أقل من أن تُحب، وعن كل مرةٍ تركها تواجه خوفها وحدها.
وحين ابتعد قليلًا، ظل قريبًا منها، يتأمل وجهها، بينما راحت أنفاسه تضطرب، وراحت عيناه تتنقلان بين ملامحها كما لو أنه يحاول أن يحفظها من جديد.
_عارفة أنا بحس بإيه لما ألمس شفايفك؟
لم تجبه، وظلت عيناها مغمضتين، وقد أثقلها التعب.
ابتسم ابتسامةً مرتجفة، وأراح جبينه فوق جبينها.
_بحس إني في السما… بحس إن ربنا اداني الدنيا كلها في اللحظة دي. تخيلي، كل ده من لمسة منك، من قبلة منك يا خديجة… أومال لو تعرفي إنتِ عاملة إيه في قلبي!
فتحت عينيها فجأة، وحدقت فيه، فوجدته يبتسم لها بعشقٍ صريح، لا يشبه قسوته قبل ساعات، ولا غضبه الذي كان يجعلها تتردد قبل أن تقترب منه.
لكن شيئًا ظل عالقًا في صدرها، شيئًا لم تستطع ابتلاعه مهما حاولت.
ترددت، ثم سألت بصوتٍ خافت:
_مش هتقرف مني يا عبدالرحمن؟
اختفت ابتسامته.
_إيه؟
_مش كنت ملك لغيرك؟ مش هتيجي في يوم تبصلي وتفتكر إني كنت مع حد تاني قبلك؟ مش هتندم إنك اتجوزتني؟
خرجت الكلمات الأخيرة متعثرة، وانسحبت عيناها من عينيه، كأنها تخشى أن ترى فيهما الإجابة التي ظلت تطاردها في أسوأ لحظاتها.
أحس بقلبه يتمزق.
كيف أوصلها إلى هذه الدرجة من الخوف؟ كيف جعلها تشك حتى في حقها بأن تُحب دون أن تُحاسب على ماضيها؟
رفع وجهها بين كفيه، وأجبر نفسه على التحدث بهدوءٍ، حتى لا يضاعف خوفها.
_بصيلي يا خديجة.
رفعت عينيها إليه بصعوبة.
_. إنتِ خديجة… البنت اللي قلبي اختارها، والست اللي أنا اخترت أكمل معاها عمري. ومش هسمح لماضيكي، ولا لوجعك، ولا لأي حاجة حصلت غصب عنك، إنها تتحول لس\لاح أوجعك بيه.
ارتجفت شفتاها، فمسح بإبهامه على وجنتها، ثم تابع:
_حتى لو كنتِ اتجوزتي قبلي عشر مرات، كنت هفضل أحبك… انت خديجتي، خديجة عبدالرحمن، القدر يبعدنا بس مكتوب لنا نتجمع تاني

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!