قصة ادهم وليلى سيلا وليد
الفصل الثاني
رواية: حينما كسر الغرور قلبه
في تمام الساعة التاسعة وخمس وأربعين دقيقة صباحًا، وقفت ليلى أمام المرآة الصغيرة في غرفتها، تتفحص مظهرها للمرة العاشرة.
كانت ترتدي قميصًا أبيض بسيطًا، وبنطالًا أسود أنيقًا، وفوق كتفيها سترة بلون البيج الفاتح. صففت شعرها بعناية، وتركت بعض الخصلات تنسدل حول وجهها، ثم التقطت حقيبتها وملف أوراقها.
خرجت من الغرفة فوجدت خالتها تنتظرها عند باب الشقة.
ـ الله أكبر، إيه الجمال ده يا بنتي! هو إحنا رايحين مقابلة شغل ولا فرحك؟
ضحكت ليلى وهي تقبل رأسها.
ـ يا خالتي بلاش تكسفيني، أنا متوترة أصلًا.
ـ متتوترّيش يا حبيبتي. إنتِ بنت شاطرة، واللي يعرف قيمتك هيكسب كتير.
ابتسمت ليلى، لكن قلبها ظل يخفق بسرعة.
ـ ادعيلي بس.
ـ ربنا يفتحها في وشك، ويجبر بخاطرك جبرًا يليق بقلبك يا بنتي.
خرجت ليلى من المنزل، وهي تحمل دعاء خالتها معها كأنه تعويذة صغيرة تحميها من خوفها.
لم تكن تعرف أن ذلك اليوم لن يمنحها فرصة عمل فحسب، بل سيضعها في مواجهة رجل سيجعلها تتساءل كثيرًا عن الفرق بين القوة والغرور، وبين الكراهية والاهتمام.
وصلت ليلى إلى الشركة قبل موعد المقابلة بعشر دقائق.
وقفت أمام المبنى الضخم، رفعت رأسها تتأمل الطوابق الزجاجية التي تعكس أشعة الشمس، ثم أخذت نفسًا عميقًا ودخلت.
استقبلتها موظفة الاستقبال بابتسامة رسمية.
ـ صباح الخير، أقدر أساعد حضرتك؟
ـ صباح النور. أنا ليلى أحمد، عندي مقابلة في قسم الحسابات.
راجعت الموظفة بياناتها على الحاسوب، ثم أشارت إلى المصعد.
ـ الدور السابع، قسم الموارد البشرية. أول ما تخرجي من الاسانسير هتلاقي المكتب على إيدك اليمين.
ـ شكرًا جدًا.
اتجهت ليلى إلى المصعد، وهي تردد في سرها الإجابات التي حضرتها طوال الليل.
كانت تخشى سؤالًا واحدًا على وجه الخصوص: لماذا تريدين العمل لدينا رغم أنكِ لا تمتلكين خبرة سابقة؟
كانت إجابتها جاهزة، لكنها لم تكن تعرف إن كانت ستقنعهم أم لا.
وصلت إلى الطابق السابع، وتوجهت إلى مكتب الموارد البشرية، حيث استقبلتها امرأة في أواخر الثلاثينيات من عمرها.
ـ إنتِ ليلى؟
ـ أيوه يا فندم.
ـ اتفضلي يا حبيبتي، أنا نهى، مديرة الموارد البشرية.
جلست ليلى أمامها، ووضعت ملفها فوق المكتب.
بدأت المقابلة بأسئلة عن دراستها وتقديراتها، ثم انتقلت نهى إلى سؤالها عن خبراتها السابقة.
ـ واضح إنك مجتهدة، ودرجاتك كويسة، لكن معندكيش خبرة عملية. إيه اللي يخلينا نختارك من بين كل المتقدمين؟
شعرت ليلى بالتوتر للحظة، لكنها رفعت رأسها وأجابت بثبات:
ـ لأن الخبرة ممكن أكتسبها، لكن الالتزام والرغبة الحقيقية في التعلم دول حاجات لازم يكونوا موجودين من البداية. أنا مش جاية أقول لحضرتك إني أعرف كل حاجة، بالعكس، أنا عارفة إن عندي حاجات كتير محتاجة أتعلمها. بس أقدر أوعدك إني هبذل كل جهدي علشان أكون قد المسؤولية.
تأملتها نهى بإعجاب.
ـ إجابة كويسة يا ليلى. بتحبي الشغل الجماعي ولا تفضلي تشتغلي لوحدك؟
ـ على حسب طبيعة الشغل. لو محتاج تعاون، هتعاون مع الفريق، ولو محتاج تركيز ومسؤولية فردية، هقدر أتعامل معاه. المهم إن الشغل يطلع صح.
ابتسمت نهى وأغلقت الملف.
ـ تمام. إحنا عندنا برنامج تدريب مدته شهر، وبعده بيتم تقييم المتدربين واختيار الأنسب للتعيين. لو اتقبلتي، هتبدأي من بكرة.
اتسعت عينا ليلى.
ـ بجد يا فندم؟
ضحكت نهى.
ـ لسه مقبلناكيش، يا بنتي! هنراجع باقي المقابلات، وهنبلغك بالنتيجة النهارده.
احمر وجه ليلى خجلًا.
ـ آسفة، أصل أنا متحمسة شوية.
ـ وده شيء كويس. اتفضلي، وإن شاء الله خير.
خرجت ليلى من المكتب، وشعرت أن حملًا ثقيلًا انزاح عن صدرها.
لم تكن تعرف إن كانت ستُقبل أم لا، لكنها كانت فخورة بنفسها لأنها استطاعت أن تتحدث بثقة رغم خوفها.
وهي في طريقها إلى المصعد، سمعت موظفتين تتحدثان بالقرب من مكتب السكرتارية.
ـ الأستاذ أدهم وصل؟
ـ أيوه، من نص ساعة. عنده اجتماع مهم مع الوفد الألماني، وممنوع أي حد يدخل عليه.
توقفت ليلى للحظة عند سماع الاسم.
أدهم الشناوي.
الرجل الذي تحمل الشركة اسمه، والذي تتحدث عنه مريم وكأنه شخصية خرجت من عالم آخر.
ابتسمت لنفسها وهي تضغط زر المصعد.
ـ ربنا يستر من الشخصية الصعبة دي.
ثم غادرت الشركة دون أن تعرف أنها كانت على بُعد طابقين فقط من الرجل الذي سيقلب حياتها رأسًا على عقب.
في الطابق الأخير…
كان أدهم يجلس خلف مكتبه، يستمع إلى مدير الحسابات الذي يعرض نتائج الربع الأخير من العام.
أمامه شاشة كبيرة، وعلى جانبي المكتب ملفات مرتبة بعناية.
رفع أدهم عينيه عن التقرير.
ـ الأرقام دي مش مطابقة للتقرير اللي وصلني الأسبوع اللي فات. عايز تفسير واضح للفرق ده.
ارتبك المدير قليلًا.
ـ ممكن يكون فيه خطأ في إدخال بعض البيانات يا فندم، هنراجع الحسابات ونبلغ حضرتك.
استند أدهم إلى مقعده، وحدق فيه ببرود.
ـ أنا مش بدفع مرتبات علشان أسمع كلمة ممكن. راجعوا كل رقم، وعايز التقرير الجديد على مكتبي قبل نهاية اليوم.
ـ حاضر يا فندم.
ـ اتفضل.
خرج مدير الحسابات وهو يلعن في سره اليوم الذي قرر فيه العمل تحت إدارة أدهم الشناوي.
كان أدهم صارمًا إلى حد جعل الموظفين يتجنبون المرور أمام مكتبه دون ضرورة. لم يكن يقبل الأعذار بسهولة، ولم يكن يسمح للأخطاء الصغيرة أن تمر دون حساب.
لكنه، رغم قسوته في العمل، لم يكن ظالمًا. فمن يثبت كفاءته يحظى بثقته، ومن يتهاون في مسؤوليته يفقدها سريعًا.
كانت تلك فلسفته التي بنى بها إمبراطوريته.
طرق باب المكتب، ودخلت سكرتيرته الخاصة.
ـ أستاذ أدهم، أستاذ سليم وصل، ومستني حضرتك في قاعة الاجتماعات.
نهض أدهم، وأغلق الملف أمامه.
ـ جهزي القاعة، وأنا جاي.
ثم التقط هاتفه ومفاتيحه، وغادر مكتبه بخطوات ثابتة.
لم يكن لديه وقت للتفكير في شيء خارج عمله، ولم يكن يعلم أن فتاة خرجت للتو من شركته قد تصبح قريبًا أكثر شخص يثير أعصابه.
في المساء، كانت ليلى تجلس على الأريكة بجوار خالتها، تمسك هاتفها وتحدق في الشاشة كل بضع ثوانٍ.
ـ يا بنتي ارحمي الموبايل، هيتكسر من كتر ما بتبصي فيه!
ـ طب أعمل إيه يا خالتي؟ قالوا هيبلغوني النهارده.
ـ يا حبيبتي، لو فيها خير ليكي ربنا هيقدمهولك. قومي اعملي لنا شاي بدل ما تفضلي قاعدة كده.
نهضت ليلى بتثاقل، واتجهت إلى المطبخ، وما إن وضعت الماء على النار حتى سمعت صوت إشعار هاتفها.
ركضت إلى الأريكة والتقطته بسرعة.
رسالة جديدة من الشركة.
فتحتها بيد مرتجفة.
السيدة ليلى أحمد،
يسعدنا إبلاغكم باجتياز المقابلة الشخصية، ونرجو حضوركم غدًا في تمام الساعة التاسعة صباحًا لاستكمال إجراءات الالتحاق ببرنامج التدريب العملي بقسم الحسابات.
شهقت ليلى، ثم وضعت يدها على فمها.
ـ يا رب! الحمد لله!
جاءت خالتها من المطبخ وهي تظن أن شيئًا قد حدث.
ـ في إيه يا بنتي؟!
ركضت ليلى نحوها واحتضنتها.
ـ اتقبلت يا ماما! اتقبلت!
ضحكت خالتها وهي تربت على ظهرها.
ـ الحمد لله، الحمد لله. ربنا يفتحها عليكي من أوسع أبوابه.
ابتعدت ليلى، ومسحت دموع الفرحة.
ـ هشتغل في شركة كبيرة يا ماما! أنا مش مصدقة نفسي!
ـ صدقي يا حبيبتي، إنتِ تعبتي وربنا مش بيضيع تعب حد.
جلست ليلى بجوارها، وأخذت تحدثها عن خططها، وكيف ستوفر جزءًا من راتبها، وتشتري لخالتها بعض الأشياء التي كانت تؤجل شراءها بسبب ضيق الحال.
كانت أحلامها بسيطة؛ أن تعمل، وأن تنجح، وأن ترى المرأة التي ربتها تعيش أيامًا أقل تعبًا.
لم تكن تطلب من الدنيا قصرًا ولا ثروة.
كانت تريد فقط أن تشعر أنها لم تعد عاجزة أمام الحياة.
في صباح اليوم التالي، وصلت ليلى إلى الشركة في الموعد المحدد.
كانت ترتدي ملابسها البسيطة نفسها تقريبًا، وتحمل حقيبتها ودفترًا صغيرًا لتدوين الملاحظات.
صعدت إلى قسم الحسابات، حيث استقبلها شاب في أواخر العشرينيات من عمره.
ـ إنتِ المتدربة الجديدة؟
ـ أيوه، أنا ليلى أحمد.
ابتسم الشاب.
ـ أهلًا بيكي. أنا كريم، محاسب في القسم. تعالي أعرّفك على المكان.
قادها بين المكاتب، وشرح لها نظام العمل، ثم أشار إلى مكتب صغير بالقرب من النافذة.
ـ ده مكتبك مؤقتًا طول فترة التدريب. هتشتغلي معانا على مراجعة الفواتير وإدخال البيانات، وفيه موظف مسؤول عن متابعة شغلك وتقييمك.
جلست ليلى وهي تضع حقيبتها جانبًا.
ـ تمام، شكرًا جدًا. وإن شاء الله أكون عند حسن ظنكم.
ـ متقلقيش، إحنا كلنا بدأنا من الصفر.
بدأ كريم يشرح لها بعض الملفات، وسرعان ما اندمجت ليلى في العمل. كانت سريعة الفهم، دقيقة في مراجعة الأرقام، ولا تتردد في السؤال حين تواجه شيئًا لا تعرفه.
وبعد ساعة، لاحظت وجود اختلاف في إحدى الفواتير.
راجعت الأرقام مرة أخرى، ثم قارنتها بالبيانات الموجودة على الحاسوب.
كان هناك خطأ واضح في تسجيل قيمة إحدى المعاملات.
رفعت رأسها نحو كريم.
ـ لو سمحت، ممكن تبص على الفاتورة دي؟
اقترب منها.
ـ فيه إيه؟
ـ القيمة المسجلة هنا مختلفة عن القيمة الموجودة في المستند الأصلي. أنا راجعتها مرتين، وحاسة إن فيه رقم اتكتب غلط.
أخذ كريم الملف، ودقق في الأرقام.
اتسعت عيناه قليلًا.
ـ عندك حق. دي غلطة كان ممكن تعمل مشكلة في التقرير النهائي.
ابتسمت ليلى.
ـ الحمد لله إني لحقتها.
ـ شاطرة يا ليلى. كملي مراجعة باقي الملفات بنفس الطريقة.
عادت إلى عملها، وهي تشعر ببعض الثقة.
لكنها لم تكن تعرف أن خطأً آخر، لا علاقة له بالأرقام، كان ينتظرها في نهاية ذلك اليوم.
في تمام الساعة الثانية عشرة ظهرًا، كانت ليلى تحمل مجموعة من الملفات متجهة إلى مكتب مدير الحسابات، بعدما طلب منها كريم تسليمها إليه.
وعند خروجها من المصعد، اصطدمت بطرف ملف كبير كان يحمله رجل يسير بسرعة في الممر.
تناثرت بعض الأوراق على الأرض.
ـ يا خبر! أنا آسفة جدًا!
انحنت ليلى بسرعة تجمع الأوراق، بينما قال الرجل بصوت بارد:
ـ مش المفروض تبصي قدامك وإنتِ ماشية؟
رفعت ليلى رأسها، فوجدت أمامها رجلًا طويلًا يرتدي بدلة سوداء أنيقة، تتوسط حاجبيه نظرة ضيق واضحة.
لم تكن تعرفه.
ولم يخطر ببالها أن الرجل الذي يقف أمامها هو أدهم الشناوي نفسه.
قالت وهي تجمع آخر ورقة:
ـ أنا فعلًا آسفة، بس حضرتك كمان كنت ماشي بسرعة.
توقف أدهم عن الحركة.
لم يعتد أن يرد عليه أحد بهذه الطريقة، خاصة داخل شركته.
نظر إليها بتمعن، ثم قال بنبرة أكثر صرامة:
ـ إنتِ جديدة هنا؟
ـ أيوه، بدأت تدريب النهارده.
ـ واضح.
لم تفهم ليلى ما الذي يقصده، لكنها شعرت أن نبرته تحمل استهزاءً غير مبرر.
مدت إليه الأوراق التي جمعتها.
ـ اتفضل، الأوراق كلها موجودة. وأنا اعتذرت لحضرتك، ومش شايفة إن الموضوع يستاهل كل ده.
رفع أدهم حاجبه.
ـ إنتِ بتقولي إيه؟
ـ بقول إني اعتذرت، وإن الغلط ممكن يحصل من أي حد. مش معنى إني متدربة جديدة إن حضرتك تكلمني بالطريقة دي.
ساد الصمت بينهما.
كان بعض الموظفين قد توقفوا في الممر، يراقبون المشهد بقلق. أحدهم حاول أن يتدخل، لكن زميله أمسك بذراعه وهمس:
ـ إنت عايز تروح في داهية؟!
أما أدهم، فظل ينظر إلى الفتاة التي تقف أمامه دون أن تدرك حجم الورطة التي وضعت نفسها فيها.
لم يكن غضبه بسبب اصطدامها به، بل بسبب جرأتها على الاعتراض عليه، وكأنها لا تعرف من يكون.
قال ببرود شديد:
ـ اسمك إيه؟
رفعت ليلى رأسها.
ـ ليلى.
ـ ليلى إيه؟
ـ ليلى أحمد.
أعاد الاسم ببطء، ثم أشار إلى الملفات التي تحملها.
ـ خدي أوراقك وارجعي شغلك، وخلي بالك بعد كده وإنتِ ماشية في الشركة.
شعرت ليلى بالإهانة، لكنها تماسكت.
ـ حاضر. بس يا ريت حضرتك كمان تخلي بالك، علشان مفيش حد بيتعمد يخبط في حد.
اتسعت عينا الموظفين.
أما أدهم، فاشتدت ملامحه حتى بدا كأنه على وشك أن ينفجر غضبًا.
اقترب خطوة، وقال بصوت منخفض لكنه حاد:
ـ إنتِ شكلك لسه متعرفيش إنتِ بتتكلمي مع مين.
أجابته ليلى بعناد:
ـ الحقيقة لأ، معرفش. ولو حضرتك مسؤول هنا، فده شيء يحترم، بس مش معناه إنك تقلل من الناس.
لثوانٍ، لم ينطق أدهم بكلمة.
كان بإمكانه أن ينهي تدريبها في اللحظة نفسها، بكلمة واحدة فقط. لكنه وجد نفسه عاجزًا عن فهم هذه الفتاة التي لم ترتبك أمامه، ولم تحاول التودد إليه، ولم تسارع إلى الاعتذار مرة أخرى حتى ترضيه.
كانت تنظر إليه بغضب صريح، وكأنها ترى أمامها رجلًا عاديًا أخطأ في حقها، لا صاحب الشركة الذي يخشاه الجميع.
أخذ منها الأوراق دون أن يرد، ثم استدار وغادر الممر بخطوات غاضبة.
ظلت ليلى واقفة مكانها للحظات، ثم تنفست بعمق.
اقترب منها كريم، الذي كان قد وصل لتوه إلى الممر.
ـ يا نهار أبيض! إنتِ عملتي إيه؟!
التفتت إليه باستغراب.
ـ عملت إيه؟ أنا خبطت فيه بالغلط واعتذرت، وهو اللي اتكلم معايا بطريقة مستفزة!
وضع كريم يده على رأسه.
ـ يا بنتي إنتِ عارفة مين ده أصلًا؟!
ـ لأ، مين يعني؟ مدير الحسابات؟
حدق فيها كريم وكأنه لا يصدق ما يسمعه.
ـ ده أدهم الشناوي! صاحب الشركة!
شعرت ليلى أن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
ـ إيه؟!
ـ أيوه يا ستي! الأستاذ أدهم بنفسه!
وضعت يدها على فمها، وأخذت تسترجع الحوار الذي دار بينهما.
ـ يا مصيبتي! أنا قلت له إيه؟!
نظر إليها كريم بأسى.
ـ أنا مش عارف أقولك إيه. ربنا يستر، لأن الأستاذ أدهم مبيحبش حد يعترض عليه.
جلست ليلى على أقرب مقعد، ووضعت الملفات فوق ركبتيها.
كانت تشعر بالقلق، لكنها سرعان ما رفعت رأسها وقالت:
ـ طب وأنا عملت إيه غلط؟ أنا اعتذرت له، وهو اللي أهانني. يعني علشان هو صاحب الشركة، المفروض أسكت على أي حاجة؟
تنهد كريم.
ـ أنا مش بقول إنك غلطانة، بس هنا لازم تكوني حذرة. الأستاذ أدهم مش سهل.
نظرت ليلى نحو الممر الذي اختفى فيه.
ـ وأنا مش جاية هنا أعمل مشاكل، والله. أنا جاية أشتغل وأتعلم، لكن كمان مش هسمح لحد يقلل مني.
لم يرد كريم، لكنه أدرك أن هذه الفتاة ستجلب لنفسها الكثير من المتاعب.
أما ليلى، فعادت إلى مكتبها تحاول التركيز في عملها، دون أن تعرف أن أدهم لم ينسَ وجهها، ولا كلماتها، ولا الطريقة التي تحدته بها أمام موظفيه.
في مكتبه بالطابق الأخير…
ألقى أدهم الملف فوق المكتب، ثم فك زر سترته وجلس خلف مقعده.
كانت ملامحه تنطق بالغضب.
دخلت سكرتيرته بعد أن طرقت الباب.
ـ حضرتك طلبتني يا فندم؟
رفع عينيه إليها.
ـ مين البنت الجديدة اللي بدأت تدريب في الحسابات النهارده؟
ترددت السكرتيرة.
ـ تقصد حضرتك الآنسة ليلى أحمد؟
ـ أيوه، هي.
ـ هي متدربة جديدة في قسم الحسابات، والأستاذ كريم مسؤول عن متابعتها.
صمت قليلًا، ثم قال:
ـ عايز تقرير عنها.
نظرت إليه السكرتيرة باستغراب.
ـ تقرير عن أدائها يا فندم؟
ـ تقرير عن كل حاجة تخص شغلها. مستواها، والتزامها، وتقييم القسم ليها. وعايزه على مكتبي بكرة الصبح.
ـ حاضر يا فندم.
خرجت السكرتيرة، وبقي أدهم وحده.
فتح الملف الذي كانت ليلى قد ساعدته في جمع أوراقه، ثم توقف عند ورقة صغيرة تحمل رقمًا مكتوبًا بخط يدها.
تأمل الخط للحظات، قبل أن يلقي الورقة جانبًا بضيق.
ما الذي يجعله يهتم بأمر متدربة جديدة إلى هذه الدرجة؟
لم تكن سوى فتاة متهورة لا تعرف حدودها، هكذا أقنع نفسه.
ومع ذلك، لم يستطع تجاهل كلماتها.
«مش معنى إني متدربة جديدة إن حضرتك تكلمني بالطريقة دي.»
ضغط على زر الاتصال الداخلي.
ـ ابعتيلي مدير الموارد البشرية حالًا.
وبعد دقائق، دخلت نهى مكتبه.
ـ تحت أمرك يا فندم.
أشار أدهم إلى المقعد أمامه.
ـ المتدربة الجديدة، ليلى أحمد. إيه نظام اختيارها؟
أجابت نهى بهدوء:
ـ اجتازت المقابلة الشخصية بدرجات كويسة، وكان عندها استعداد واضح للتعلم. ملفها الأكاديمي جيد، وتم قبولها في برنامج التدريب بناءً على تقييم اللجنة.
ـ وهل حد راجع سلوكها قبل ما يقبلها؟
استغربت نهى السؤال.
ـ سلوكها؟ لا، طبعًا، هي لسه متدربة جديدة. حصل حاجة يا فندم؟
نظر أدهم إليها نظرة جامدة.
ـ حصل إنها محتاجة تتعلم إزاي تتعامل باحترام داخل الشركة.
فهمت نهى أن شيئًا ما قد حدث، لكنها لم ترد التسرع في الحكم.
ـ لو فيه شكوى رسمية من حضرتك، نقدر نراجع الموقف ونتعامل معاه وفق لائحة الشركة.
صمت أدهم لحظة، ثم قال:
ـ مش محتاج شكوى. أنا بس عايز متابعة دقيقة لأدائها.
ـ حاضر يا فندم.
خرجت نهى، بينما عاد أدهم إلى عمله محاولًا تجاهل الأمر.
لكنه لم يكن يعلم أن ليلى، في تلك اللحظة، كانت تحكي لصديقتها مريم عبر الهاتف ما حدث، وأن مريم لم تتوقف عن الضحك.
ـ يا بنتي إنتِ قابلتي صاحب الشركة من أول يوم، وبدل ما تطلبي منه زيادة مرتب، دخلتي معاه في خناقة!
صرخت ليلى في الهاتف:
ـ خناقة إيه بس يا مريم؟! أنا هتطرد قبل ما أقبض أول مرتب!
ـ طب اهدي. يمكن يعجبه إنك عندك شخصية.
ـ يعجبه إيه؟ ده كان بيبصلي كأنه هيبلعني!
انفجرت مريم ضاحكة.
ـ خلاص، يا ستي، اعتبريها تجربة. بس بالله عليكي، لو قابلتيه تاني، متقوليلوش إنه محتاج يتعلم الأدب!
صمتت ليلى للحظة، ثم قالت بجدية:
ـ أنا مش عايزة منه حاجة. كل اللي عايزاه إني أشتغل وأثبت نفسي. مش هسمح لحد يضيع تعبي، مهما كان مين.
أنهت المكالمة، ثم نظرت إلى دفترها المفتوح أمامها.