الشيطان وقع 4

………

-انا حاسة أنك فرحان اووي يا بني…ورد قدرت تسعدك . صح ؟!
قالتها والدة ياسين وهي تربت على كتفه بينما ورد كانت بالمطبخ تجهز العصائر وياسمين تلعب بجوارهما …
كانت صفية ترى السعادة بوضوح في عيني ابنها …كان يبدو مُشرق…وعرفت ان اختيارها كان صائب للغاية فها هي ورد استطاعت جلب السعادة لوجهه…ابتسم ياسين بإتساع وهو ينظر اليها بشرود …حقا هو سعيد …لم يظن ان ورد سوف تحتله لتلك الدرجة ولكنها فعلت ..حقا غيرت من حياته …وهو يريد أن يتغير من أجلها …يريد ان يسعدها كما اسعدته …يتنهد وهو يتذكر انها تفعل المستحيل لإسعاده هو وابنته وكم يتمنى ان يسعدها أيضا …يتمنى أن تضحك دوما …يتمناها ان تحبه بحرية ويتمنى ألا يؤ ذيها أبدا …
-ايه سؤالي صعب؟!
قالتها والدته برقة وهي تبتسم ثم تمعنت فيه بقلق تنتظر أجابته ليشد ياسين كفها ويقبلها وه
على وجهه ابتسامة رائعة تنافس في جمالها لمعان عينيه وقال :
-أنا مبسوط …مبسوط أووي يا أم الباشمهندس ياسين …
ضحكت صفية برقة وضمته إليها وهي تقول:
-الحمدلله …الحمدلله يا بني انا كدة اقدر ارتاح …أخيرا فرحت في حياتك
ابتسم ياسين أكثر وهو يربت على كتفها ثم ابتعد وقال :
-طيب عن إذنك يا ماما هشوف ورد جهزت ولا لأ..
هزت صفية رأسها وقالت:
-روح يا ابني ربنا يهدي سركم يارب ويبعد عنكم.العين ويرزقكم بالذرية الصالحة
نهض ياسين مبتسما وهو يلج للمطبخ ..
توقف وهو يراها تضع قالب الكيك على الحاجز الرخامي …عبس وهو ينظر إلى فستانها البيتي الطويل ….هو يحبها في الفساتين القصيرة أكثر…بالطبع في المنزل فقط …ولكن والدته هنا ولا يصح أن ترتدي شيئا قصير …
ابتسم بشقاوة وابتسم وهو يقترب منها ….
شهقت ورد بقوة وهي تشعر به يحاصر خصرها ويجذبها إليه …
-ياسين بتعمل ايه ؟!
قالتها وقد بدأ وجهها يتخضب بحمرة الخجل بينما يسند هو رأسه على كتفها ويقول :
-لسه مخلصتيش ؟!
زفرت بحنق وقالت:
-خلاص هقطع الكيك اطلع برا واقعد مع طنط عيب كده افرض.دخلت دلوقتي تقول علينا ايه ؟!.
-لا عادي أمي متعودة على كده منه …دايماً بتقول عليا متربتش !!!
استدارت لكي تدفعه ولكن من سوء حظها ضمها إليه بقوة حتى أصبح وجهها يقابل وجهه …وضعت كفها بينهما وهي تحاول دفعه الا انها فشلت تماما …
-ياسين احترم نفسك وابعد ..افرض حد دخل دلوقتي هيقول علينا ايه
-ميهمنيش..
قالها بتسلية وهو يقترب بشفتيه من وجهها الا انها ابعدت وجهها وقالت :
-بالله عليك ابعد وبطل اساليبك دي مامتك برا ..ياسين .. ياسين…
هتفت بإعتراض وهو يضع شفتيه على وجنتها ويقبلها بتتابع على وجهها …تنهدت وهي تستلم له وتبتسم ثم وضعت كفيها على جذعه وهي تسمح لنفسها بالإنقياد خلف جنونه
-آه …
كانت تلك صرخة انفلتت من بين شفتي صفية …
ابعدت ورد ياسين بعـ نف وقد أحمرت بشدة وهي تنظر لحماتها بخجل …أرادت في تلك اللحظة فعلا ان تختفي تماما …شعرت بخجل كبير وكم أرادت ان تقتـ ل ياسين الذي وضعها في هذا الموقف المحرج …نظرت إليه وعينيها البنية تشتعل بغضب لتجده غير مبالي …غير محرج حتى ينظر الى والدته بإبتسامته المستفزة….
ضحكت صفية وقالت:
-معلش يا بنتي يا ورد ..اصل ياسين ابني مترباش …
ضحك ياسين وقال وهو يشد ورد إليه :
-انا قولتلها كده مصدقتش …
كادت ورد أن تبكي من شدة خجلها ونظرت أرضا بتوتر وخجل …
ضحك عليها ياسين لتقول صفية فجأة :
-صحيح يا بني رافت كلمني وقال إنه جاي هنا للدكتور هو ومراته …وانا بصراحة بستأذنك أعزمه عندك …
-اووف يا أمي انا مبطقش الراجل ده !!!
قالها ياسين بغضب …لتحاول صفية تهدئته وتقول:
-معلش يا ابني …ابن خالتك وهو جاي على العشا وهيمشي علطول على بلده .
نفخ ياسين بضيق وهو يفكر أن غدا سوف يكون الأسوأ بالتأكيد !!
…….
في المساء
جالس على مقعده المهتز بينما يدخن سيجارته …قلبه مُتألم …لقد خـ سر …خسر مجددا !!!
كانت عينيه ملبدة بالدموع …لقد تحطـ م قلبه للمرة الثانية …الالم كان شديد ..لن ينكر أنه تصرف بحقا.رة ولكن فكرة أنها سوف تتركه تقتـ له …
انسابت دموعه وهو يعود برأسه على المقعد …يتنفس بسرعة والذكريات تجتاح عقله …ذكريات تمنى دوما أن يتخلص منها …ذكريات تمنى أن تختفي دون رجعة …ولكن الذكريات تلك مصممة على اختراق عقله من وقت لآخر …دعك عينيه وجسده يهتز ..أنه يبكي …يعود للماضي …خمسة عشر عاماً …خمسة عشر عاماً منذ أن انكسر…منذ أن حطمت قلبه تلك !!كان عمره ست وعشرون عاما وقتها …كان شاب مفعم بالنشاط …محب ومخلص …صحيح أحواله المادية سيـ ئة قليلا ولكنه دوما كان متفائل ولكنه أرتكب اكبر خطأ قد يرتكبه شاب مثله …أحب …عشق بجنون …أعطى قلبه ومشاعره وحياته كلها لفتاه هواها من النظرة الأولى …لقد عشق تلك الفتاة …أثرت به حقا…وعلى قدر عشقه لها ..تحطـ م بعنف على يدها ….انسابت دموعه أكثر وهو يتذكر ما حدث بالماضي…يتذكر كيف تحطـ م بعـ نف على يد من عشق أكثر من الحياة
…………..
في الماضي ..
-انا اتعينت خلاص رسمي في الكلية وأحوالي هتتحسن مع المحاضرات وشغلي الإضافي بإذن الله واقدر اجي لوالدك واطلبك …
قالها يوسف وعينيه العسلية تبرق بحب …ملامحه الفتية كانت تفيض بالعشق لها ..لرقية حبيبته …لقد وقع في غرامها من أول يوم رأها فيه في الجامعة حيث كانت هي في الفرقة الأولى من كلية العلوم وهو في الفرقة الثانية وبما أنه كان الطالب الاكثر اجتهادا في دفعته كان دوماً يأتيه الطلاب من دفعته والدفعات الأصغر منه ليساعدهم …وهي من لفتت نظره فأعطاها اهتمام أكبر وبعد محاضراته الطويلة والمنهكة كان يجلس معها ويشرح لها ما عجزت عن فهمه… كان مفتون بها حقا …قصة حبهما كانت عنيفة للغاية …كان ينتظر بلهفة حتى يعدل من أحواله المالية ويطلبها للزواج. ..
على الرغم من العشق الذي كان يفيض من وجهه كانت ملامح رُقية باردة للغاية تشعر بأن مشاعرها تبهت نحوه …لا تنكر أنه مر بظروف صعبة للغاية خاصة بعد مر ض والدته وهو من تكفل بعلاجها بالكامل حتي أخذ الله أمانته وهو إنها ر لفترة ولكنه عاد مجددا ليحاول الزواج منها … ولكن يوسف لن يحقق أحلامها أبدا !!!
تنهدت وهي تنظر إليه وقد اكتست ملامحها بالغضب …
-بس أنا تعبت يا يوسف …احنا بقالنا كتير مرتبطين وأنت توي هتبدأ تجهز نفسك …
قالتها رُقية بغضب …ليرتبك ويقول :
-حبيبتي اصبري سنة بس …صدقيني هشتغل بإيديا وسناني لحد ما اكون مبلغ محترم ونتجوز
ضحكة ساخرة أفلتت من بين شفتيها وقالت:
-طيب وبعد ما نتجوز يا أستاذ يوسف هتصرف عليا كويس. هتحقق كل احلامي ولا هعيش معاك في الفقر …اطلع من المرار اللي في بيت بابا وادخل بيتك وأشوف مرار تاني …هو انا مش مكتوب عليا أرتاح أبداً !!!
ضيق عينيه وهو ينظر إليها وقال:
-ايه اللي أنتِ بتقوليه ده يا رُقية …مرار ايه اللي هتعيشيه في بيتي . أنا هكون دكتور يعني هيكون ليه مرتبي ووضعي وهعيشك كويس …هتكون أحوالنا مرتاحة يعني متخافيش . .أنا مش هخليكي تحتاجي حاجة ابدا ..ابدا ..
رفعت رأسها ونظرت إليه وهي تقول :
-يعني هتجيبلي العربية اللي وريتهالك على الواتس من يومين …
ضحك ..حقا ضحك وقال:
-حبيبي ..عربية ايه دلوقتي …يعني استني واحدة واحدة وهنشتري عربية واللي أنتِ عايزاه …
-هتكتب الشقة اللي هتشتريها بإسمي …
هز رأسه وقال؛
-عيوني يا ستي لما الأحوال تتضبط هعملك اللي عايزاه…بس حاليا هنعيش في شقة إيجار ..
كانت خيبة الأمل تكسي وجهها …كانت غاضبة بشدة من سلبيته…هي لا تريد تلك الحياة …لا تريد أن تعيش هكذا دون أي رفاهية …هي تريد أن تخرج …ترى العالم …ترتدي كما تحب …تكون لها سيارات ملكها …قصر يكون ملكها …صحيح انها كانت تحبه ولكن الحب أبداً لا يكفي …
-للاسف يا يوسف مينفعش …
-ايه هو اللي مينفعش يا حبيبتي ؟!
قالها بحيرة ولكن بدأ الخوف يتسلل بخبث لقلبه ..لتُعيد خصلات شعرها للخلف وتقول :
-أنت مش هتقدر تحقق احلامي خالص …أنا مش عايزة واحد ياكلني وبس ..أنا عايزة أخرج وأشوف العالم …عايزة اللي أطلبه الاقاه فورا ..مش تقولي اصبر ومصبرش …أنا صبرت كتير عليك ومش ذنبي ان والدتك تعبت …
-رُقية !!
قالها بصدمة وقد شعر بالدموع تلسع عينيه…
امسكت حقيبتها ونهضت وقالت؛
-أنا متقدملي صاحب الشركة اللي بابا شغال فيها وكنت مترددة بس شايفة ان هو ده اللي هيحققلي أحلامي …آسفة يا يوسف !!!
ثم ذهبت وخرجت من المقهي بكل بساطة …خرجت بعد أن فتتت قلبه …لا يظن أبدا أنه سيحب مرة آخري !!!
…..
-آه …
خرج من شروده وهو يصرخ بينما الدموع تغرق وجهه كم يتأ لم …أنه يمو ت …يمو ت بالفعل …لقد أحب مجددا …وخسر مجددا. ..ولكن لا نسرين ستعود له …ستعود له برغبتها أو رغما عنها حتى …هي لن تتسرب من بين يديه !!!
………………..
-مبقتش حابب أنك كل شوية تروحي تباتي عند ليان يا نسرين أنتِ ليكي بيت وانا مش حابب شغل السرمحة ده !
تكلم كريم على طاولة العشاء وقد نفذ صبره بسبب تصرفات ابنته الطائشة …
لم تنظر إليه حتى ولم ترد بل أخذت تأكل بدون مبالاة…
-انا مش بكلمك !!!ايه طرشة !!
زعق بها لتتدخل نهى وتقول :
-كريم لو سمحت كفاية كده وبعدين احنا عارفين ليان ومفيهاش حاجة لما تروح عندها …
-وليه هي معندهاش بيت …
-بتريح أعصابها …
نهض كريم بغضب وقال؛
-تريح أعصابها من مين ..حد كلمها …
تنهدت نهى بتعب وقالت:
-كفاية لو سمحت …كفاية دي مش طريقة تعامل بيها نسرين وانا مش هسمحلك كل شوية تكلمها كده.
نهضت وقالت بغضب :
-بنتك من فترة جالها إنهيار عصبي وكانت هتروح مننا …هو ده اللي عايزه يا كريم …اتعامل معاها كويس لو سمحت !!!
ضرب على طاولة الطعام بعنف وقال:
-متتدخليش بيني وبين بنتي يا نهى …أنتِ مش امها عشان تعلميني ازاي اتعامل مع بنتي …
-خلاص خلاص كفاية …
صرخت نسرين وهي تنهض وقد فقدت السيطرة على دموعها …وأكملت :
-هو اي تلكيكة وخلاص عشان تنكد عليا …عايز تعمل اي حاجة عشان تتخانق معايا …أنا عملتلك ايه …عملتلك ايه لده كله ….
اقترب منها بنية ضر بها إلا أن نهى وقفت بينهما وصرخت :
-كفاية يا كريم …كفاية ….
حاول كريم إبعاد نهى وزعق:
-عشان متربتيش …عايزة تمشي على حل شعرك وخلاص ..
-كريم كفاية …كفاية !!!
اخذت نهى تصرخ به لتقول نسرين بنبرة باردة:
-يمكن فعلا بمشي على حل شعري عشان حضرتك مش فاضي تربيني…
-والنعمة لاوريكي يا نسرين !
قالها كريم بغضب ثم دفع نهى بعيدا حتى وقعت على الأرض وصفـ ع نسرين بقوة ….لم يجعلها تبتعد بل امسك شعرها وعينيه الزرقاء كعينيها تشتعل :
-قوليها تاني…قوليها تاني ..أنا مربتكيش صح ؟!!طيب يا نسرين أنا دلوقتي هربيكي …هربيكي يا نسرين من اول وجديد عشان تحترمي نفسك !!!وعشان تحترمي ابوكي ..لاني للاسف سيبتلك الحبل على الغارب وكنت موافق على كل تصرفاتك….
صفـ عها مرة آخرى وآخرى ثم بدأ يخنـ قها بقوة …كانت نهى تصرخ وتحاول أبعادها عنه بينما نسرين تنظر إلى والدها بذهول وقد تحطـ م شئ داخلها…تحطـ م للأبد ..لا الضر ب ولا الخنـ ق كانا يؤثران بها مثل الكر ه الذي تراه بعينيه….
-كفاية بقا …كفاية يخربيتك!!
صرخت نهى ليدفع كريم نسرين فتقع على الأرض …نظر كريم وقال ببرود:
-ياريتك كنتِ مو تي مع أمك …ياريت …
-كفاية ..كفاية …اسكت يا مر يض دي بنتك !!!!
وكأن تلك الجملة كانت بمثابة مياه باردة انسكبت على وجه كريم ليفيق مما يفعله !!
كانت واقعة على الأرض…عينيها باردة لا أثر فيها للدموع ولكن فمها ينز ف قليلا من أثر ضربه …تراجع كريم وهو يعود لوعيه ويرى ماذا فعل بإبنته …شعر حقا بالخجل من نفسه …
-نسرين !!
قالها بتردد وعينيه تلمع بفعل الدموع …
بينما جلست نهى بجانبها وكانت تبكي بعنف …ضمتها نهى إليها وقالت:
-نسرين حبيبتي …
-انا كويسة يا خالتو…
قالتها نسرين ثم نهضت ونظر إليه بثبات وقالت:
-ياريت فعلا كنت مُـ ت ورا ماما مكنتش هسببلك الإزعاج ده كله…
-نسرين أنا …
كان يتكلم بصعوبة …يشعر بأ لم كبير في قلبه …كيف فعل هذا …كيف ضر ب ابنته بتلك الطريقة …ولكن ما ارعبه فعلا هو رد فعلها …فرد فعلها غريب للغاية…خاف أن تنها ر كما حدث من قبل ….
-نسرين …أنا …
قالها مجددا وهو يقترب منها ليلمسها ولكنها ابتعدت وقالت :
-انا هسيبلك البيت …مش هقعد هنا تاني …
ثم ذهبت من أمامه وولجت إلى غرفتها …بينما نهضت نهى وهي تلج خلفها لغرفتها وتقول :
-استني يا نسرين …
هزت نسرين رأسها وهي تحزم حقيبتها :
-لا يا خالتو مش هقعد في البيت ده تاني …
تنهدت نهى وقالت:
-طيب استنيني هلم هدومي واجي معاكي …هنروح نعيش في بيت فؤاد!!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!