وتبسمت ذات النقاب
***************
قطع دوي رنين الهاتف حديث “عاصم” و “زين” ..
فإلتقط “عاصم” هاتفهه من فوق الطاولة أمامه ، و نظر إلي أسم المتصل ، و إبتسم ، ثم أجاب:
-الو .. اهلا يا طارق بيه ، ها طمني ، ايه الاخبار ؟؟
أجاب الطرف الأخر بقوله:
-كله تمام يا عاصم باشا .. ماشيين علي تعليمات حضرتك بالظبط ، و عمها لسا واصل من شوية و قاعد معها جوا في مكتبي دلوقت.
أومأ “عاصم” رأسه مهمهما ، ثم سأله و قد برقت عيناه بترقب:
-حالتها .. عاملة ازاي يا طارق بيه ؟؟
-بصراحة البنت منهارة عالأخر و أعصابها مدمرة.
إتسعت إبتسامة “عاصم” الخبيثة لسماع ذلك التصريح من الضابط المحقق الذي جنده للعمل لصالحه ، فيما عاد يقول منبها:
-مش هاوصيك يا حضرة الظابط .. المعاملة لازم تكون كويسة ، و الضيافة لازم تكون كريمة ، الموضوع كله مش هياخدله يومين زي ما الاستاذ زين فهمك.
-اه طبعا طبعا يا باشا انا فاهم .. احنا من اول ما جبناها و هي قاعدة عندنا معززة مكرمة ، ده انا حتي وصيت العساكر ينقلوا الستات القلق من الحجز لحد ما الموضوع يخلص عشان مايتعرضولهاش.
-حجز !!
صاح “عاصم” بغضب ، و تابع بصوت عنيف إستنكاري و كأنه يتوعده:
-انت نزلتها الحجز يا حضرة الظابط ؟؟!
تلعثم “طارق” مرتبكا و قد شعر بإضطراب شديد من لهجة “عاصم” السافرة ، فإن إثارة غضب واحدا مثل “عاصم الصباغ” لن تكون أبدا نقطة في صالحه
فهو يعلم جيدا إلي أي مدي نفوذه واسعة ، كما أن أمواله طائلة ، يستطيع أن يفعل من خلالها ما يحلو له عن طريقه أو عن طريق ممن سواه أيضا ..
لهذا إنطلق صوته المرتبك يقول ملطفا في حذر:
-يا باشا ننقلها في احسن حتة عندنا في القسم حالا و لوحدها ، و لا تضايق نفسك اوامر معاليك علي راسنا.
بوجوم و خشونة رد “عاصم”:
-انا بنفسي هاجي اشوفها بكرة .. و يا ريت ألاقيها كويسة و مش متبهدلة.
-اكيد يا باشا ، انا تحت امرك.
و أغلق “عاصم” الخط معه متنهدا ، بينما سأله “زين” مترقبا:
-ها ! قالك ايه طارق الحسيني ؟؟
أجابه “عاصم” بترفع و إنتصار:
-عمها معاها في القسم دلوقتي.
ثم إشرق وجهه قريرا راضيا ، فقد حاكي جيدا رداء التهمة فوق جسد “هانيا” بحيث إستطاع بسلطته الطاغية ، و وسائله الملتوية أن يخلق لها مأزق وهمي ليجعلها ترضخ له و تنفذ كافة أوامره .. :
-طب وبعدين يعني ؟ ايه اللي هيحصل دلوقت ؟؟
وجه “زين” تلك التساؤلات إلي “عاصم” الذي صمت لبرهة ، ثم هز كتفيه بخفة و أجابه ببرود:
-و لا جاجة .. اكيد عمها هيشرفنا انهاردة في اي لحظة .. و انا مستعد للمقابلة دي اوي .. اما هي.
و أضاف متشفيا بعد تنهيدة عميقة:
-هاروحلها بكرة القسم زي ما سمعت من شوية .. و هشوف بقي دماغها هاتوديها علي فين !
و هنا آتي أحد أفراد الحرس مهرولا و هو يقول لاهثا بوجه شاحب:
-عاصم باشا ، الحق يا باشا شهاب بيه !
هب “عاصم” واقفا كما العاصفة و هو يهتف بقلق محتد:
-ماله شهاب ؟؟
في إرتباك و وجل أجاب الحارس:
-شـ شوقي دخل يوديله الغدا فـ فـ ..
-فـ ايه انطق ؟؟
صاح به “عاصم” في عنف أجاب الحارس علي إثره مرتعد الأوصال:
-فلاقاه مرمي عالأرض و قاطع النفس خالص يا باشا.
إتسعت حدقتاه في رعب مطلق ، و بسرعة البرق ، إجتاز “عاصم” حديقة قصره ركضا يتبعه “زين” و من ثم صعد الدرج المؤدي إلي العُلية الأولي إثنتين إثنتين قفزا حتي وصل إلي غرفة شقيقه ..
دفع باب الغرفة الموارب ، و ولج إلي الداخل ..
كان صدره يعلو و يهبط ، و يتسرب من بين شفتيه صوت لهاث و هو يبحث عن أخيه بعينيه .. إلي أن وجده ملقي فوق الأرض الرخامية بجوار فراشه ، و بجانبه لفافة بلاستيكية شفافة و ورق نحاسي صغير ..
علت الصدمة وجه “عاصم” و هو يري من موضعه لون بشرة شقيقه تزداد شحوبا و إصفرارا ، كما رأي تلك الرغوة البيضاء منبعثة من جوفه تسيل علي جانب فمه
فأسرع نحوه ، و جثا إلي جانبه ، ثم قام بجس نبضات معصمه .. فوجدها ضعيفة و بطيئة للغاية ..
شعر “عاصم” بخوف بارد يدب في قلبه ، و غمره إحساس مألوف بالفقد أثقل صدره بوطء مفزع لأمر لم يقع بعد و هو يري وجه أخيه و قد غارت الدماء منه حتي إعتراه الشحوب التام
إلتقط”عاصم” اللفافة البلاستيكية و لوح بها في الهواء ، و هو يهدر بصوت كالرعد في وجوه حرس القصر الذين إجتمعوا دفعة واحدة داخل غرفة “شهاب” فور سماعهم بالكارثة التي وقعت:
-المخدرات دي دخلت لأخويا ازااي ؟ الزفت ده وصلله ازاااي ؟ انتوا كنتوا فين يا شوية *****
هدئه “زين” بصرامة قائلا:
-اهدا يا عاصم مش وقته التحقيق ده ، هنتصرف معاهم بعدين ، المهم دلوقت نلحق شهاب.
و بسرعة أخرج هاتفهه ليطلب سيارة إسعاف ، بينما تكلم أحد أفراد الحرس لإقصاء الذنب عن نفسه ، و مدافعا عن باقي زملاءه:
-يا عاصم باشا اكيد صاحب شهاب بيه اللي جه من شوية هو اللي اداله الحاجات دي ، مش ممكن احنا اللي هندخلهاله من ورا حضرتك يعني.
أكفهر وجه “عاصم” في تلك اللحظة و بدا قادرا علي القتل ، فقد كان عذر الحارس أقبح من ذنبه ، فهو من المتفرض أن يقوم بتفتيش كل من يدلف إلي القصر و إلي غرفة “شهاب” بالأخص تفتيشا دقيقا ، إذن كيف وصلت تلك السموم المخدرة إلي شقيقه ..
قال “عاصم” و هو يصدح بصوته العنيف:
-معني كده ان سيادتك خيال مآته ! اي حد ممكن يغفلك و يدخل القصر بأي حاجة.
كاد الحارس يتكلم ليدافع عن نفسه مجددا ، فقاطعه “عاصم” مزمجرا بشراسة:
-و ديني و ما اعبد لو اخويا حصله اي حاجة لهدفنكوا كلكوا بالحيا.