قصة ادهم وليلى سيلا وليد

حينما كسر الغرور قلبه
الفصل الأول: فتاة لا تملك سوى أحلامها
لم تكن الحياة عادلة بما يكفي لتمنح الجميع فرصة متساوية، ولم تكن ليلى من أولئك الذين ابتسم لهم القدر منذ البداية.
منذ أن فتحت عينيها على الدنيا، لم تعرف معنى أن تستند فتاة إلى كتف أبيها حين تخاف، أو أن تركض إلى أمها حين يؤلمها شيء. فقد رحل والداها في حادث سيارة وهي لم تتجاوز السادسة من عمرها، تاركين خلفهما طفلة صغيرة لم تكن تفهم لماذا ينام الجميع حولها ويبكي أحدهم كلما سألت عن أمها.
انتقلت بعدها للعيش في منزل خالتها، التي احتضنتها رغم ضيق الحال وكثرة المسؤوليات. لم تكن خالتها امرأة غنية، لكنها منحتها ما هو أثمن من المال؛ بيتًا صغيرًا لا تشعر فيه بالوحدة، وقلبًا لم يُشعرها يومًا بأنها عبء.
والآن، أصبحت ليلى في الثانية والعشرين من عمرها، طالبة في الفرقة الرابعة بكلية التجارة، تحمل فوق كتفيها أحلامًا أكبر من إمكانياتها، وإصرارًا لا يعرف الاستسلام.
كانت الساعة السابعة صباحًا حين رن المنبه للمرة الثالثة.
مدت يدها من أسفل الغطاء وأغلقته، ثم فتحت عينيها ببطء وهي تتمتم:
ـ يا رب، هو أنا مش هعرف أنام يوم واحد من غير ما أصحى على صوت المنبه ده؟
جاءها صوت خالتها من خارج الغرفة:
ـ يا بنتي اصحي، هتتأخري على المحاضرة! كل يوم نفس الحكاية، وفي الآخر تجري من البيت كأنك بتطاردِي حرامي!
ضحكت ليلى وهي تنهض من فراشها.
ـ حرامي إيه بس يا خالتي؟ ده أنا لو اتأخرت خمس دقايق الدكتور هيبصلي بصّة تخليني أندم إني دخلت تجارة أصلًا!
ـ طب يلا يا ست الدكاترة، الفطار جاهز.
نهضت ليلى، رتبت فراشها، ثم اتجهت إلى المرآة الصغيرة المعلقة على باب خزانتها. صففت شعرها البني الطويل، وربطته للخلف، وارتدت ملابسها البسيطة، ثم وضعت كتبها في حقيبتها القديمة التي حافظت عليها منذ بداية الجامعة.
خرجت من غرفتها لتجد خالتها تضع أمامها طبق الفول ورغيفين من الخبز.
ـ اقعدي كلي يا ليلى، مش كل يوم تخرجي من غير فطار.
جلست ليلى وهي تلتقط قطعة خبز.
ـ حاضر يا ستي. بس ادعيلي أخلص السنة دي على خير، وأجيب تقدير حلو، وألاقي شغل محترم بعد التخرج.
جلست خالتها قبالتها، تتأمل وجهها بحنان.
ـ ربنا يفتحها في وشك يا بنت أختي، ويعوضك عن كل حاجة وحشة شفتيها. نفسي أشوفك عروسة وأفرح بيكي قبل ما أموت.
رفعت ليلى رأسها بسرعة.
ـ بعد الشر عليكي! هو أنا هلاقي حد يستحمل نكدك غيري؟
ضربتها خالتها بخفة على كتفها.
ـ نكد؟! يا بت يا قليلة الأدب، ده أنا اللي شايلاك من وإنتِ عيلة صغيرة!
ضحكت ليلى، ثم مالت تقبل رأسها.
ـ ربنا يخليكي ليا يا أمي.
خرجت الكلمة منها بعفوية، لكنها جعلت عيني خالتها تلمعان. كانت تعرف أن ليلى لم تنادِها يومًا بخالتي حين تحتاج إلى الأمان، بل كانت تناديها أمي، وكأنها تحاول أن تعوض بقلبها ما فقدته في طفولتها.
أخذت ليلى حقيبتها، ووقفت عند الباب.
ـ أنا ماشية. متنسيش تدعيلي.
ـ ربنا يرضى عنك يا حبيبتي. وخلي بالك من نفسك.
أغلقت ليلى الباب خلفها، وانطلقت إلى يوم جديد، لا تعرف أنه سيكون البداية التي ستغير حياتها بالكامل.
في الجامعة…
كانت ليلى تسير في الممر المؤدي إلى المدرج، تحمل كوبًا من الشاي اشترته من البائع الموجود أمام البوابة، حين سمعت صوتًا يناديها.
ـ ليلى! استني يا بنتي!
التفتت لتجد صديقتها المقربة، مريم، تركض نحوها وهي تحمل حقيبتها على كتف واحد.
ضحكت ليلى.
ـ إنتِ بتجري كده ليه؟ حد بيجري وراكي؟
ـ أيوه، الدكتور. ولو دخل قبلي هيفصلني من المحاضرة، وأنا مش ناقصة بلاوي.
ـ طب ما تيجي بدري بدل ما كل يوم تعيشي دور الضحية!
سارتا معًا، وظلت مريم تتحدث عن امتحان المحاسبة الذي اقترب موعده، حتى توقفت فجأة أمام لوحة إعلانات الكلية.
ـ استني! بصي هنا!
اقتربت ليلى منها، فوجدت إعلانًا عن تدريب للخريجين وطلاب السنوات النهائية في إحدى الشركات الكبرى، مع إمكانية التعيين بعد اجتياز فترة التدريب.
كان اسم الشركة مكتوبًا بخط واضح:
مجموعة أدهم الشناوي للاستثمار والتجارة.
اتسعت عينا مريم.
ـ يا نهار أبيض! دي شركة أدهم الشناوي! إنتِ عارفة الشركة دي؟
هزت ليلى رأسها.
ـ سمعت عنها، مش دي اللي ليها فروع كتير؟
ـ فروع إيه بس؟ دي من أكبر الشركات في البلد! وصاحبها ملياردير، وبيقولوا إنه عبقري في البيزنس، بس شخصيته صعبة جدًا.
ابتسمت ليلى وهي تقرأ الشروط المكتوبة أسفل الإعلان.
ـ مش مهم شخصيته إيه. المهم إنهم طالبين طلبة سنة رابعة تجارة، والتدريب مدفوع.
التفتت إليها مريم باستغراب.
ـ إنتِ هتقدمي؟
ـ طبعًا هقدم.
ـ يا بنتي دي شركة كبيرة، والمنافسة أكيد هتبقى صعبة.
أغلقت ليلى هاتفها بعدما صورت الإعلان.
ـ وأنا مش هخسر حاجة لما أحاول. أنا محتاجة أبدأ أعتمد على نفسي، ومش عايزة أفضل مستنية التخرج وبعدين أدور على شغل من الصفر.
نظرت مريم إليها بإعجاب.
ـ إنتِ عندك إصرار يخوف، والله.
ابتسمت ليلى ابتسامة هادئة.
ـ اللي معندوش حد يسنده، لازم يتعلم يسند نفسه.
قالتها ببساطة، ثم عادت إلى طريقها، دون أن تنتبه إلى أن كلماتها تلك ستصبح يومًا ما أكثر ما سيؤلم الرجل الذي ظن أن المال وحده قادر على منح الإنسان القوة.
انتهت المحاضرات في الثانية ظهرًا.
جلست ليلى مع مريم في ساحة الجامعة، تراجعان بعض الملاحظات قبل أن تغادر كل منهما إلى منزلها.
أخرجت ليلى هاتفها، وفتحت صورة الإعلان مجددًا، ثم دخلت إلى الموقع الإلكتروني للشركة.
كانت إجراءات التقديم واضحة؛ سيرة ذاتية، وبيانات شخصية، ونتيجة آخر عام دراسي.
فتحت نموذج التقديم، وبدأت تكتب بياناتها بعناية.
الاسم: ليلى أحمد.
المؤهل: طالبة بالفرقة الرابعة، كلية التجارة.
الخبرات السابقة: لا توجد خبرة رسمية.
توقفت عند تلك الخانة، وعضت شفتها بتردد. كيف ستقنعهم بقبولها وهي لا تملك خبرة سابقة؟
تنهدت، ثم كتبت أنها تجيد استخدام برامج المحاسبة الأساسية، ولديها مهارات جيدة في تنظيم البيانات والعمل ضمن فريق، وأنها مستعدة للتعلم وتحمل المسؤولية.
راجعت بياناتها مرة أخيرة، ثم ضغطت على زر الإرسال.
ظلت تنظر إلى الشاشة لثوانٍ، قبل أن تبتسم.
ـ خلاص، قدمت.
صفقت مريم بيديها.
ـ مبروك يا أستاذة ليلى! أول خطوة في طريق المليونيرات!
ضحكت ليلى.
ـ مليونيرات إيه؟ أنا لو قبضت مرتب يكفيني مواصلات الجامعة والشغل، هعمل حفلة في البيت!
لكن خلف ضحكتها، كان هناك دعاء صغير تخبئه في قلبها.
يا رب، افتح لي بابًا لا أحتاج بعده إلى مد يدي لأحد.
في مكان آخر من القاهرة، كان عالم مختلف تمامًا يستعد لبدء يومه.
في الطابق الأخير من برج زجاجي شاهق، وقف أدهم الشناوي أمام الواجهة الممتدة من الأرض إلى السقف، يراجع بعض الملفات على جهازه اللوحي.
كان في الثلاثين من عمره، طويل القامة، عريض الكتفين، بملامح حادة تزيدها عيناه السوداوان صرامة. اعتاد ارتداء البدلات الداكنة، وكان حضوره كافيًا لإسكات أي غرفة يدخلها.
لم يكن رجلًا صاخبًا، ولم يكن بحاجة إلى رفع صوته حتى يفرض سيطرته.
كلمة واحدة منه كانت كافية لتجعل موظفًا يعيد حساباته، ونظرة واحدة كافية لتجعل مديرًا يراجع تقريره للمرة الثالثة.
طرق مدير مكتبه الباب قبل أن يدخل.
ـ صباح الخير يا فندم.
لم يرفع أدهم عينيه عن الشاشة.
ـ صباح الخير. التقرير جاهز؟
ـ أيوه يا فندم، ودي كمان ملفات المتقدمين لبرنامج التدريب الجديد.
وضع المدير ملفًا على المكتب، لكن أدهم لم يلتفت إليه.
ـ خلي قسم الموارد البشرية يتولى الموضوع. أنا مش فاضي أراجع طلبات تدريب.
ـ حاضر يا فندم.
تردد الرجل لحظة، ثم أضاف:
ـ بس حضرتك كنت طالب إن المتقدمين يكونوا من كليات التجارة وإدارة الأعمال، وخصوصًا اللي عندهم تقدير مرتفع.
رفع أدهم عينيه أخيرًا.
ـ وأنا قلت إيه تاني؟
ـ إن الاختيار يكون على أساس الكفاءة، وإن مفيش حد يدخل الشركة بوساطة.
أغلق أدهم جهازه اللوحي.
ـ كويس إنك فاكر. عايز ناس تشتغل، مش ناس جاية تتصور في المكاتب وتستنى آخر الشهر تقبض.
ـ مفهوم يا فندم.
أشار أدهم إلى الباب.
ـ اتفضل.
خرج المدير، وعاد أدهم إلى عمله، غارقًا في الأرقام والعقود والاستثمارات.
لم يكن يكره النساء بالمعنى الحرفي، لكنه لم يعد يثق في أي امرأة تحاول الاقتراب منه. فقد نشأ في بيت اعتاد فيه أن يرى المصالح تختبئ خلف الابتسامات، وأن يسمع كلمات الحب في اللحظة نفسها التي تُعقد فيها الصفقات.
ومع مرور السنوات، تحولت حذريته إلى جدار سميك، لم يسمح لأحد بتجاوزه.
لم تكن لديه علاقة عاطفية، ولم يكن مهتمًا ببدئها أصلًا. كان يعتقد أن النساء يرين فيه ثروته ونفوذه قبل أن يرينه هو، وأن كل ابتسامة تحمل وراءها طلبًا، وكل اهتمام يخفي رغبة في الحصول على شيء.
ولهذا وضع قاعدة صارمة في حياته: لا علاقات شخصية داخل العمل، ولا مساحة للمشاعر في قراراته.
وكان يظن أن تلك القاعدة ستظل قائمة إلى الأبد.
مر أسبوع.
كانت ليلى قد بدأت تفقد الأمل في تلقي رد، خصوصًا بعدما أخبرتها مريم أن عدد المتقدمين للشركة كبير للغاية.
وفي مساء يوم الخميس، كانت تجلس على سريرها تراجع محاضراتها حين اهتز هاتفها بإشعار جديد.
فتحت الرسالة دون اهتمام كبير، ثم تجمدت عيناها على الكلمات.
السيدة ليلى أحمد،
يسر إدارة الموارد البشرية في مجموعة أدهم الشناوي دعوتكم لحضور مقابلة شخصية للالتحاق ببرنامج التدريب العملي بقسم الحسابات، وذلك يوم الأحد في تمام الساعة العاشرة صباحًا.
يرجى الحضور في الموعد المحدد وإحضار المستندات المطلوبة.
قرأت الرسالة مرة، ثم ثانية، ثم أطلقت صرخة جعلت خالتها تندفع إلى الغرفة مذعورة.
ـ في إيه يا بنتي؟! مالك؟!
قفزت ليلى من مكانها وهي تلوح بالهاتف.
ـ اتقبلت يا ماما! بعتولي معاد مقابلة في شركة أدهم الشناوي!
وضعت خالتها يدها على صدرها، ثم ابتسمت بفرح.
ـ الحمد لله يا حبيبتي! ربنا ما ضيعش تعبك.
احتضنتها ليلى بقوة، وأخفت وجهها في كتفها.
ـ أنا خايفة أوي يا ماما.
ربتت خالتها على ظهرها.
ـ الخوف مش عيب. العيب إنك تخلي خوفك يمنعك من المحاولة. روحي، واتكلمي بثقة، واللي ربنا كاتبهولك هيكون.
ابتعدت ليلى ومسحت دموعها سريعًا.
ـ هعمل كل اللي أقدر عليه. والله العظيم مش هضيع الفرصة دي.
وفي تلك الليلة، لم تستطع النوم بسهولة. رتبت أوراقها أكثر من مرة، وجهزت ملابسها، وراجعت الأسئلة المتوقعة في المقابلة.
كانت تتخيل نفسها وهي تدخل الشركة، تجلس أمام لجنة التوظيف، وتجيب عن الأسئلة بثقة.
لكنها لم تتخيل وجه الرجل الذي يحمل اسم الشركة.
لم تعرف أن أدهم الشناوي نفسه لن يراها يوم المقابلة، ولن يعرف حتى بوجودها.
وأن أول لقاء بينهما لن يكون في مكتبه، ولن يبدأ بابتسامة أو إعجاب.
بل سيبدأ بسوء فهم صغير، سخيف في نظر الآخرين، لكنه سيشعل بينهما حربًا من الكلمات والعناد.
حربًا ستبدأ بكبرياء رجل اعتاد أن يطيعه الجميع، وكرامة فتاة لم تتعلم يومًا كيف تنحني لأحد.
جاء صباح الأحد.
وقفت ليلى أمام مبنى الشركة الضخم، رافعة رأسها إلى الطوابق الزجاجية التي تعكس ضوء الشمس.
ابتلعت ريقها، وشدت قبضتها حول ملف أوراقها.
ـ يا رب، أنا عملت اللي عليّا. سهلها من عندك.
دخلت من البوابة الرئيسية، فتوقفت للحظة أمام اتساع المكان. أرضيات لامعة، ومكاتب استقبال أنيقة، وموظفون يتحركون بسرعة، وهواتف لا تتوقف عن الرنين.
اقتربت من موظفة الاستقبال.
ـ لو سمحتِ، أنا عندي مقابلة في قسم الموارد البشرية الساعة عشرة.
ـ الاسم؟
ـ ليلى أحمد.
راجعت الموظفة قائمة الأسماء، ثم أشارت إلى المصعد.
ـ الدور السابع، قسم الموارد البشرية. اتفضلي، الأستاذة نهى مستنياكي.
شكرتها ليلى، واتجهت نحو المصعد.
وفي اللحظة نفسها، انفتح باب المصعد الآخر في الجهة المقابلة، وخرج منه أدهم الشناوي محاطًا باثنين من مديري الشركة.
كان يتحدث بجدية عن صفقة جديدة، وعيناه مثبتتان على ملف يحمله أحدهما.
مرت ليلى من الممر الجانبي، بينما انعطف أدهم نحو مكتبه الخاص.
لم يرفع أي منهما عينيه.
لم يلتقِ نظرهما.
ولم يكن أي منهما يعلم أن خطواتهما المتباعدة في ذلك الصباح كانت تقترب، ببطء، من لحظة ستغير حياة الاثنين.
دخلت ليلى مقابلة العمل بقلب يخفق بقوة، بينما أغلق أدهم باب مكتبه، واستعد لاجتماع آخر لا يقل أهمية عن سابقه.
كانت لكل منهما حياته، وأفكاره، وأحكامه المسبقة.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!