فتاة البار قسمة الشبيني

السابع

رغم يقينه أن نيله لشهادة الدكتوراة مسألة وقت إلا أن تحقيقه لهذا الانجاز اثلج قلبه وكم تمنى أن تكون أمل برفقته فحين علا تصفيق الحضور بعد انتهاء مناقشته تمنى أن تكون هنا بمكان ما رغم علمه أن هذه الأمنية دربا من دروب الخيال الجامح خاصته .
غادر مبنى الجامعة وقد استقلت والدته سيارته لتضمه لصدرها وترفض ابعاده عنها بينما لحق والده وشقيقيه فى السيارة الأخرى ، ونظرا لازدحام الطرق كالعادة بالعاصمة استغرق طريق العودة وقتا أطول وبينما تسير السيارة ببطء ويرتاح احمد فوق صدر امه اقتربت لتهمس : جلبك أخباره ايه ؟
ابتسم احمد أو زادت ابتسامته اشراقا وهو يقول: كان نفسى تبجا معايا النهاردة..انا اخدت كل الوجت اللى جولتى عليه يا أما وكل يوم بريدها اكتر من اليوم اللى جبله .
مسحت على صدره بكفها بحنان : يبجا نروح نخطبها يا ولدى .
ارتعد وابتعد قليلا بشكل افزع امه لتتساءل : مالك يا نضرى ؟
تلجلج أحمد وهو يقول: اصل
قاطعته بحزم : أصل ايه يا ولدى ؟؟
تنهد بحزن: اصلها ماتعرفش
لم تفهم مقصده فتساءلت ببراءة : ماتعرفش ايه؟؟
اخفض وجهه وقد تبدلت ملامحه: ماتعرفش انى كفيف
اتسعت عينا صابحة بدهشة : وديه يفرج ايه يا ولدى .
ربتت على كفه بحنان وتتنهدت قائلة : يا ولدى ديه حاچة ماتعيبكش واصل .دا انت زينة الشباب
وضعت كفها على وجنته وهى تنظر لعينيه : سبحان الله على چمال عيونك .حكمتك يارب
تعرف يا ولدى عيونك اجمل عيون نضرتها عنيى ربنا ليه حكمة فى كل حاچة انى اللى هجولك بردك .دا انت دكتور اد الدنيا .
ابتسم احمد وعاد يريح رأسه إلى صدر امه لتربت عليه وتقول: انى شيعت خوك الكبير يسأل عنيهم والبنية زينة ونعم الأدب ومحدش جال فى حجها كلمة عفشة واصل
دق قلبه طربا : يعني محمد كان فى دمنهور .
صمت لحظة وتساءل بلهفة : شافها يا امه؟؟
ضمته بقوة وقلبها يتألم: شافها يا ولدى وجال كيه البدر ليلة تمامه هى دى اللى تليج بخوى احمد
دمعة حارقة فرت من عينه مرغما يحمد الله أن أمه لم تلحظها بينما نزلت من عينيها هى دموعا لتحمد الله أنه لا يراها ..
*******************
اجتمعوا بعد الغداء ليعلن احمد أن أمر عودته النهائى سيستغرق بعض الوقت قد يصل لشهرا كاملا ليعترض محمد فورا : لاه لازمن تعاود ويانا وندبحو حلاوة الشهادة الكبيرة .
تنحنح حسن : والله نفسى ندبحو حلاوة عرسك يا ولدى .. لسه ماآنش الأوان نفرحوا بيك؟
اخفض أحمد وجهه خجلا وهو واثق أن العيون مسلطة عليه فكان هذا وقتا مثاليا لتعلن صابحة عن أمل : لاه يا حاچ آن الاوان وجبل ما نعاودو البلد هنروح نشوف العروسة .
نهض حسن بحماس ليجلس بجوار احمد : صوح يا ولدى ؟؟ ومين العروسة ؟؟ اكيد زينة البنته
لم يرد أحمد بل تولت امه الرد عنه : اكيد زينة البنته اسمها امل يا حاچ ومن دمنهور
ضحك حسن وهو يقول: سرك مع امك بردك
ليتحدث احمد اخيرا : انت خابر يا بوى غلاوة امى وغلاوتك فى جلبى
ليربت حسن على كفه بحنان : خابر يا ولدى
**************
طلب حسن من احمد بعد أن شرحت صابحة له حالة امل أن يحدد موعدا مع محمود ليتوجهوا جميعا لرؤية العروس ليهاتف احمد محمود الذى اسرع يجيب : السلام عليكم.ازيك يا دكتور؟
كان القلق والتوتر واضحين بصوت احمد : عليكم السلام.الحمد لله ازيك يا محمود
انتقل قلقه لمحمود فورا : بخير الحمدلله
تنحنح احمد وهو يقول: انا اخدت شهادة الدكتوراه وهرجع سوهاج
سعد محمود لأجله وقال بصدق: مبارك والله تستاهل كل خير.
صمت احمد لحظة قبل أن يقول : محمود انا عاوز اخطب امل
تهللت اسارير محمود لقد شعر أن احمد يكن لأخته حبا وظن أن معرفته بحياتها وعملها السابقين السبب في أعراضه عن خطبتها لكن أحمد اخلف ظنونه لكن قبل أن يطلق العنان لسعادته قال أحمد : بس فى حاجة لازم تعرفها وارجوك ماتقولش ل امل غير لما اقولها انا
توجس محمود خيفة ليقول احمد : انااا .انا كفيف
اتسعت عينا محمود وهو يتأتأ : أن…أن..انت ايه !!!
أعاد احمد قوله : انا كفيف يا محمود .عارف انك مصدوم بس دى الحقيقة
علت انفاس محمود وهو يقول: بس انت مش …قصدى انك …
قاطعه احمد: عارف إن صعب حد يصدق انى كفيف وانى بتعامل مع الناس عادى ودى طبيعتى فعلا انا ببقا حافظ الاماكن حواليا محدش هيعرف انى كفيف إلا إذا شافنى فى مكان غريب عليا .
تنهد محمود: انا مش عارف اقولك ايه؟؟انا..
قاطعه احمد بجديه : الموضوع ده يخليك ترفض جوازى من امل .
اسرع محمود مطمئنا قلبه : لا طبعا ..انا بس لسه مش مصدق انى قعدت واتكلمت معاك وانت مش شايفنى . علشان كدة ماكنتش عاوز امل تعرف انك انت اللى عرفتنى مكانها ؟
تنهد احمد بحب : لا ماكنتش عاوزها تحس انى صاحب فضل عليها ، وارجوك ما تعرفش ابدا ،خلى الموضوع ده سر بينا مهما كان قرارها .
تنهد محمود ايضا معبرا عن عدم فهمه ليقول : طيب . زى ما انت عاوز ، تحب تيجى أمته؟
أشرق وجهه : اجى بكرة انا واهلى قبل ما يرجعوا البلد
اسرع محمود موافقا : تنوروا هنستناكم بكرة إن شاء الله
*************
اسرع محمود إلى غرفة شقيقته يخبرها تلك البشرى السعيدة يخبرها أن شخصا يدعى أحمد فتحى تقدم لخطبتها وسيأتى غدا للزيارة ، ليتورد وجهها خجلا …ستراه مرة أخرى…بل وقد يصبح زوجها ايضا …هل تحلم !!!
ليتساءل محمود بخبث : بس ده بيقول انك عارفاه ؟
دق قلبها بعنف وصمتت ليتسلل الحزن لقلب محمود ظنا أنها ستخفى عنه الحقيقة لكنها تسرع بنزع تلك الشكوك وهى تقص عليه كل ما حدث بكل مصداقية، يبتسم محمود ويربت على كفها بحنان لقد كانت افضل من ظنونه فيها .
لم تنم ليلتها من فرط سعادتها لتبدأ فورا بعد صلاة الفجر تنظيف المنزل وإعداده لاستقبال الزائر الغالى . واعدت غداءا فاخرا كما طلب اخيها
ولم يطل الانتظار فبعد صلاة الظهر مباشرة طرق الباب ليتوجه إليه محمود فهذا موعد حضور احمد وعائلته .
فتح باب المنزل ليجد رجلا مهيبا يرتدى جلبابا ويضع عباءة فخمة فوق كتفيه بالإضافة لتلك العمامة التى تزين رأسه وتقف خلفه امرأة بشوشة الوجه ذكرته فور رؤيتها بإمه الراحلة وخلفهما يقف احمد بجوار شابين يحمل كل منهما العديد من الحقائب بالإضافة لحامد وهذا الصندوق الضخم الذي يحمله .
افسح محمود الطريق مرحبا : اهلا وسهلا نورتونا ..اتفضلوا ..اتفضل يا دكتور
كان المنزل متواضعا ورغم ذلك مريحا دخل حسن تتبعه صابحة لتبتسم لنظافة المكان وحسن ترتيبه الذى ينم عن الرقة والذوق
دخل احمد متمسكا بتلك العصا ليستكشف الطريق أمامه ويقف بجوار والديه حتى دخل عبد الله ومحمد ليضعا ما يحملان على طاولة صغيرة بمنتصف الردهة ليتبعهم جميعا حامد الذى وضع الصندوق أرضا فهذه الطاولة لا تتسع له
نظر محمود لما احضروه بحرج : ليه كدة بس مفيش داعى للتعب ده
ابتسم احمد وهو يقول: دى حاجة بسيطة يا محمود
وبدأ يعرفه بوالديه وشقيقيه وهو بالطبع يعرف حامد اجلسهم محمود بغرفة معدة لاستقبال الضيوف بسيطة ايضا ليرفع احمد عصاه ليطويها ويضعها بجواره فيستأذن محمود ويأتى بالضيافة المعدة مسبقا يقدمها لهم .
جلسوا ليبدأ حسن الحديث : يا ولدى احنا چاين النهاردة نطلب خيتك لولدى الدكتور أحمد
ابتسم محمود: نتشرف طبعا يا عم الحاج لكن لازم يقعدوا مع بعض الاول واذا امل موافقة انا موافق طبعا .
اومأ حسن بتفهم : طبعا يا ولدى بس هى فين زينة العرايس؟
وقف محمود بحماس : حالا انادى لها
وتوجه لغرفة شقيقته التى كانت تجلس على الفراش بتوتر : امل قاعدة كدة ليه؟ يلا الناس عاوزين يشفوكى
دق قلبها بعنف: انا مكسوفة اوى يا محمود..هم صعايدة شكلهم ايه؟؟شداد
ابتسم لها بحنان: بالعكس شكلهم ناس طيبين اوى
شجعها قليلا حتى استجمعت شجاعتها وخرجت بصحبته لتدخل بخجل : السلام عليكم
أتاه صوتها اخيرا لينتشى قلبه فرحا ويهب واقفا تعلقت العيون بهما وهى تسترق النظرات إليه فى خجل وشوق ويتأمل الجميع جمالها وجه مستدير كالبدر ليلة تمامة، عيون عسلية تميل للون البنى ،انف دقيق ، وشفتين مكتنزتين بلون وردى ..ترتدى فستانا بسيطا بلون ازرق زاد من تألقها وجمالها وفوقه حجابا كبيرا من نفس اللون بنقوش صغيرة .كانت حقا فاتنة .
لتقف صابحة وتسرع تضمها وتقبلها بحب وحنان : يا اهلا بالزينة عروسة الزين
بادلتها امل ضمتها: اهلا بحضرتك نورتونا والله
لياتيها ذلك الصوت الدافئ: ديه نورك يا بتى … ماشاء الله
ابتعدت عنها صابحة تاركة لها المجال لترحب ب حسن ليعرفها لأولاده : ديه ولدى الكبير محمد وديه عبدالله اصغر منيه وولدى الصغير سالم سبناه فى البلد مايصحش نهملوا الدار مفهاش راچل جعد يرعى مرته وحريم خواته كلهم متچوزين .
رحبت بهما امل دون أن تمد يدها لتصافح أحدهما بينما كان احمد طيلة الوقت يقف متاهبا يرهف السمع ليعرف حين تقترب منه ساعده على ذلك الحصير الذى فرشت به الأرضية لتقف اخيرا بالقرب منه قائلة : ازيك ؟؟
هز رأسه: الحمدلله
جلست على مقعد مقابل لمقعده وهى تتمنى أن تسعده بهيئتها الجديدة ليبدأ حديثا روتينيا يتعارفون فيه ليعلم احمد المزيد عن اخبارها الاخيرة لقد اقتربت من إتمام حفظ القرآن الكريم وكم هى فخورة بهذا ، كان يستمع لحديثها مع والديه وشقيقيه بسعادة وكأنه يروى ظمأ الشهور الماضية من صوتها يبتسم براحة فقلبه يخبره انها ستتقبل حقيقته التى لازالت تجهلها
لم تترك امه مجالا للحديث لم تتحدث به وكأنها تخضعها لاختبارا فى المعلومات العامة بينما كان حسن ودودا للغاية كذلك شقيقيه .
فى النهاية شعرت بالارتياح لهم جميعا وكأنها تعرفهم من زمن بعيد ليبدو حديثها اكثر اريحية شجعها على ذلك شقيقها الحنون الذى يشاركها الحديث عن نفسها بفخر .
مر حوالى ساعة قبل أن يقول محمود : اتفضلوا نقعد احنا فى الصالة برة ونسيب الدكتور وامل شوية
كان اقتراحا تبسمت له الوجوه عدا وجه احمد الذى خلا من التعبير وقلبه ينتفض بقوة سيخبرها الآن الحقيقة التى لم يتعمد إخفائها بل الظروف المحيطة بفترة تعارفهما القصيرة قضت بذلك .
غادروا جميعا ليظل معها اخيرا لحظة تمناها منذ زمن وحين اتت أصبح خائفا منها .
صمتت للحظة قبل أن يقول: عاملة ايه يا امل ؟
سمع صوتها الذى يبدو خجلها فيه : الحمدلله مبارك على الدكتوراه
كم تمنى سماعها منها ! ليجيبها بلهفة قلبه : بارك الله فيكي.كان نفسى تكونى معايا .
تنهدت بحزن : انا كمان كنت اتمنى اكون معاك واشوفك
عاد الصمت لتقطعه متسائلة : انا كنت عاوزة انتقب . الموضوع ده يضايقك ف حاجة ؟؟
دق قلبه بعنف فقد جاءت لحظة الحقيقة التى يتمناها ويخاف منها ليتنحنح بحرج : تقدرى تقولى أنه بالنسبة لى افضل هيقلل احساسى بالعجز أنى اشوفك
لم تفهم ما قال فعادت تتساءل : العجز انك تشوفنى ازاى ؟
تنهد بحزن وهو يقول : انا ماكنش قصدى اخبى عليكى ،لكن احنا اتقابلنا مرتين بس
صمت لحظة ثم قال: اللى عاوز اقوله .انا فى الحقيقة مش شايفك دلوقتي..ولا شوفتك قبل كدة .

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!