الجزء الثاني من الفصل 17طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد
نظرت إلى يده الممدودة نحوها، ثم رفعت عينيها إلى عينيه، فارتجف شيء عميق في أعماقها، شيء لم تستطع السيطرة عليه مهما حاولت التظاهر بالقوة. كان ذلك الرجل بعينه، الذي يمتلك قدرة عجيبة على إشعال نيران غيرتها وإثارة غضبها حتى تفقد صوابها، هو نفسه الذي يلين صوته أمامها، وكأن قسوة العالم بأسره تتلاشى حين يتعلق الأمر بها.
اقتربت منه دون أن تنتبه إلى ما ترتديه، أو إلى تلك النظرات التي أخذت تتسلل إلى عينيه، نظرات لم تكن تشبه نظراته المعتادة، بل كانت تحمل صراعًا صامتًا بين ما يشعر به وما يحاول جاهدًا السيطرة عليه.
انحنت قليلًا، تتطلع إلى عينيه بتحدٍّ، ثم قالت بلهجة مشاكسة تخفي خلفها غيرةً لم تهدأ:
_يبقى قابلني بقى لو نمت معاك في أوضة تانية! خلي كذبك ينفعك!
توقفت أنفاسه للحظة، لتلك المسافة القصيرة التي تفصل بينهما، وذلك القرب العفوي الذي لم تدرك خطورته عليه. انزلقت عيناه رغماً عنه إلى هيئتها، وفتحة قميصها، فشعر بحرارة مفاجئة تجتاح جسده، وكأنها أشعلت داخله حريقًا لم يكن مستعدًا له.
ابتلع ريقه بصعوبة، محاولًا أن يستعيد رباطة جأشه، بينما راحت أنفاسه تتلاحق على غير عادتها. يا الله، كيف تفعل به كل هذا دون أن تدري؟! كيف تستطيع، ببراءتها المستفزة تلك، أن تسلبه هدوءه وتبعثر ما تبقى من قدرته، ثم تقف أمامه بكل هذا العناد، وكأن قلبه ليس على وشك أن يفضح صاحبه؟!
أما هي، فكانت غارقة في غيرتها، لا ترى من المشهد سوى الرجل الذي تحاول معاقبته على كذبةٍ ظنت أنه يتعمد بها استفزازها.
دنت منه أكثر، حتى لم يعد بينهما سوى أنفاس متداخلة، ثم رفعت عينيها إليه، وقالت بوعيدٍ طفولي زاد ارتباكه أضعافًا:
_هعرفك يا حبيبي إزاي تلعب بمشاعري!
تعلقت عيناه بعينيها، وعجز للحظة عن انتزاع نفسه من أسرهما. تسللت رائحتها إلى أنفاسه، فشعر بأن كل ذرة من صبره تتآكل، وأنه يخوض معركة خاسرة مع قلبه الذي لم يعرف يومًا كيف يقاومها.
كان يريد أن يخبرها أنها لا تعرف شيئًا عن حجم تأثيرها فيه، وأنها لو أدركت كيف يتهاوى أمام اقترابها، لما تجرأت على الوقوف أمامه بكل تلك البراءة التي تفتك به. هنا أراد أن يجذبها إلى صدره، أن يطوقها بذراعيه ويخفيها بين ضلوعه، لا ليعاقبها، بل ليريها كيف يكون العشق
لم تصمت لما فعلته، بل مالت نحوه فجأة، وطبعَت قبلة رقيقة بجوار شفتيه، ثم همست بصوتٍ ناعم، لتثيره وهي لا تعلم مافعلته:
_خلي النحاسة بتاعتك تنفعك، ولا يبقى خدها في حضنك كمان!
ثم اعتدلت في وقفتها، تنظر إليه بانتصارٍ، قبل أن تتلاشى ابتسامتها تدريجيًا أمام صمته الغريب.
ظل مكانه لثوانٍ، ينظر إليها وكأنه يحاول استيعاب ما فعلته به تلك القبلة العابرة، و صدره يعلو ويهبط بأنفاسٍ مضطربة
قطبت حاجبيها، ومالت برأسها قليلًا، تتفحص وجهه باستغراب.
_مالك؟ فيه إيه؟
لم يجب.
اكتفى بالنظر إليها لحظة أخرى، وكأنه يخشى أن ينطق بكلمة واحدة فتفضح كل ما يحاول إخفاءه، ثم نهض فجأة، وتحرك نحو الحمام بخطوات سريعة، قبل أن يغلق الباب خلفه دون أن يلتفت إليها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم سيلا وليد