الفصل التاسع 2 طعم في يدا اليفة بقلم سيلا وليد
نظرت إليه بغيظٍ حاولت أن تخفي خلفه ارتباك قلبها، لكنه لم يمنحها فرصة للاعتراض؛ أمسك كفها في هدوء، وسار بها نحو المأذون، جلست بجوار والدتها، ولكنه تحرك بها للجانب الاخر، جلست إلى جواره…
وبقيت عيناها تدوران بين الوجوه من حولها بشرود، تحاول أن تستوعب ما يحدث.
أحقًّا جاء هذا اليوم؟
أحقًّا ستصبح زوجة الرجل الذي دق له قلبها ذات يوم، ثم ظل يدق باسمه رغم كل ما انكسر داخلها؟
كان المأذون يردد كلماته، بينما كانت هي في عالم آخر تمامًا… عالم لا صوت فيه سوى نبض قلبها المرتبك.
التفتت إليه خلسة.
وجدته ينظر إليها بسعادة لا تحتاج إلى كلمات، سعادة تنطق بها عيناه، وتفضحها ابتسامته الهادئة.
ارتجف قلبها.
ليتك كنت هنا منذ سنوات…
هل كنت سأستطيع أن أكون زوجتك مرة أخرى، ليتك جئتني قبل أن تهشم الحياة كل شيء بداخلي؟
هل سأستطيع أن أبوح لك بما أخفيه في صدري؟
أم أخشى أن تعايرني يومًا بما حدث؟ أن تنظر إليّ بعين مختلفة حين تعرف كل ما مررت به؟
ابتلعت غصتها، وأخفضت عينيها.
ليتك تعلم فقط ماذا أشعر الآن…
ليتك تعلم أن خديجتك التي انتظرتها اثنتا عشرة سنة لم تعد كما كانت.
لم يبقَ مني إلا شظايا متناثرة… امرأة تحاول أن تجمع نفسها كل يوم، وتخشى أن تضع قلبها بين يدي رجلٍ مرة أخرى، ثم يأتي القدر لينتزع منها الأمان.
ارتعشت أنفاسها.
وأغمضت عينيها، بينما كانت كلمات المأذون تتردد في أذنيها كأنها تأتي من مكان بعيد.
انفلتت من بين شفتيها شهقة مكتومة، وانحدرت دمعة وحيدة على وجنتها.
التقط عبدالرحمن دمعتها بطرف عينيه.
توقفت السعادة في ملامحه للحظة.
أبعد وجهه عنها، وكأن النظر إليها وهي تبكي يؤلمه أكثر مما يحتمل، وانقبض قلبه بقبضة قاسية.
هل لم تعد تريدني؟
هل كنت مخطئًا حين صدقت أن قلبها ما زال لي؟
للحظة، تسللت إليه كل مخاوف السنوات الماضية ، لكنه أجبر نفسه على الصمت.
فاليوم ليس يوم خوف…ولا يوم أسئلة.
عاد يصغي إلى المأذون، وكأن الكلمات التي تُقال أمامه هي آخر خيط يتمسك به حتى لا ينهار.
ومرت دقائق بدت لخديجة كأنها عمر كامل…
حتى نطق المأذون عقد القران.
— بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير.
توقفت أنفاسها.. وأغمضت عيناها، اصبحت زوجة حبيبها، ولكن كيف ستصبح زوجته بعد انكسار الانثى داخلها، لم تريد شيئا الان سوى أن يضمها وتبكي على صدره، تبكي وتبكي حتى ينقطع صوتها وهو يضمها يقول لها انا هنا.. ارتجف جسدها
بعدما تعالت الزغاريد في أرجاء المكان.
بل انتفض قلبها مع أول زغرودة،
لم تكن مجرد زغرودة…
كانت إعلانًا رسميًا بأن سنوات الانتظار انتهت.. أن الرجل الذي ظل يسكن قلبها رغم كل شيء أصبح الآن زوجها.
زوجها…الكلمة وحدها كانت أكبر من أن يحتملها قلبها.
انحنت برأسها، وانهمرت دموعها في صمت، بينما كانت ابتسامة صغيرة مرتعشة تحاول أن تجد طريقها إلى شفتيها.
أما حسناء، فلم تستطع منع دموعها.
اندفعت نحو ابنها، واحتضنته بقوة، وهي تبكي من شدة الفرح، كأنها تحتضن بين ذراعيها طفلها الذي طال انتظاره حتى يجد أخيرًا المرأة التي اختارها قلبه.
شد عبدالرحمن ذراعيه حول أمه، وأغمض عينيه لحظة.
ثم رفع بصره نحو خديجة.
وجدها تبكي، اراد أن يصل اليها بلمح البصر ولكن كلمات والدته الحانية اوقفته عن كل شيئً