اقتباس من القادم طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد
واتوقفت خديجة في المطبخ تُنهي إعداد الطعام، تتفقد الأطباق للمرة الأخيرة، ثم التفتت إلى الخادمة قائلة:
_جهزي السفرة، البشمهندس على وصول.
_تحت أمرك يا مدام.
أومأت لها، ثم صعدت إلى الطابق العلوي بخطوات هادئة، وما إن دخلت غرفتها حتى اتجهت إلى خزانة ملابسها، أخذت تقلب بين فساتينها دون أن يستقر اختيارها على شيء.
عادت كلمات مريم تتردد في رأسها، ومعها تلك النظرات الماكرة التي رمقتها بها قبل قليل، فتوقفت أمام فستانها، تأملته لثوانٍ، قبل أن تنزعه عن الشماعة وتلقيه جانبًا.
_لأ… مش ده!
التفتت نحو الحقيبة التي أحضرتها مريم معها، ثم اتجهت إليها وفتحتها، أخذت تُخرج الملابس قطعة تلو الأخرى، حتى وقعت عيناها على فستان أزرق، شفاف عند أطرافه، مكشوف الصدر، واسع القصة من الأمام والخلف، يمتد شقه الأمامي حتى الركبة.
تأملته طويلًا، قبل أن ترتسم ابتسامة صغيرة على شفتيها وهي تتذكر ما ارتدته في عيد ميلاد عبدالرحمن.
كان فستانها يومها قريبًا منه، لكن هذا… بدا أكثر جرأة بكثير!
رفعت حاجبها بتردد، ثم ابتسمت بخجل وهي تمرر أصابعها على قماشه.
_يا نهار أبيض! هو أنا هلبس ده بجد؟
ومع ذلك، لم تستطع مقاومة فضولها؛ حملته واتجهت إلى الحمام، وبعد دقائق خرجت منه، وقد تعطرت بعطرها المفضل، ثم ارتدت الفستان ووقفت أمام المرآة.
للحظات، ظلت تحدق في انعكاس صورتها، تدور ببطء لتتفقده من كل جانب، قبل أن تتسع عيناها فجأة، وترفع كفيها إلى فمها في صدمة.
_انحرفتي يا خديجة، خلاص! إيه قلة الأدب دي؟ الله يخرب بيتك يا عبدالرحمن!
ثم أسرعت تجذب أطراف الفستان، تحاول ستر ما بدا لها مكشوفًا أكثر مما ينبغي.
_والله ما أنا لابساه! هو أنا اتجننت؟!
لكن عينيها عادتا إلى المرآة مرة أخرى، وكأنها تحاول إقناع نفسها بأنها تبدو جميلة، لا أكثر.
فمنذ متى وهي تهتم بمظهرها أمامه بهذه الطريقة؟
ومنذ متى صار رأيه فيها يشغلها إلى هذا الحد؟
وقبل أن تحسم أمرها، سمعت طرقات خفيفة على الباب، أعقبها دخول مريم وهي تحمل فنجانًا من مشروبها.
_مساؤ.. يا ديجا، إيه ريحة الأكل الحلوة دي؟!
قطبت خديجة جبينها، والتفتت إليها باستغراب.
_مش فاهمة!
اتجهت مريم وجلست على طرف الفراش، ثم رفعت الفنجان إلى شفتيها وهي تقول باستمتاع:
_الحمام يا باشا! ريحته إيه دي؟ يا بنتي، أنا لما أرجع أمريكا هزيد عشرين كيلو بسببك!
ضحكت خديجة بخفة، ثم استدارت نحو المرآة من جديد.
_آه… قصدك على الحمام!
سكتت لحظة، قبل أن تتبدل ملامحها تدريجيًا، وخفت بريق عينيها وهي تتحدث بنبرة حملت حنينًا لم تستطع إخفاءه.
_حسيت إني عايزة آكله… تغيير يعني. تعرفي ما أكلتوش من سنين. آخر مرة ماما حبيبتي هي اللي عملتهولي، وبعدها تعبت… ومن يومها وأنا كرهت كل حاجة.