الفصل الحادي عشر القسم الاول طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد

ازدادت سرعة أنفاسه، وصعد إلى غرفته كمن يطارده شبح لا يراه.
فتح الباب…فتجمّد مكانه.
كانت الممرضة تغفو على المقعد بجوار الفراش، بينما كانت خديجة مستلقية فوقه، شاحبة الوجه، وذراعها تحمل محلولًا معلقًا، والكانولا مغروسة في كفها.
توقّف قلبه للحظة.
ثم اندفع إليها مذعورًا.
_وداد… وداد! إيه اللي حصل؟!
انتفضت الممرضة من نومها، ونهضت سريعًا، بينما اقترب عبدالرحمن من الفراش وعيناه لا تفارقان خديجة.
أخبرته الممرضة بكل ما حدث…
ومع كل كلمة كانت ملامحه تزداد قسوة، و الخوف يتغلغل إلى أعماقه.
انحنى عليها، وطبع قبلة على جبينها،
رفرفت أهدابها بضعف…
ثم فتحت عينيها بصعوبة.
وما إن رأته حتى تحركت شفتاها المرتجفتان:
_عبدالرحمن…
كان مجرد سماع اسمه منها كافيًا ليشعر بأن روحه عادت إلى جسده.
جلس إلى جوارها، وسحبها إليه بحذر، متجنبًا الكانولا المعلقة في يدها.
لكنها ما إن استقرت بين ذراعيه حتى انهارت.
تشبثت بقميصه بكل ما تبقى لها من قوة، وانفجرت دموعها دفعة واحدة.
_أخدوا أمي…
تجمد عبدالرحمن.
_اهدي
هزّت رأسها بعنف، وكأنها تحاول إنكار الحقيقة قبل أن تصرخ بها:
_أخدوا أمي يا عبدالرحمن… أمي اتخطفت!
خرج صوتها مكسورًا، مذعورًا، كصوت طفلة فقدت آخر أمان لها.
_أنا عايزة أمي… عايزة أمي يا عبدالرحمن!
احتضن وجهها بين كفيه، محاولًا أن يثبت عينيه المرتجفتين في عينيها الغارقتين بالدموع.
_حبيبتي… اهدي.
لكنها لم تهدأ، بل ازدادت شهقاتها، وأخذت تهز رأسها كأنها لا تستطيع احتمال الفكرة.
_أنا خايفة عليها
ضمها إلى صدره بقوة، وأغمض عينيه للحظة يخفي الرعب الذي ضرب قلبه هو الآخر.
ثم قبّل رأسها، وقال بصوت ثابت رغم العاصفة التي تمزقه من الداخل:
_بصيلي يا خديجة… بصيلي.
رفعت عينيها إليه وسط دموعها.
مرر إبهامه على وجنتها المرتعشة.
_أنا هنا… فاهمة؟ وأنا هتصرف. هجيب أمك، ولو آخر حاجة أعملها في حياتي.
شهقت وهي تتشبث به أكثر.

نزعت المحلول من كفيها وقالت
_انا لازم امشي من هنا، مش عايزاك تاني في حياتي
تجمد جسده غير مستوعب حديثها
_خديجة اهدي، مامتك هترجع
رفعت عيناها اليه، ونهضت من فوق الفراش، رغم ترنح جسدها الا انها صاحت:
_ليه عملت فيا كده؟! إنت إزاي بقيت شيطان كده؟!
خرجت صرختها ممزقة، قبل أن تتبعها الكلمة التي كانت كفيلة بأن تشق صدره نصفين:
_أنا بكرهك!
تجمّد عبدالرحمن في مكانه.
لم يتحرك… لم يرد.
فقط ظل يحدق بها، وقبضة من نار اعتصرت قلبه، كأن كل كلمة منها تحولت إلى قيدٍ يلتف حول صدره ويخنق أنفاسه.
لم يفهم شيئًا.
كل ما يعرفه أنه عاد إليها يحمل خوفه عليها، فإذا به يجد نفسه متهمًا بكل هذا الوجع.
خانتها قدماها وسقطت بين ذراعيه، انحنى و حملها دون تردد، ووضعها فوق الفراش، ثم مسد على خصلاتها بحنان
_اهدي .. هعملك اللي إنتِ عايزاه.
رفعت عينيها إليه… تطالعها بهما بعدما انطفأ بريقهما، ولم يبقَ فيهما سوى خوف امرأة تشعر أن آخر ما تملك يُنتزع منها.
_أنا اتجوزتك لما كان عايز ياخدها… علشان أقدر أقف في وشه.
ابتلعت غصتها، ثم تابعت بصوت متهدج:
_رغم إني بقيت خطافة راجل من مراته… اتحملت علشانها كتير.
ارتجف صوتها أكثر.
_بتعمل كده علشان تكسرني؟ أنا موافقة… أيوه، موافقة على أي حاجة.
انحنى عبدالرحمن ومسح على خصلاتها بحنان، رغم أن قلبه كان ينزف من كل كلمة.
_خلاص يا خديجة… خلاص. اهدي بس.
لكنها أمسكت يده فجأة، تتشبث بها
_عبدالرحمن… أنا مستعدة أتنازل أكتر. بس هاتلي أمي.
انكسرت نبرتها وهي تهمس:
_إنت وعدتني.
أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما عليها.
_حاضر.
مسح دموعها بإبهامه.
_بس ممكن تهدي وتبطلي عياط؟ أنا هروح أجيبها.
صاحت ماسة من خلفه، مذهولًا:
_إيه اللي إنت بتقوله ده؟! إحنا لسه راجعين من السفر، مش كنت بتقول إنك تعبان وعايز تنام واحنا هناك
لم يجبها.. انحنى فقط، قبّل جبين خديجة قبلة طويلة، ثم همس لها:
_نص ساعة وتكون عندك.
ابتعد قليلًا، وعيناه معلقتان بعينيها.
_المهم ما أشوفش الدموع دي تاني… دموعك بتقتلني.
ثم قال بسرعة، وكأنه يستحلفها أن تصدقه:
_خديجة، صدقيني… أنا معرفش حاجة.
نظرت إليه من بين دموعها، وصوتها خرج مكسورًا:
_أنا بحبك…توقف تهز رأسها
_آه… بحبك. مش ده اللي عايز تسمعه؟
انفجرت بالبكاء.
_هاتلي أمي بقى
ثم شهقت:
_عبدالرحمن… أمي عاجزة.
كانت الكلمة الأخيرة كافية ليشعر بأن حوله قيودًا من نار
نهض عن الفراش، خرج من الغرفة كمن يحاول الهرب من جنونه، وهو يسأل نفسه
كيف حدث هذا؟ متى؟
وكيف استطاع أن يصل إلى خديجة وأمها؟
توقفت ماسة أمامه.
_إيه الانتحار ده؟ إنت منمتش وعايز تنزل دلوقتي؟
رفع عينيه إليها، وقد تبدلت ملامحه
_ابعدي من طريقي.
_عبدالرحمن، أنا بس—
_قولت ابعدي!
مد يده، وأزاحها من طريقه بعنف، ثم أمسك ذراعها وسحبها إلى الخارج، حتى اصطدمت بالحائط.
اقترب منها، وعيناه تشتعلان بغضب لم تره فيه من قبل.
_عارفة لو شكيت إنك ورا لعبة السفر دي… علشان يستفردوا بيها، مش هيهمني أي حاجة.
شد قبضته أكثر.
_وهتندمي على اليوم اللي لعبتي فيه معايا.
ارتجفت ماسة، لكنها حاولت إخفاء خوفها خلف الغضب.
_ده كله ليه؟! فيه إيه علشان تبقى زي المجنون عليها؟!
اقترب منها أكثر، وصوته خرج منخفضًا، لكنه أخطر من الصراخ:
_مراتي…
غرس عينيه في عينيها.
_وحبيبتي.
صمت لحظة، ثم قال بمرارة:
_نسيتي الحبيب بيعمل إيه علشان حبيبه؟
دفعته بعيدًا وتحركت، والغضب يشتعل في عينيها.
_همو…تها. هعمل زي اللي عملته زمان. كان لازم أموتك يومها، مش أنا اللي تتهان بالشكل ده!
توقف عبدالرحمن لحظة.
ثم التفت إليها ببطء، وابتسامة باردة مرت على شفتيه دون أن تصل إلى عينيه.
_بالراحة على نفسك يا برنسيسة.
تقدم خطوة.
_وبلاش كلمة إهانة…
توقّف أمامها مباشرة، ثم قال ببطء، وكأنه يضع الحقيقة أمامها بلا رحمة:
_لأنك إنتِ وهي… متساويان.
ارتفعت أنفاسها، واتسعت عيناها بغضب.
_متساويان؟!
اقترب أكثر، وصوته ازداد حدة:
_أيوه… متساويان.
ثم أشار ناحية الغرفة التي ترقد فيها خديجة.
_دي مستعدة اهد الدنيا كلها علشانها، وزي مااحترمتك زمان، احترمي ان دي حبيبتي قبل ماتكون مراتي
لكزته بصدره صارخة
_بطل تقول بقى كدا، انت ايه يااخي معندكش دم
قبض على كفيها بيده الاثنبن وجز على اسنانه يهمس اليها بهسيس مرعب
_اي حركة ندالة منك، هتصل بغسان، واقوله على كل حاجة، اتلمي ياماسة، انا طاقتي خلصت
تراجعت تنظر اليه بذهول
_معقولة، هتروح تقوله
اقتربت تنظر لداخل مقلتيه
_اتصل وقوله، هو اصلا مش هيصدقك عارف ليه، لانه متأكد انك خنته، انت مفكر غياث الحداد اهبل ومش حاسب لكل خطوة
سحبها من ذراعها بقوة، حتى ارضطدمت بصدره
_وانا برضو مش اهبل وحاسب للخيانة في أي وقت، سواء منك ولا من ابوكي
انحنى الى اذنيها
_فيه حاجة ابوكي مخبيها عليكي، روحي اسألي مراد عليها، هي المدام مكنتش عنده
رفعت رأسها اليه
_انت تقصد ايه
هبط السلم وقال
_هقول لغسان ياماسة… توقف واستدار اليها
_مش يمكن لما يعرف حكاية الجواب والحادثة يربط الخيوط
_أنا معملتش حاجة وانت عارف
_وخديجـــــــــة برضو معملتش حاجة، اياكي تقربي منها، خديجة مش نهى ياماسة اولع فيكي حية
ظلت واقفة بمكانها باانفاس مرتفعة تتذكر تلك االليلة
_نهى فيه حاجة
_لا حبيبتي، كنت عايزة ابعت لك لانجري تقولي رأيك فيه، النهاردة عيد ميلاد فراس
وقولت اعمله سهرة مميزة
تجمدت ماسة وارتفعت دقات قلبها
_والله كل سنة وهو طيب، اسفة مش هقدر اساعدك، بلبس وخارجة، غسان عازمني على حفلة
_اوووه غسان جنتل اوي، يابختك بيه ياماسة معرفش ليه فراس مش زي الرجالة كدا
انا مضطرة اقفل يانهى
_طيب شوفيه بسرعة، انا بعته
لحظات ووصل اليها ذاك القميص، قميص احمر ناري الى تصميم متقن، قميصا اقل مايقال انه لم يرتدي سوى بغرفة النوم فقط
نيران الغيرة تسللت داخل ماسة، حتى وقعت عيناها على رقم الماركة، لم ترد على نهى، بل رفعت هاتفها وطلبت مثله
ثم اتجهت بمهاتفته
_انت فين
حمحم وابتعد عن الجميع
_في الشركة… اتجننتي، ابوكي وغسان ومراد هنا
صاحت غاضبة
_ماليش دعوة بدا كله، وحشتني، هستناك في الشقة الليلة، واعمل حسابك هنتأخر
_ماسة متبقيش مجنونة، مينفعش الليلة
_عارف لو مجتش، هقول لبابا وغسان كل حاجة، بقولك وحشتني يبقى تكون عندي
_طب ممكن تهدي حبيبتي، حاضر هاجي
اغلق الهاتف، بينما ظلت هي متوقفة بمكانها للحظات، ثم اتجهت تقف أمام المرآة تنظر لنفسها
_وبعدين ياماسة، لازم تقولي لابوكي، انا مبقتش قادرة اتحمل بعده، ولا جوازه من غيري
خرجت من شرودها على خروج خديجة تسحب حقيبتها… توقفت أمامها
_انت رايحة فين
لم ترد عليها خديجة بل سحبت الحقيبة، ولكن منعتها ماسة حين توقفت امامها
_صدقيني انا بكرهك ومش طيقاكي، بس لازم امنعك لحد ماعبدالرحمن يرجع
صاحت على الخادمة
_خدي شنطة المدام، واتصلي بالبواب يمنعها لو حاولت الهرب
عند عبدالرحمن
وصل الى منزل خالد ومعه بعض حراسه، اقتحمت البوابة بثواني معدودة، ثم ترجل من السيارة، ودلف للداخل، يدفع الباب بقدمه بقوة
انتفض خالد من نومه، وكذلك جيهان وتحركا للخارج، خرج خالد مع فتح الخدم الباب
دلف عبدالرحمن ووصل اليه بخطوات معدودة، ودون مقدمة صفعه بقوة على وجهه، حتى اختل جسد خالد، اقترب منه عبدالرحمن وهو يصفعه للمرة الثانية
الاولى علشان انك مش راجل يلا، والتانية علشان خوفت مراتي على امها
شهقت جيهان، وهي تراه يشير الى الحرس
عايزكم تكسروا عضمه، علشان يروح يعمل بلاغ بحق وحقيقي
اتجه بخطواته لجيهان التي ابتعدت
_خالتي فاتن فين
اشارت الى الغرفة التي تواجههم، فتحرك دون ان ينظر اليها، ولج للداخل، وجدها غافية على فراش صغير، اتجه وحملها
فتحت عيناها تنظر له
_عبدالرحمن
تحرك يضعها على الكرسي المتحرك
_ايه ياخالتي، مزاجك عالي ونايمة، وبنتك رافعة علي قض.ية بتتهمني بخطفك
ابتسمت رغما عنها، ثم همست باسم ابنتها
_خديجة ايه ياخالتي، دي انت كنتي بتاكلي رز ولبن مع الملايكة، ياحظ ياعبد الرحمــــــــن
ضحكت تلكزه، دفع مقعدها للخلف، شهقت تصرخ بنبرتها المتقطعة حين وجدت بعض الرجال يضربون خالد
_عبدالرحمن… لا، ابني
اشار اليهم بالابتعاد، ثم اقترب من خالد الذي هوى على الارضية
_جيهان… اتصلي بدكتور حودة يجي يعالج جوزك
شهقت تنظر اليه بدهشة
التفت اليها
_اتصلي
_بس دا دكتور حيوانات، بطري يعني
_وانتوا ايه ياجيجي، واحدة راقصة والتاني طبال
انحنى ينظر لخالد
_انا اكرمتك بس علشان امك، ادعي لها لولاها كنت عرفتك يعني ايه تقتحم بيت مفيهوش غير ستات، وكمان اختك
بعد عدة ايام

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!