طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد من الاول للثالث عشر

مضت الليلة بسلام…
لكنها لم تكن تعلم أن بعض السلام ليس إلا هدوءًا يسبق العاصفة.
أتى الصباح محمّلًا بضياء ربه على الخلق أجمع، وكأن الدنيا قررت أن تبتسم لها هي الأخرى.
نهضت خديجة من فراشها بخفة ونشاط، وما إن بدأت يومها حتى أخذ الحماس يملأ خطواتها.
جهزت طعام الإفطار وهي تدندن بأغنيتها المفضلة، تتحرك في المطبخ بسعادة لا تستطيع إخفاءها، حتى انتهت، وحملت الأطباق إلى المائدة، ترتبها بعناية وكأنها تعد وليمة لخبر سعيد.
خرجت والدتها، فتوقفت للحظة تتأمل ابنتها بابتسامة عرفت منها كل شيء دون سؤال.
_صباح الجمال يا ديجة.
التفتت إليها خديجة، وابتسمت من قلبها:
_صباح الورد يا ست الكل… يلا، أنا عاملالك فطار هتاكلي صوابعك وراه.
اقتربت والدتها منها وهمست بمكر:
_أنا هاكل صوابعي وراه فعلًا… بس مش علشان الأكل حلو، لا، علشان الواد بيدو نور بيتنا امبارح، وكمان علشان المخفية مرات أخوكي ريحتنا منها أسبوع كامل.
انفجرت خديجة ضاحكة، ثم اندفعت إلى أحضان والدتها.
_أنا بحبك أوي يا ماما… ربنا يخليكي ليا يا رب.
مسدت والدتها على شعرها بحنان، وقبلت رأسها.
_ربنا يسعدك يا نور عيني… ويكتب لكِ اللي فيه الخير يا رب.
ابتعدت خديجة عنها، ثم وقفت أمامها تفرك كفيها بتوتر.
جلست والدتها على الكرسي، ورفعت عينيها إليها.
_قولي يا حبيبتي… عايزة إيه؟
اقتربت خديجة وسحبت كرسيًا وجلست إلى جوارها.
_هنزل أنا وحنان… نلف شوية في السوق، ويعني…
توقفت، وأخفضت عينيها.
_عبد الرحمن عايز يقابلني
نظرت إليها والدتها طويلًا، ثم رفعت ذقنها وقالت بحزم الأم التي لا تريد لابنتها أن تخطئ خطوة واحدة:
_هو ينفع يا بنتي؟ ييجي هنا يقول اللي هو عايزه، قدامنا… إنما تروحي تقابليه لوحدكم؟ لا يا خديجة.
أسرعت خديجة:
_ما هو حنان هتكون معايا.
_ولو يا حبيبتي… مينفعش.
وقبل أن ترد، جاء صوت خالد من خلفهما:
_صباح الخير.
التفتت والدته إليه.
_صباح النور يا حبيبي.
اتجه خالد إليها، ثم قال:
_قولت لها يا ماما… عرفتيها إن عبد الرحمن طلب إيدها؟
ارتجفت يد خديجة، فسقط الكوب من بين أصابعها واستقر فوق الطاولة.
ضحكت والدتها، وقالت:
_أهي حالتها ردت عليك.
نظر خالد إلى أخته، التي اشتعلت وجنتاها خجلًا، ثم ابتسم لها.
_خلاص يا ماما… اتأكدي منها. إحنا جيران، ومينفعش نقول كلمة ونرجع فيها.
_حاضر يا حبيبي.
لم تحتمل خديجة المزيد.
نهضت سريعًا واتجهت إلى المطبخ، ووجهها يشتعل بحمرة الخجل
بعد فترة…
كانت خديجة تسير بجوار حنان بين المحلات، تحكي لها ما حدث بالأمس، من لحظة وصول عبد الرحمن وحتى طلبه يدها.
صفقت حنان بيديها، ثم قالت بغمزة:
_يعني بيدو كان واقع لشوشته فيكي، وأنا اللي كنت منشنة عليه!
لكزتها خديجة في كتفها وهي تضحك.
_اسكتي يا بت!
واصلتا سيرهما حتى انتهتا من شراء ما تحتاجانه، ثم اتجهتا إلى الشاطئ.
جلست خديجة على الرمال، وظلت تعبث بأطراف ثوبها.
_جبتينا هنا ليه؟!
_يمكن بيدو يجي مثلًا
شعرت بالحزن واجابتها
لا مش هيجي، أنا قولت لماما إني مش هقابله.. وبعت له رسالة على كدا
نظرت إليها حنان وضحكت:
_يا بنتي، الراجل قاصد خير. جالك البيت من بابه، وقال إنه عايزك في كلمتين…
نهضت وهي تنفض يديها.
_يلا، أنا هسيبك هنا وأقعد هناك، أصله جاي.
ثم التفتت إليها بتحذير مرح:
_وبلاش كل كلمة تجري تقوليها لمامتك… يا خيبة
ذهلت خديجة مما فعلته، وصل عبد الرحمن اليها، اقترب منهما، وألقى السلام.
_السلام عليكم.
ردت حنان، ثم قالت وهي تشير إلى مكان قريب:
_هقعد جنبكم هنا… بس متتأخروش.
_شكرًا يا حنان.
أومأت، ثم ابتعدت سريعًا.
ظلت خديجة تتابعها بعينين مذهولتين، ثم استدارت إلى عبد الرحمن.
_إنت كنت متفق معاها؟ أنا مش قولت لك مش هينفع؟
ابتسم عبد الرحمن، لكنه لم يرد على عتابها، بل أشار إلى المكان أمامه.
_اقعدي يا خديجة.
جلست على مضض، بينما جلس أمامها، وظل للحظات ينظر إلى البحر.
كان واضحًا أن هناك شيئًا أثقل من مجرد حديث عابر.
قال بهدوء:
_فيه كلمتين عايز أقولهم لكِ قبل ما تقولي رأيك في جوازنا.
رفعت عينيها إليه.
_قول.
أخرج عبد الرحمن علبة سجائره، وأشعل واحدة، ثم أخذ نفسًا قصيرًا.
ظلت خديجة تراقبه دون أن تشعر.
وفجأة خرج صوتها عفويًا، قبل أن تلحقه:
_السجاير هتضر صحتك يا عبد الرحمن.
توقف.
ثبتت السيجارة بين أصابعه، ثم رفع عينيه إليها ببطء.
وفي تلك اللحظة…لم يسمع سوى جملة بسيطة.
لكن قلبه سمع اعترافًا كاملًا.
هي خائفة عليه.
ابتسامة صغيرة تسللت إلى شفتيه، وامتلأت عيناه بشيء من الفرح الذي لم يستطع إخفاءه.
_خايفة عليَّ؟
اتسعت عيناها، وكأنها أدركت للتو ما قالته.
_طبعًا.
خرجت منها الكلمة سريعة، صادقة، بلا حساب.
ابتسم أكثر، ثم أطفأ سيجارته قبل أن يكملها، وأسند ظهره إلى المقعد.
أما هي، فخفضت عينيها إلى الرمال، وقلبها يطرق صدرها بعنف.
قال عبد الرحمن بصوت هادئ:
_خديجة…
رفعت عينيها إليه.
_عايزك تسمعيني للآخر… من غير ملل، ومن غير ما تحكمي على كلامي قبل ما أخلص.
تأملها لحظة، ثم تابع:
_لأن اللي هقوله لك دلوقتي… هو أهم كلام هقوله في حياتي.
_قلقتني
هز رأسه وقال
_لا… طبعًا، طول ماانا موجود اوعي اسمع الكلمة دي
“اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك”
بقلم سيلا وليد
ابتسمت وهي تنظر إليه، تنتظر أن يبوح بما جاء من أجله.
ظل عبد الرحمن صامتًا للحظات، يدقق النظر في عينيها اللتين طالما سلبتاه القدرة على الكلام، وكأنه يحاول أن يحفظ تفاصيلهما للمرة الأخيرة قبل أن يسمع منها ما سيحدد مصير قلبه.
قطعت صمته وهي تبتسم بتوتر:
_ساكت ليه؟ على فكرة ماما هتزعل مني أوي.
ابتسم ابتسامة هادئة، ثم قال:
_ليها حق مامتك تزعل وتخاف عليكي يا ديجة.
هزت رأسها باعتراض خفيف:
_مش أوي يا عبد الرحمن… المهم قولي بسرعة، إنت عايز تقول إيه؟
تنفس بعمق، وكأنه يرتب الكلمات في صدره قبل أن يخرجها.
_قبل ما أعرف رأيك في إننا نكمل مع بعض… إنتِ طبعًا عارفة إني مسؤول عن عمر ووالدتي.
قطبت جبينها، ولم تفهم ما الذي يحاول الوصول إليه.
_مش فاهمة يا عبد الرحمن… مال عمر ووالدتك؟
خفض عينيه للحظة، ثم عاد ينظر إليها بنظرة صادقة لا تعرف المراوغة.
_مش هقدر أبعد عنهم يا خديجة.
سكت قليلًا، ثم تابع:
_آه، أنا اشتريت شقة في مكان كويس، وكان نفسي نستقر فيها ونبدأ حياتنا بعيد عن أي حاجة… بس مش هقدر أبعد عن والدتي. البيت كبير، وعمر طول الوقت مش موجود، وكمان خلاص هيروح الجامعة، وماما هتبقى لوحدها. يعني ممكن تتعب، لا قدر الله، وأنا مش هقدر أسامح نفسي لو حصل لها حاجة وأنا مش جنبها، خصوصًا إن الشقة بعيدة.
ظلّت تستمع إليه دون أن تقاطعه.
لكن شيئًا في داخلها كان قد تبدّل.
لم ترَ في كلماته رجلًا يتراجع عن حبه، بل رأت رجلًا يضع أمه في قلب مسؤولياته، ويخشى أن يتركها وحيدة بعدما أفنت عمرها من أجله.
كان قلبها يرقص فرحًا.
فرحًا لم تستطع إخفاءه، ولا السيطرة عليه.
اجتاحتها مشاعر عاصفة، حتى تمنّت لو تلقي بنفسها بين ذراعيه، وتصرخ بأعلى صوتها:
«بحبك أوي يا عبد الرحمن.»
جاء صوته فأعادها إلى الواقع:
_خديجة… سمعاني؟
رفعت عينيها إليه، وقد لمعتا بسعادة لم تستطع إخفاءها، وأومأت برأسها وهي تبتسم:
_أيوة… سمعت اللي قولته.
ابتسم، لكنه لم يسمح لفرحته أن تسبقه.
_طيب ساكتة ليه؟
فتحت فمها لتجيب، لكنه رفع يده قليلًا يوقفها.
_لا… فكري كويس. علشان مترجعيش تندمي تاني، ويبقى نفسك في يوم يكون ليكي بيت لوحدك. وعلى فكرة… مش هزعل، لأن ده حقك.
أغمضت عينيها للحظات، وكأنها تحاول أن تُسكت قلبها الذي أخذ يخبط في صدرها بعنف.
_خديجة…
فتحت عينيها ونظرت إليه.
ساد بينهما صمت طويل…
ثوانٍ قليلة، لكنها حملت من الكلام ما عجزت عنه الحروف.
تلاقت عيناهما، فكان حديث العيون أصدق من أي اعتراف.
ثم قالت بخفوت:
_إنت كتبت في الرسالة إيه يا عبد الرحمن؟
ضيق عينيه باستفهام.
ابتسمت بخجل، وقالت:
_خديجتي…
ثم رفعت حاجبها قليلًا:
_يعني مبقاش ليا رأي يا عبد الرحمن؟
كأن الكلمة وحدها كانت كافية لتزلزل كيانه.
ارتجف قلبه، بل شعر برجفة تسري في جسده كله، وهمس وكأنه يخشى أن يسمع الإجابة فيتبدد حلم انتظره طويلًا:
_يعني موافقة نكمل حياتنا مع بعض؟
نظرت إلى الأرض، واشتعلت وجنتاها بحمرة الخجل، ولم تجبه.
ابتسم، ثم هز رأسه بيأس مصطنع:
_لا لا… ما هو أنا مُصر أسمعها منك.
اقترب قليلًا، وعيناه لا تفارقان وجهها.
_حتى لو خالد رد وقال آه أو لأ، كنت هقف قدامك وأسألك بنفسي.
ثم خرج صوته أكثر دفئًا:
_موافقة بعبد الرحمن يا خديجة تكملي عمرك معاه؟
توقف لحظة، وكأن الكلمات القادمة تحمل كل ما أخفاه طوال السنوات الماضية.
_قوليها يا خديجة… تعرفي أنا مستنيها من خمس سنين؟
رفعت عينيها إليه.. التقت فيها عيناها بعينيه، لم تعد بحاجة إلى أن تقول شيئًا.
كانت عيناه تنطقان بالعشق قبل شفتيه..
ارتعشت شفتاها، وحاولت أن تنطق ولكن هربت الحروف من بين شفتيها، اقترب ميتندا بذراعه على الطاولة وعيناه لا تفارقنها  ثم خرجت الكلمة أخيرًا…
حتى هدمت في قلبها كل جدران الانتظار:
_بحبك…
توقفت أنفاسها.
وكأن العالم كله صمت لحظة، لكي تسمعه
هزة عنيفة جعلت قلبها يتراقص، بل جسدها ينتفض بالنبض، فنهضت سريعًا تجمع أشياءها بارتباك، تحاول الهرب من عينيه قبل أن يفضح خجلها
_اتأخرت… لازم أمشي.
نهض عبد الرحمن خلفها سريعًا، وأوقفها قبل أن تبتعد.
_خديجة، استني!
التفتت إليه مرتبكة.
_لازم آخد الرد منك إنتِ… مش من أي حد تاني.
فتحت حقيبتها بيد مرتجفة، وأخرجت البطاقة التي أرسلها إليها.
مدتها إليه دون أن ترفع عينيها:
_ردي هنا يا عبد الرحمن…
ثم أسرعت تقول:
_همشي بعد إذنك.
أمسك البطاقة، وقلبها بين أصابعه باستغراب.
_بتديني رسالتي ليه؟
لم تجبه.
تحركت مسرعة نحو صديقتها.
فتح عبد الرحمن البطاقة.
توقفت عيناه عند الكلمات التي خطتها بيدها.
ظل يقرأها للحظات، ثم رفع عينيه سريعًا نحوها.
كانت قد ابتعدت بالفعل، تتحرك بخطوات سريعة بجوار صديقتها، وكأنها تهرب من قلبها قبل أن تهرب منه.
تسللت ابتسامة واسعة إلى وجهه.. وتمتم بعشق:
_رحماني…
ثم ضحك بخفوت، كأنه لا يصدق أن ما انتظره طويلًا أصبح حقيقة.
رفع عينيه نحو أثرها، وقال في نفسه:
_آه يا خديجة… لو تعرفي عملتي إيه في فارس قلبك.
وصلت الى منزلها بوقت قياسي، قابلتها والدتها على باب المنزل
_ايه اللي اخرك يابنتي
_اسفة ياماما، حقك علي، هدخل اشوف الاكل
وقبل ان تخطو… امسكتها والدتها من يدها
_مالك… وشك احمر كدا ليه
_مفيش ياماما… قالتها وهي تنزع حجابها، وعيني والدتها تحاوطها، التفت اليها
_قابلت عبد الرحمن
ابتعدت والدتها بنظرها دون ان تعلق على حديثها، اقتربت منها وامسكت كفيها تقبلهما، ثم رفعت وجهها الى والدتها
_ماما.. والله مش انا اللي قولت له، انا بعت له امبارح، وقولت له انك رفضتي، بس هو قابلني كان عايز يتكلم
_وينفع ياخديجة، افرض حد شافكم يابنتي يقول عليكم ايه، حتى لو اتقدم، مادام مفيش رابط رسمي مينفعش، انا خايفة من كلام الناس حبيبتي، مش هيرحمك
تسللت للأحضان والدتها
_خلاص بقى ياماما، هم اصلا خمس دقايق عمي، والبت حنان كانت معانا
ابتسمت والدتها تضمها بذراعيها
_عُمي يابنت فاتن
ضحكت ضحكة طفولية
_ماخلاص بقى يافاتن، لازم تكسفيني كدا
احتضنت فاتن وجه ابنتها، تنظر اليها بحنان
_ربنا يسعدك يابنتي يارب، المهم بقى الاستاذ عبد الرحمن كان عايز ايه، علشان يخليكي تكسري كلامي
فركت كفيها بخجل تنظر للأرض، رفعت والدتها وجهها تهز رأسها
_سمعاكي حبيبتي، قولي حبيبتي، احكي لي كل حاجة
جلست تهمس بخفوت
_كان عايز رأيي في حاجة، يعني بيقولي انه مش هيستقر في شقته، عايز يفضل هنا مع مامته واخوه

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!