فتاة البار قسمة الشبيني
الأول
تدق الساعة الرابعة فجرا ليتوجه احمد فورا إلى شرفة حجرته الخاصة وهى تطل على الشارع الرئيسى مباشرة ،لم يخرج إلى الشرفة انما وقف كما يفعل كل يوم منذ أشهر يرهف السمع وهذا أمر سهل فى هدوء الليل.
وقف لقرابة النصف ساعة قبل أن يستمع إلى تلك الخطوات التي يقف خصيصا ليستمع لها ،خطواتها الليلة تبدو متعثرة بعض الشيء قد تكون احتست كأسا أو كأسين من الخمر هذه الليلة .
يعقد حاجبيه بشئ من الغضب ترى هل تحتسى هذه الكؤؤس برغبتها أم أن هناك من يرغمها على ذلك؟؟!!
هناك شيء في صدره يضايقه ،ولما يشعر بالضيق!!!! هو لا يعرفها ، وهى لا تعنى له شيئاً فقط خطواتها هى التى تعنيه ،فطالما كانت مؤنسا فى لياليه الطويلة.
بدأت الخطوات تبتعد ليخرج هو إلى الشرفة يتسمع لها حتى اختفت تماماً.ككل ليلة يعود إلى فراشه يتساءل ويضع مئات القصص عن صاحبة الخطوات التي تشاركه لياليه .
هو احمد حسن فتيحي يبلغ من العمر ثمان وعشرين عاماً، ورغم صغر سنه إلا أنه كان من النوابغ فسيناقش رسالة الدكتوراه خاصته بعد أشهر قليلة.يعمل معيدا بجامعة القاهرة لذا ترك مدينته الاصلية وأتى للإقامة الدائمة بالقاهرة ليستأجر تلك الشقة فى تلك المنطقة الحيوية ( وسط البلد) ليكون قريبا من الجامعة ومرتبطا ايضا بكل ما قد يحتاج إليه.
عارض والديه إقامته بالقاهرة وحده بشدة إلا أنهما بالنهاية رضخا لقراره ، بعد المسافة بين القاهرة وبلدته الاصلية سوهاج كان من اهم اسباب المعارضة فهما لن يستطيعا تفقده من حين لآخر كما كانا يفعلان حين كان بالجامعة بسوهاج قبل الانتقال لجامعة القاهرة،لكنه يرى أن هذا افضل له وهما يريدان له الافضل دائما .
أراد والده أن يرسل معه مرافقا لكنه خشى الإفصاح عن هذه الرغبة فهو يعلم جيدا كم يشعر احمد بالحساسية اذا شعر بالعجز . فيكتفى مرغما بسائقه الذى يلازمه فى التنقل .
لقد ولد مبصرا وقد كان الجميع يتعجب من لون عينيه الاخضر الذى أصبح مع لون بشرته. الاسمر آيه للجمال لكن بعد ستة أشهر فقط أصيب بحمى كادت تودي بحياته ليعتبر والديه أن فقدانه الإبصار نعمة فهما لم يفقداه وهذا يكفى .
كان طفلا هادئا فوجئت والدته وهو في الرابعة من عمره أنه يحفظ بعضا من القرآن وحين
سألته اخبرها ببراءه أنه يستمع إليه عبر المذياع وقد أحبه فحفظه . لتبدأ رحلة حفظه للقرآن التى لم تكن طويلة ففى عامه السادس أتم حفظه وتجويده.
وحين التحق بالمدرسة أظهر ذكاء غير اعتياديا بالنسبة لاقرانه فى نفس العمر .تعلم القراءة والكتابة بطريقة برايل فى أيام ليبدأ بعدها رحلة القراءة ليجد راحة روحه فيها .
لم يكن صعبا على والده نجل عائلة فتيحى أن يشترى له كل ما يرضى شغفه للقراءة ، ففى الوقت الذى كان إخوته وأقرانه يمرحون ويلعبون كان هو كل يوم يكتسب معرفة جديدة .
وها هو ولم ينهى العقد الثالث من عمره وسيصبح دكتورا بالجامعة متخصصا فى الصحة النفسية للأطفال. ليظل كما كان دوما فخر عائلته ووالديه .
********************
ظلت امل تسير بخطوات مترنحة حتى وصلت إلى تلك الشقة التي تستأجرها بصحبة عدة فتيات لهن نفس ظروفها تقريبا ،وان اختلفت البدايات والتفاصيل فالنهاية واحدة لجميعن وهى الضياع .
لم يطل سيرها لتصعد الدرجات بحرص فهى لا تريد أن تشتبك مع احد الجيران الذين يكرهون وجودهن بالبناية ،هى تعطيهم شئ من الحق فى رفضهن لكن لما ينبذوهن وهن يعشن بهدوء وخوف لم تثر احداهن مشكلة ولم تحاول خطف رجل منهم كما يدعون.بل هم اغلب رجال البناية يتهافتون عليهن كالذباب الذى يحوم حول طبق العسل .
دخلت بهدوء لتجد إحدى زميلاتها بالسكن وتدعى دعاء تجلس تزين اظافر قدميها بصمت بينما فتاة أخرى تدعى سلڤيا تتناول بعض الشطائر التى احضرتها حتما من المطعم الذى تعمل به ،تلفتت بهدوء وتساءلت : هى روفيدا ما جاتش لسه؟؟
اجابتها دعاء دون أن تنظر لها : لا روفى مش جاية هتبات برة .
تنهدت بأسف وهى تقول: برة تانى مفيش فايدة فيها .
ابتلعت سلڤيا الطعام لتقول : فى ايه يا لولا هو انتى ولية أمرها ؟؟ هى حرة
نظرت لها امل بحدة وهى تقول: أسمى امل لولا ده هناك فى البار
ضحكت دعاء ضحكة رنانة وهى تقول: طب ماتزعليش يا امل روفى برة النهاردة وانا بكرة وانتى بعده .كلنا فى الهوا سوا يا روحى .
هزت امل رأسها وهى تتجه لغرفتها لتغلق الباب دونها ، نظرت سلڤيا الى دعاء وقالت بلوم : ليه كدة يا دودى انتى عارفة إنها بتزعل .
نفخت دعاء فى اظافرها وهى تنظر لها بلا مبالاة وتقول بحزن : علشان ماتفضلش عايشة فى. الاوهام … وعلشان لما يجى اليوم التى تتغصب فيه تبقا زينا تقدر تعيشه ما تفكرش إن ممكن يبقا فى مستقبل تانى للى زينا
تركت سلڤيا ما تتناوله وقد بدت الكآبة على وجهها وهى تقول: ليه بس انكتب علينا كدة ؟؟
اعتدلت دعاء فى جلستها وهى تنظر لها وتقول بحزم : علشان لازم ندفع تمن اخطاءنا ..لازم ندفع تمن جبننا وهروبنا من المواجهة لو كنا وقفنا وقلنا للظلم لا مكناش وصلنا لهنا .
وتوجهت فورا لغرفتها تاركة سلڤيا تعيد ترميم وجهها الكئيب بإبتسامة زائفة .
********************
دخلت امل غرفتها لتجلس على المقعد المقابل للفراش وهى تتساءل أحقا يا امل لم يعد لديك امل في حياة نظيفة!! بعيدا عن الخمر والسكارى !!.بعيدا عن الترنح والعرى !!
تنهدت بحزن وهى تتوجه لخزانتها فتخرج ثوبا طويلا شبه محتشم لتنزع عنها تلك الملابس التى تبغضها وترتدي هذا الثوب وكأنها تختبأ فيه من أعين الرجال التى تتفحصها وتعريها كل ليلة استلقت على الفراش وهى تتذكر حديث رئيسها فى العمل الذى وبخها هذه الليلة وارغمها على مجالسة ذلك السكير والذى ارغمها بدوره على احتساء أربعة كؤؤس من النبيذ الفاخر ،دمعة ساخنة فرت من جفنها تشكو لله حالها وقلبها يرتجف خوفا من اقتراب اليوم الذى ستجبر فيه على المزيد من التنازلات والتى ستؤدى بها لنفس مصير رفيقاتها بالسكن
إنها مسألة وقت ليس إلا حتى تتحول من امل الى لولا بشكل كامل .
*********************
واجه احمد صعوبة في النوم وقلبه غير مستقر ،ودون أن يفهم سبب ما سيفعله إلا أنه قرر أن يجد طريقة للتعرف على هذه الفتاة .
هو يعلم أن خطواتها بهذا التوقيت يوميا لا تنبأ بالخير خاصة أنها تترنح أحيانا ليتضح انها ثملة فهذه الفتاة التي شغلت تفكيره دون أن يعرفها إما تعمل في احد هذه البارات المتواجدة حول منزله أو أنها من رواد هذه الأماكن وفى الأغلب ستكون عاملة لأنها إذا كانت ممن يرتادون هذه الأماكن بحثا عن إذهاب العقل بالخمر باهظ الثمن ما كانت تجازف و تعود يومياً سيرا على الأقدام.
فهى تعمل في هذه الأماكن…وتشرب الخمر ايضا … لا يحتاج الأمر لكثير من الذكاء ليعرف طبيعة هذا العمل .
لكن رغم ذلك هو مصر على التعرف عليها.ليؤكد لقلبه فقط انها ليست اهلا لاضطرابه لأجلها .
استسلم اخيرا للنوم وقد حزم أمره ليهدأ قلبه.
************************
لم تشعر امل بالأرق كثيرا وسرعان ما غفت لترى ذلك الحلم الذى يتكرر منذ غادرت بيت أبيها هاربة …
كم كانت تتمنى أن تحظى بأب حنون مثل باقى رفيقاتها الصغيرات لكن ابيها كان مختلفا، لا يتعلق الأمر بالقسوة فقط ربما إدمانه على الخمور هو ما أدى به لهذه الدرجة من قسوة القلب فهو لم يكن يكتفى بالخمور بل كان يتجرع كل ما يذهب عقله .
ويوما بعد يوم أهمل عمله وأصبحت إقامته بالمنزل جبرية عليها وعلى شقيقها الأصغر الذى تحمل أعباء العمل في سن مبكر ليتكفل فقط بإطعامها وامها .
لكن والده لم يعجبه الأمر ….يمكنهم البقاء بلا طعام ليوم أو اثنين لا بأس لكنه لا يستطيع أن يظل بلا مكيفات ليوم واحد.
بدأ يضرب امها ويحصل قسرا على ما يعطيها ابنها من أموال قليلة لتؤمن لهم قوت اليوم ،وبعد أن ترك اخيها دراسته كان عليها أن تحتذى به فلا مال للطعام فما بالك بالتعليم.
وتركت دراستها وهى فى الصف الثاني الثانوي لتلتحق بالعمل وبعد بحث حصلت على وظيفة كنادلة فى أحد المطاعم لجمالها .واستمر الوضع قرابة العام ى وأخيها يعملان وهو يحصل على المال .
حتى كان هذا الاسبوع المشؤم.وحين كانت امها تدبر بعض الخضروات زهيدة الثمن من السوق وبالطبع تفضل العودة سيرا صدمتها سيارة ولاذ صاحبها بالفرار .
وكانت صدمتها الاولى ليأتى ابيها بعد أيام ويعلن خطبتها لأحد أصدقائه ممن يتاجرون فى هذه السموم …باع ابنته مقابل حفنة من المواد المخدرة.
وحين رفض اخيها ذلك كان جزاءه ضربا مبرحا تلقاه من مساعدى هذا التاجر الذى أصر على شراؤها …فهو يريدها وسيحصل عليها .
وتمت الخطبة لتكتشف بعدها انها مجرد خطبة ولن يتم الزواج مطلقا
وهذا هو كابوسها الذى يراودها كل ليلة …….