الجزء الثاني من الفصل 17طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد
أسند رأسه إلى جوار رأسها، يستنشق أنفاسها الهادئة، وظل قريبًا منها، يضمها إليه حتى غلبه النوم أخيرًا، بعد ليلة أنهكتهما فيها المشاعر أكثر مما أنهكتهما الكلمات.
بعد عدة ساعات، فتحت عينيها ببطء، لتجد نفسها محاصرة بين ذراعيه، وجسدها مستقرًا داخل حصار دافئ لم تعد تعرف إن كانت ترغب في الفرار منه أم البقاء فيه إلى الأبد.
أزاحت رأسها قليلًا عن صدره، وراحت تتأمل وجهه النائم، تتنقل بعينيها بين ملامحه التي تحفظها عن ظهر قلب، حتى استقرت نظراتها على شفتيه.
تجمدت للحظة.
عادت إليها ذكرى الأمس، قبلاته القاسية، وطريقته التي انتزع بها أنفاسها تحت وطأة غيرته المجنونة، وتلك النظرات التي أشعلت الرعب في قلبها بقدر ما كشفت لها عن جنون عشقه.
دون وعي، رفعت أناملها إلى شفتيها، تمررهما برفق فوقهما، ثم رفعت يدها إلى خصلاته المبعثرة فوق جبينه، فأزاحتها برفق، قبل أن تنساب أصابعها فوق وجهه، تتلمس ملامحه بحنان
تعشقه حد الجنون، لكن ما إن تذكرت ماسة حتى انقبض قلبها، وعادت تلك الغصة المريرة تخنقها.
كيف استطاع أن يضع نفسه في هذا المأزق؟ كيف تورط في زواج كهذا، مهما كانت أسبابه؟ وكيف لها أن تتقبل حقيقة أن امرأة أخرى تحمل اسمه، بينما قلبها هي لا يعرف رجلًا سواه؟
أغمضت عينيها بألم، ثم عادت إلى كلمات الأمس، حين انكسر صوته أمامها وهو يردد:
«تخيلتها إنتِ…»
ارتجف قلبها بعنف.
أكان يراها هي في كل لحظة؟ أكان جنونه وغيرته وألمه نابعين من ذلك العشق الذي ظل يحمله لها طوال سنوات الفراق؟
تساقطت الأسئلة في عقلها، لكن قلبها كان يجيب عنها بطريقة مختلفة؛ فكل دمعة ذرفها، وكل ارتجافة خانت صوته، وكل لحظة انهار فيها أمامها، كانت تؤكد لها أنه لم يتوقف يومًا عن حبها.. ولكن ماالامها حقًا أن ابنته ربما جاءت بطريقة غير شرعية
ولكن ماجعل قلبها يرتاح قليلًا، انه لايريد سواها، كل ليلة يحاربها حتى تغفو داخل أحضانه، تتسائل مع قلبها وهي تنظر اليه
_هل لو يكن اي شعورًا للاخرى، كان فعل ذلك… تذكرت كلماته عن هتافه لاخيها
لمعت عيناها بعشقه، نعم يريدها بكل قوة لديه، حتى لو له فتاة من اخرى
مالت برأسها نحوه، حتى صارت أنفاسها تداعب وجهه، ثم طبعت قبلة رقيقة على شفتيه، وأغمضت عينيها تستمع إلى أنفاسه الهادئة، عيناها تلتهمه بعشق، رغم ماحدث إلا أنها ستحارب نفسها من أجله.
ستحاول أن تتجاوز خوفها، وأن تمنح قلبها فرصة أخرى، لا لأنها نسيت ألمها، بل لأنها أدركت أنها لم تعد قادرة على تخيل الحياة بعيدًا عنه.
شعر بها، وباللمسة الرقيقة التي داعبت وجهه، لكنه أبقى عينيه مغمضتين، مستمتعًا بذلك الحنان الذي ارتجف له القلب، وحين مررت أصابعها بين خصلاته، ثم عادت لتطبع قبلة أخرى على جبينه، كاد قلبه يقفز من صدره فرحًا.
همست بصوت مرتعش، ظنت أنه لن يسمعه:
_بحبك… مهما تعمل، هفضل أحبك. حتى لو موتني حبك، معرفش من الدنيا غير قلب بيتجنن لمجرد ما يسمع اسمك.
ارتفعت أنفاسه فجأة، فانتفض قلبها، وسحبت يدها بارتباك، لكن الأوان كان قد فات.
فتح عينيه، لتتقابل نظراتهما من مسافة لا تتجاوز أنفاسًا قليلة.
ابتسامة عاشقة ارتسمت على شفتيه، وهو يطالعها بنظرات جعلت وجنتيها تشتعلان خجلًا.
_وأنا هموتك بجنون عشقي يا روح عبدالرحمن.
_عبدالرحمن…
لم يمهلها فرصة لاستكمال حديثها؛ ليقرب رأسها اليه، ثم ضم شفتيها إلى شفتيه في قبلة مشتعلة، كأنه يحاول أن يمحو من ذاكرتها كل ألم تسبب فيه، وأن يعوضها عن كل لحظة نامت فيها باكية، تتمنى لو كان إلى جوارها.
استجابت له بمشاعر فاضت عن قدرتها على المقاومة، وتشبثت به، بينما كان قلبها يخفق بعنف، كأنه يحاول أن يخبره بكل ما عجز لسانها عن قوله.
ابتعد عنها أخيرًا، بصعوبة بدت واضحة في ملامحه، وأراح جبهته على جبهتها، محاولًا استعادة أنفاسه والسيطرة على مشاعره التي كادت تفلت من بين يديه.
وقال بصوت أجش، تختلط فيه الرغبة بالحنان:
_رغم إني هموت عليكي، بس مستعد أستنى باقي عمري كله… المهم متحسيش إنك بتعملي حاجة مش مستعدة لها.
فهمت مقصده، وشعرت بما يحاول إخفاءه خلف كلماته، فارتجفت شفتاها، ورفعت يدها تلامس وجهه بحنان، بينما احتضنت عيناها عينيه بنظرة امتلأت بالاعتذار.
_غصب عني يا عبدالرحمن… صدقني، غصب عني.
بقلم سيلا وليد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وضع إصبعه برفق على شفتيها، يمنعها من الاسترسال في لوم نفسها، ثم ابتسم وقال:
_ششش… براحتك يا قلبي. أنا قولتلك مستعد أستنى باقي عمري، ومش هرجع في كلامي..
نظرت إليه بعينين تلمعان بالدموع، فضمها إلى صدره، وأسند ذقنه فوق رأسها، ثم أغمض عينيه في رضا عميق.
_أنا راضي يا خديجة…. كفاية عليَّ كل يوم أصحى الصبح ألاقيكي في حضني. عارفة يعني إيه أفتح عيني وألاقيكي جنبي بعد كل السنين دي؟ دي لوحدها نعمة عمري ما هبطل أحمد ربنا عليها.
ابتسمت رغم الغصة التي تسكن قلبها، وأصغت إلى دقات قلبه العنيفة تحت أذنها،
مررت كفيها على موضع نبضه
_قلبك بيدق بسرعة
رفع ذقنها ونظر لعيناها
_مش في حضني
للحظات، نسيت كل شيء؛ ماسة، والغيرة، والألم، والسنوات التي سرقت منهما العمر. لم تشعر سوى بأمان ذراعيه، وبذلك الرجل الذي بدا مستعدًا لمنحها عمره كله
_هتفضل تحبني كدا حتى لو فضلت زي ماانا
قرص وجنتيها وابتسم
_هموت وأنا بحبك ياخديجة
_بعد الشر عليك ياحبيب خديجة
ضم رأسها لصدره، اغمضت عيناها للحظات، ثم فجأة
رفعت رأسها قليلًا، ونظرت إليه بجدية مفاجئة.
_عبدالرحمن…
_عيونه.
_إنت قولتلي امبارح إنك هتتصل بأخو ماسة وتخليه ييجي ياخدها… هتتصل بيه إمتى؟
ظل ينظر إليها لثوانٍ، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة، سرعان ما تحولت إلى ضحكة رجولية صاخبة هزت صدره.
اتسعت عيناها بصدمة، وابتعدت قليلًا لتحدق فيه.
_إنت بتضحك على إيه؟
حاول السيطرة على ضحكته، لكنه فشل، فازداد اشتعال نظراتها.
_كنت بهديكي ياروحي، خفت عليكي
شهقت بغيظ، ثم دفعته في صدره بكفها.
_يعني إنت كنت بتضحك عليَّ؟! خليتني أسامحك وأحن عليك، وفي الآخر بتلعب بيا؟!
ثم ضربته مرة أخرى، وهي تهتف بغيظ متصاعد:
_آه يا كداب يا مخادع! أهو أنا اللي أستاهل، عشان بصدقك كل مرة!
لا ونازلة حب وبوس فيك، ياغبية ياخديجة، دا عينه زايغة عايز يندب فيها رصاصتين
_آه! يا بت، انا عيوني زايغة
لكنها لم تمنحه الفرصة، بل انتزعت نفسها من بين ذراعيه، وابتعدت عنه بأنفاس متلاحقة، وراحت تستعيد تفاصيل الأمس، وكل كلمة قالها لها، لتجد نفسها تزداد غضبًا كلما تذكرت كيف استطاع أن يجعلها تلين أمامه.
أما هو، فظل يراقبها بضحكة مكتومة، مستمتعًا بملامحها الغاضبة التي يعرفها جيدًا، وبذلك التناقض العجيب بين عينيها المشتعلتين بالغيظ ووجنتيها اللتين احمرتا من شدة الانفعال.
_يا ستي والله مش ده قصدي! إنتِ فهمتي الموضوع غلط!
استدارت إليه بحدة، وعقدت ذراعيها أمام صدرها.
_أيوه طبعًا، وأنا اللي بفهم غلط دايمًا، وإنت الملاك البريء اللي عمره ما بيكدب!
رفع كفيه مستسلمًا، لكنه لم يستطع منع ابتسامته من الظهور مجددًا.
_طب أعمل إيه فيكي وأنا بعشقك وإنتِ بتتجنني كده؟
_عبدالرحمن!
_قلب عبدالرحمن!
_والله لأخنقك بإيدي!
انقضت عليه تلكمه بقوة، وهو يسحبها اليه
يقبلها بعناد
صرخت ودفعته
_ياكداب…
ضحك وهو يرفع رأسه إلى الخلف، ثم سكنت ضحكته تدريجيًا حين وقعت عيناه عليها.
على قميصها الأسود الذي انسدل فوق جسدها برقة، وعلى بشرتها البيضاء التي ازدادت إشراقًا في ضوء الصباح، وعلى خصلاتها التي تناثرت حول وجهها بفوضى محببة.
تأملها طويلًا، وقد تبدلت نظراته من العبث إلى ذلك العشق العميق الذي لا يعرف كيف يخفيه عنها.
راحت عيناه تتبعان تفاصيلها ببطء، تتأملانها بعشقٍ امتزج بدهشة لم يستطع إخفاءها. ورغم أنه هو من اختار لها ذلك القميص وألبسها إياه، فإنها كانت المرة الأولى التي يراها فيها بهذا الثوب الرقيق، الذي انسدل فوق جسدها بنعومة آسرة، كاشفًا عن بياض بشرتها من تحته دون أن يكون شفافًا.
ابتلع أنفاسه بصعوبة، وشعر بأن ضحكته التي كانت تملأ المكان قبل لحظات قد تلاشت، لتحل محلها نظرات عميقة لم تستطع الابتعاد عنها.
يا الله… كيف لامرأة واحدة أن تفعل به كل هذا؟
بينما هي كانت تقف أمامه غاضبة، تتمتم بكلمات لم يعد يستوعب منها شيئًا، كان هو غارقًا في تأملها، مأخوذًا بتفاصيلها الصغيرة، وبذلك الجمال الذي لم يزدْه قربه منها إلا افتتانًا.
رفع عينيه إلى وجهها، فوجدها تحدق فيه بريبة، وقد بدأت ملامحها تتغير تحت وطأة صمته الغريب.
_إيه؟ بتبص لي كده ليه؟
انتبه إلى نفسه، فارتسمت ابتسامة بطيئة على شفتيه، ثم أجاب بصوت خافت، يحمل من العشق أكثر مما يحتمل قلبها:
_بحاول أفهم إزاي ربنا خلق كل الجمال ده، وحطه كله في واحدة اسمها خديجة… وبعدين ابتلاني إني أعشقها بالشكل ده!
توقفت كلماتها على طرف لسانها، واحمر وجهها رغمًا عنها، لكنها تماسكت سريعًا، ورفعت ذقنها بكبرياء مصطنع.
_الكلام الحلو ده مش هينفعك يا عبدالرحمن، أنا لسه زعلانة منك!
ضحك بخفوت، ثم مد يده نحوها، ينتظر أن تقترب بإرادتها، دون أن يجبرها على شيء.