اقتباس من القادم طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد
أما هي، فما إن التقت عيناها بعينيه حتى شهقت بخفوت، ورفعت كفيها إلى صدرها تحاول جمع مقدمة الفستان، وردت بخفوت
_مساء النور…
خرج صوتها متقطعًا، وارتبكت نظراتها وهي تراقب ملامحه، تنتظر منه كلمة،
اكتفى بإيماءة خفيفة، ثم تجاوزها متجهًا إلى الداخل، وكأن شيئًا لم يحدث.
انطفأت ابتسامتها قبل أن تكتمل، وتابعت خطواته بعينين حائرتين.
ألم يعجبه الفستان؟
أم أنه لم يهتم من الأساس؟
شعرت بانقباض يزحف إلى صدرها، وزفرت بضيق وهي تنظر إلى نفسها في المرآة مرة أخرى.
_غبية… غبية يا خديجة! إيه اللي إنتِ بتعمليه ده؟!
جلست على طرف الفراش، تعبث بأطراف الفستان وهي تحدث نفسها بعتاب.
_ده جوزك يا هبلة، يعني إيه؟! إنتِ بتتكسفي منه ليه؟ ما إنتِ بتنامي جنبه كل يوم!
صمتت لحظة، ثم تذكرت شيئًا جعل وجنتيها تحمران، فخفضت رأسها وتمتمت باختناق:
_بس هو اللي بيغصب عليا…
توقفت الكلمات على شفتيها، وعادت تنظر إلى الباب الذي اختفى خلفه عبدالرحمن، وقد تسللت إلى قلبها غصة صغيرة.
تحركت واتجهت خلفه، وجدته يقوم بتبديل ملابسه، توقفت للحظات على الباب، ونظرت للأسفل
_الغدا جاهز
_ماليش نفس، عايز انام
انتهى من ارتداء ملابسه، ثم استدار اليها
_واقفة كدا ليه، روحي غيري هدومك
رفعت عيناها اليه حين شعرت بحدة كلماته
_انت بتكلمني كدا ليه
_لاني تعبت خلاص، نظراتك اللي بتحسسني اني شخص مقرف، مش حاسة انك بتعملي ايه، ولا انت شايفة اني كدا فعلا
_عبدالرحمن ايه اللي حصل لدا كله
اقترب منها وهو يلقي بوجهها وشاح التقطه من فوق المقعد
_خدي داري نفسك من جوزك، اصله انسان مش كويس
ارتطم الوشاح بوجهها ثم تحرك للخارج دون اضافة، مع طرقات الخادمة
_الغدا جاهز يامدام
قالتها من خلف الباب، بينما هو صعد على الفراش وتمدد مغلقًا الأضاءة، خرجت خلفه وجدته يستعد للنوم
ظلت للحظات تراقبه، ابتلعت غصتها التي شعرت بمرارتها، ثم اقتربت الى الفراش
جلست بجواره على طرف الفراش
_عبدالرحمن انا جعانة، مااكلتش من الصبح مستنياك
_مش واكل، روحي كلي وسبيني انام
ارتجف جسدها للحظات، لأول مرة يعاملها بتلك الطريقة، هل اجرمت بما فعلته
ازالت دموعها بعنف، ثم القت الغطاء من فوقه
_مش بكيفك على فكرة، مقفش طول اليوم في المطبخ، علشان في الاخر تتقمص زي الاطفال، هتقوم وتاكل وغصب عنك سمعتني
قالتها ودموعها تنذرف بغزارة، كان يراقبها بصمت رغم قلبه المتمرد عليه، ولكنه يريد ان تفيق من حالتها، لابد ان تتخطى الماضي
انحنت تسحبه بيدها وتصرخ به، لقد تحولت حالة بكاؤها الى هستريا، حتى انه استغرب مما وصلت اليه
امسك بكفيها
_خديجة خلاص، اهدي، انا مش عايز اكل
نظرت بدموع عيناها اليه
_مش بكيفك، انا عملت الاكل ومنتظرة اتغدى معاك، خلاص انا قولت هتنزل وتاكل كمان
ضم رأسها الى صدره
_طيب بتعيطي ليه دلوقتي، علشان قولت مش عايز اكل
_لا… علشان انت مليت وزهقت مني
اخرجها ينظر اليها بذهول
_ايه اللي بتقوليه دا، ليه متقوليش موجوع من اللي عملتيه
_عبدالرحمن مقصدش حاجة، انا بس، صمت ولم تعد تعلم ماذا تقول
رفعت نظرها اليه
_مش يمكن لسة مكسوفة منك، ليه اخدتها بالمعنى دا
ازال دموعها، ثم ابتسم وحاول تغيير الموضوع
_يعني وقفتي في المطبخ وعملتي اكل النهاردة
هزت رأسها باابتسامة
_حبيت اكلك من ايدي، ماطبختش ولا مرة
_بس انا مش عايزك تتعبي، فيه ناس بتاخد مرتبات على كدا
_حتى ولو… ايه يعني لما احب اعملك حاجة بايدي
_افهم من كدا انك بتعرفي تطبخي
ابتسمت ونزلت ببصرها للاسفل
_يعني مش اوي
رفع ذقنها ونظرها لعيناها التي تأسره
_عاملة اكل ايه، مش يمكن محبوش، انت عارفة بحب ايه
_ايه ياعبدالرحمن، احنا بقالنا اربع شهور متجوزين، مش هعرف انت بتحب ايه، وغير كدا انا عارفة بتحب ايه
مسد على خصلاتها بحنان وقال بنبرة حنونة
_طيب عاملة اكل ايه
صمتت وهي تفرك بيدها، رمقها بغمضة عين
_نسيتي طبختي ايه
_رقاق… صمتت وهمست وحمام
طالعها للحظات بصمت، ثم قال
_رقاق وايه
توردت وجنتيها وقالت
_حمام ايه متعرفوش
قهقه بصوت مرتفع
_حمام
لكزته ونهضت من مكانها
_والله انت بارد، وأنا غلطانة اصلًا
بمكانًا اخر
جلس مراد بجواره
_محتاج حاجة يابابا
_غسان… غسان فين
_في مصر، وأنا كنت هناك، وجيت اخلص شغل
_مصر… ليه؟!
_المحامي… توقف للحظة ونظر لوالده
_ليه عملت كدا، ليه خليت عبدالرحمن هو المدير العام للشركات، بتلغي ابنك، لدرجة دي ماليش أهمية
اغمض عيناه وارتفعت انفاسه
_ماسة عاملة ايه مع عبدالرحمن
_متجننة طبعا، راح اتجوز البت حبيبته، واللي فهمته انها حبته
نظر الى مراد
_ماسة حبت عبدالرحمن
_حاسس بكدا، بس هي حالتها اتحسنت عن الاول، انا كنت نازل انتقم منه، بس لما شوفتها اتحسنت ورجعت ماسة بتاعة زمان، وبيعاملها كويس، ووقف في وش غسان علشانها تراجعت
_عبدالرحمن كويس يامراد وامين
_بس متجوز على بنتك، عايز اعرف فين الحب اللي بتقول عليه دا يابابا، انت مخبي علينا حاجة
في تلك اللحظة دلفت سيدة في اواخر الخمسينات، رفع مراد عيناه اليها وابتسم
_طنط نهى، حضرتك جيتي امتى
نظرت لغياث
_ازيك يامراد… ثم التفتت الى غياث
_حمد الله على السلامة ياغياث
نظر اليها
_ازيك يانهى.. البقاء لله
_مراد ممكن تجبلي قهوة، عايزة اتكلم مع والدك شوية
_حاضر… قالها وتحرك، ولكنها اوقفته قائلة
_غسان رجع من مصر ولا لسة هناك
التفت اليها وقال
_لسة هناك، اكيد هيرجع على الاسبوع الجاي
_كلمه يامراد، وقوله لازم ينزل والدتك محتاجك، وكمان اخوه ومراته محتاجينه
_حاضر
قالها وتحرك… ثم استدارت الى غياث الذي قال
_عايزة غسان ليه يانهى
_ايه ياغياث، بلاش ابني يرجع لي ولا ايه
ولا انت خايف اقوله ازاي ابوه مات
_نهى… بلاش تقلبي في القديم لو سمحتي، كفاية البنت ضاعت
نهضت واقتربت منه
_البنت ضاعت… شوف انت ضيعت كام واحد فينا ياغياث
_نهى… فراس كان بيحب ماسة، كان لازم اعمل كدا، علشان ميأذوش بعض
_كفاية كذب بقى، انت ايه، اخوك مات خلاص
نهى لو سمحتي، ابعدي عننا، انت من امتى بتهتمي بالولاد
_ايه خايف اخدهم منك، خايف غسان وفراس يعرفوا حقيقة عمهم البشعة، ولا خايف على ماسة
_اقسم لك مكنتش اعرف، والله ماكنت اعرف
_جوزي مات قدامي، وبسببك انت، انت المسؤل قدامنا كلنا، انت السبب في دا كله
_اسكتي بقى، انت ايه شيطانة
انحنت تحاصره بذراعيها تنظر لعيناه
_هتشوف الشيطانة دي هتعمل فيك ايه، فوق ياغياث علشان ولاد اخوك هيرجعوا اقوى من الاول، فوق اصلب نفسك علشان تلاقي اجابة لغسان على اسئلته
صاح غاضبًا
_اخرسي بقى… ابنك عمل علاقة مع خطيبة اخوه…
_هتفضل زي ماانت كذاب ومخادع، عايز ولادي ياكلوا في بعض، علشان كدا روحت اديت الادارة كلها لواد شحات، عايز ولادي انا ياخدو مرتب من حتة واد ميكانيكي
وحياة ألم السنين دي كلها لأموتك بالبطئ، اقف وشوف غسان وفراس هيعملوا فيك ايه
اقتربت اكثر تحدجه
_عايزة اشوفك كدا وانت متهم قدام غسان بالذات، قوله على كذبك، وشوف هيصدق مين
اعتدلت على دخول مراد، رمقت غياث وقالت
_ألف سلامة على بابا يامراد
قالتها وتحركت للخارج
بمنزل ماسة
ظلت تدور بالغرفة وهي تحمل الهاتف، ثم اتجهت الى غرفة سيليا
_حبيبتي انت صاحية
_ايوة… الناني قالت اكمل اللعبة دي وانام
اشارت ماسة لناني بالخروج
_أنا هقعد معاها لحد ماتنام
خرجت ثم جلست بجوارها، تراقبها وهي تلعب بااحدى الالعاب الالكترونية، ثم قالت
_سيلي بابي مش وحشك
_اه يامامي، بس هو قالي مشغول، وهيجي بكرة ياخدني لعنده
_حبيبتي بابي بيضحك عليكي مش هيجي
رفعت الصغيرة عيناها اليها
_بابي مابيضحكش علي، هو قالي هيجي، بيحبني
_طيب لو بيحبك كلميه دلوقتي وخليه يجي، قولي له انه وحشك اوي، انا متأكدة انه مش هيجي علشان بيحب خديجة اكتر منك
_لا بابي بيحبني اكتر واحدة… سحبت الهاتف من جوارها وقامت بمهاتفته
عند عبد الرحمــــــــــن
_تسلم ايدك حبيبتي، الأكل كان حلو أوي، بس متعملهاش تاني
_ليه بقى إن شاء الله، ايه مش بتقول حلو
حاصرها بينه وبين الجدار
_حلو فوق ماتتخيلي، بس النتيجة اللي مش حلوة خالص
رفعت أناملها تداعب زر كنزته
_طيب والنتيجة ازاي تبقى حلوة
رفع خصلاتها الشاردة ووضع خلف أذنيها
_ولا حاجة، لو هتعملي حاجة تانية تمام، عندي شوية شغل، هقعد اخلصهم
_بس أنا معنديش حاجة
_مش كنتي بتقولي هتخرجي مع مريم البحر
رفعت رأسها اليه
_لأ… عايزة أسهر معاك، ممكن تسيب الشغل شوية، وتسهر معايا، من يوم عيد ميلادك ماسهرناش مع بعض
_مشغول ياخديجة
قالها وهو يبعد ببصره عنها، ادارت وجهه اليها
_مش ملاحظ بقيت تهرب مني، ممكن أعرف ايه اللي بيحصل
وقعت عيناه على مقدمة فستانها، ثم رفع عيناه اليها
_مفيش حاجة… انت اللي بدققي زيادة عن اللزوم
دفنت رأسها بصدره، ولفت ذراعيها حول جسده
_عبدالرحمن.. بجد محتاجة أسهر معاك اوي الليلة
رفعت رأسها تستند بذقنها على صدره
_عبدالرحمن أنا عايزة بيبي
انتشله من كلماتها رنين هاتفه
_بابي… سيلي بتقولك تعالى حالا، هي عايزة تشوفك دلوقتي