التاسع عشر من طُعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد

قالتها متجاهلة وجود ماسة.

كانت كلماتها بسيطة، لكن نظراتها إليه حملت رجاءً خفيًّا؛ رجاء امرأة تتمنى أن يختارها هذه المرة دون أن تضطر إلى طلب ذلك.

نظر إليها عبدالرحمن للحظات، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة، وشدّ على كفّها بين يديه.

_رغم إن مش في دماغي كل ده، بس كفاية إنك عايزة كده.

اتسعت ابتسامتها، وكأن كلماته منحتها فرحة أكبر من أي هدية كان من الممكن أن يشتريها لها.

لكن ماسة لم تستطع ابتلاع غيظها، فالتفتت إليه قائلة:
_إلا هو إيه يا عبدالرحمن؟

عانق كفّي خديجة بين يديه، ثم التفت إلى ماسة بنظرة حاسمة، وقد اختفت من ملامحه كل مظاهر المزاح.

_هنسهر برّه. إيه اللي مش مفهوم في كلامي؟

_بس…

_مفيش بس.

ثم رفع عينيه إلى مريم، التي كانت تتابع الموقف بصمت، وقال بنبرة أكثر هدوءًا:
_إحنا خارجين. خلي بالك من نفسك لحد ما أرجع.

أومأت له مريم بابتسامة متفهمة، فانتقلت عيناه إلى فاتن.

_محتاجة حاجة يا خالتي؟

_تسلم يا حبيبي، ربنا يسعدكم.

وقبل أن يتحركا، التفتت فاتن إلى ابنتها، وتأملت فستانها الأحمر، ثم قالت بقلق أمومي:
_الفستان خفيف يا خديجة، والجو بيبرد بالليل.

اقتربت خديجة منها، وانحنت تقبّل كفّها بحنان.

_لا يا ماما، مش خفيف. أنا لابسة فوقه الكاب أهو.

عندها فقط انتبه عبدالرحمن إلى فستانها الذي لم يلحظه وسط انشغاله بها. كان أحمر ناريًّا، يليق بها على نحو خطف أنفاسه للحظة، وقد أضافت الطبقة الطويلة التي ارتدتها فوقه احتشامًا وأناقة لم تُخفيا جمالها، بل زادتاها رقة وجاذبية.

ظل يتأملها لثوانٍ، قبل أن يمد يده إليها.

_نادية، هاتي طرحتها.

لم تمر سوى لحظات حتى عادت الخادمة تحمل الطرحة، فتناولتها خديجة ووضعتها فوق خصلاتها بطريقة عفوية، ثم رفعت عينيها إليه قائلة:
_علشان الطريق.

اقترب منها عبدالرحمن دون أن يجيب، وجمع خصلات شعرها برفق، ثم أخذ الطرحة من يديها وأعاد ترتيبها بنفسه، حرصًا على أن تستقر فوق رأسها كما ينبغي.

كانت حركاته هادئة، وعيناه معلقتين بملامحها، إلى أن انتهى، فابتعد قليلًا يتأمل ما صنعه، ثم قال بابتسامة صغيرة:
_كده كويس.

لم تكن خديجة وحدها من راقبت تلك اللحظة؛ فقد كانت عينا ماسة معلقتين بهما، تتابعان كل حركة تصدر عنه بمرارة متزايدة.

تمنت لو كان يفعل معها ذلك يومًا، لو يمنحها بعضًا من هذا الاهتمام الذي بدا له عفويًّا معها، وكأن الاعتناء بها أمر لا يحتاج منه إلى تفكير.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!