التاسع عشر من طُعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد

اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك.

❈-❈-❈
في حضرةِ العشق، تسقطُ عن الحروفِ هيبتُها، وتغدو الكلماتُ عاجزةً عن وصفِ ما يضطربُ في أعماقِ القلب؛ فثمّة حبٌّ لا تُحيطُ به لغة، ولا تختصرُه قصيدة، ولا تكفيه أعوامٌ من البوح.

حبٌّ يشبهُ الدهشةَ الأولى، كأنّ الروحَ قد عثرت أخيرًا على نصفِها الضائع، وكأنّ القدرَ، بعد طولِ تيه، قرّر أن يمنحَ القلبَ وطنًا يسكنُ إليه.

فالعشقُ ليس مجرّد ميلٍ عابر، ولا حكايةً تُروى بين اثنين، بل هو أن ترى في أحدهم من الحياة ما لا تراه في العالم أجمع، وأن يصبحَ اسمُه دعاءً خفيًّا على شفتيك، ووجهُه ضوءًا يتسلّل إلى عتمةِ أيّامك، وأن تُدركَ، دون أن تدري كيف، أنّ قلبَك لم يعد لك وحدك، بل صار يحملُ من روحِه ما لا يُنتزع، ومن حبّه ما لا ينتهي.
❈-❈-❈

ــ كل سنة وأنتَ طيب يا عبدالرحمن.

قالتها خديجة بابتسامة رقيقة، وهي تمد إليه العلبة الصغيرة، وتتأمل ملامحه بترقّب، وكأنها تنتظر منه فرحةً توازي تلك التي ملأت قلبها وهي تُعدّ له هديته.

_افتحها.

أضافتها برفق، فالتقط العلبة وفتحها، لتقع عيناه على بطاقة صغيرة كُتبت عليها كلماتها بخط يدها:
“كل سنة وأنتَ حبيبي… خديجتك.”

توقفت عيناه عند العبارة طويلًا، ثم رفع البطاقة، لتقع عيناه على المفتاح المستقر داخل العلبة… مفتاح دراجته النارية التي تركها قبل سفره.

رفع عينيه إليها في دهشة امتزجت بشيء من الحنين، وسألها:
_وصلتي لها إزاي دي؟

ابتسمت، وقد لمعت عيناها بفرحة لم تستطع إخفاءها.

_عمر… خليت عمر ياخدها التوكيل ويظبطها. أتمنى هديتي تعجبك.

_تعجبني؟!
ردّدها باشتياق، وكأن الكلمة وحدها لا تكفي لتصف ما يشعر به، ثم ظل يتأمل عينيها، مستعيدًا في لحظة واحدة ذكريات كادت توقف قلبه عن النبض من شدّة الاشتياق إليها.

_تعرفي الهدية دي عملت فيَّ إيه؟

هزّت رأسها برفق، وارتسمت على شفتيها ابتسامة مترددة.

_إيه؟ عجبتك صحيح؟ ولا ركوب العربيات نساك؟

ضحك بخفوت، ثم أطبق أصابعه على المفتاح.
_رجّعتي لي حاجات كتير حلوة وبريئة يا خديجة… حاجات كنت فاكر إني نسيتها، أو يمكن أقنعت نفسي إني مبقتش محتاجها.

خفتت ابتسامتها قليلًا، وأصبحت نظراتها أكثر دفئًا وهي تهمس:
_طيب كويس… وأنا كمان نفسي الحاجات دي ترجع تاني. نفسي نرجع زي زمان، نضحك من قلبنا، ونفرح بالحاجات الصغيرة، من غير ما يبقى بينا كل الوجع ده.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!