الجزء الثاني من18 طُعم في يد أليفة بقلم سيلا وليد

نهضت خديجة سريعًا من جواره حين لاحظت حبات العرق التي تغرق جبينه، وأنفاسه المتلاحقة ، وكأنه يخوض معركةً لا يراها سواها.
أسرعت إلى الطاولة، أحضرت كوبًا من الماء، ثم عادت إليه ومدت يدها نحوه بقلق.
_عبدالرحمن، اشرب… ممكن تكون بتحلم.
اعتدل في جلسته، يلتقط أنفاسه بصعوبة، بينما ظلت عيناه معلقتين بالفراغ، وكأن شيئًا مرعبًا ما زال يطارده حتى بعد أن أفاق من نومه.
اقتربت منه خديجة وجلست على طرف الفراش، تتأمل وجهه الشاحب وقلبها يئن وجعًا لحاله. لم تعتد أن تراه بهذه الصورة؛
مدت كفها برفق تمسح على ظهره، وهمست بصوتٍ حانٍ:
_اشرب يا حبيبي… واستعيذ بالله، أكيد حلم مش حلو وهيعدي.
رفع عينيه إليها، وليته لم يفعل!
فما إن التقت نظراتهما حتى شعرت وكأن قلبها انقبض بين ضلوعها؛ عيناه كانتا ممتلئتين بذعرٍ موجع، وألمٍ يفوق قدرتها على الاحتمال، كأنهما تحملان حكايةً مرعبة لم يجرؤ لسانه على البوح بها.
دنت منه أكثر حين لاحظت شروده، ولم يحتمل قلبها رؤيته بهذه الحالة، فحاوطت كتفه بذراعها، ورفعت الكوب إلى شفتيه.
_حبيبي، اشرب بوق واحد بس.
كان ينظر إليها دون أن يراها حقًا، فقد ظلت صورة كابوسه عالقةً أمام عينيه؛ ملامحها التي رآها تتلاشى من بين يديه، وصوت غسان الذي ما زالت كلماته تمزق روحه، كأنها سكاكين غُرست في صدره ولم تنزعها يقظته.
كان يعلم أنه حلم… يدرك ذلك بعقله، لكن قلبه لم يصدقه. فما شعر به من ألمٍ بدا حقيقيًا إلى حدٍ جعله يخشى أن يغمض عينيه مجددًا، فيجد نفسه محاصرًا بذلك الجحيم مرةً أخرى.
_عبدالرحمن!
نطقت اسمه بنبرةٍ هادئة، تحمل من الحنان ما يكفي لانتشاله من شروده.
انتبه إليها أخيرًا، رفعت الكوب الى شفتيه وارتشف منه القليل، ثم أعاده إليها دون أن ينطق بكلمة.
وضعته خديجة جانبًا، ثم نهضت متجهةً إلى الخزانة، تبحث عن ملابس جافة تبدل بها كنزته التي ابتلت بالعرق.
لكن صوته أوقفها قبل أن تبتعد.
_رايحة فين؟
التفتت إليه سريعًا، وقد استوقفتها نبرته المتقطعة، وذلك الخوف الغريب الذي تسلل إليها من بين كلماته. لم يكن مجرد سؤال، بل بدا وكأنه يستنجد بها، يخشى أن تتركه ويحدث مارآه
أجابته برفق:
_هجيب لك تيشيرت تغير المبلول ده يا حبيبي.
أنزل عينيه إلى ملابسه، فلاحظ آثار العرق التي غمرت قميصه، ثم عاد ببصره إليها، وكأن وجودها أمامه هو الشيء الوحيد الذي يطمئنه.
دلفت إلى الخزانة للحظات، ثم عادت تحمل قميصًا نظيفًا، واقتربت منه تمد يدها به.
_اتفضل، غير هدومك.
ظل جالسًا مكانه، يتابعها بعينين مرهقتين، قبل أن يهمس بصوتٍ خافت:
_مش قادر.
توقفت خديجة عن الحركة، وظلت تنظر إليه بصمتٍ للحظات.
كلمتان فقط، لكنهما اخترقتا قلبها بعنف. لم يكن العجز في صوته وحده ما آلمها، بل ذلك الانكسار الذي لم تعهده منه، وكأنه استنفد كل ما يملك من قوة في مقاومة شيءٍ لا تستطيع رؤيته.
تنفست ببطء، ثم صعدت فوق الفراش على ركبتيها، واقتربت منه حتى أصبحت أمامه مباشرة.
_طيب، ساعدني… ارفع إيدك، اخلع التيشيرت وأنا هساعدك.
لم يجبها، ولم يحرك ساكنًا، فمدت يديها إلى قميصه وبدأت ترفعه برفق، حتى ساعدها قليلًا في نزعه.
أبعدت بصرها عنه فور أن خلعته،. شعره المبعثر الذي انسدل فوق جبينه، وملامحه الشاحبة، وهدوؤه الغريب الذي لم تعتده منه، وصدره العاري الذي تعلوه آثار أنفاسه المضطربة… كل ذلك جعل قلبها يخفق بعنف
تناولت القميص النظيف، ورفعته إلى رأسه تساعده على ارتدائه، وحين اقتربت منه تعلقت عيناه بعينيها.
تجمدت أصابعها للحظة.
كانت نظراته غريبة، عميقة، ومشبعة بشيءٍ لم تستطع تفسيره؛ خليطٌ من الخوف والرجاء، ومن التعلق الذي يشبه استماتة الغريق في التشبث بآخر خيطٍ يربطه بالحياة.
ثم همس فجأة:
_أنا بحبك أوي.
توقفت يدها في الهواء، ورفعت عينيها إليه ببطء.
لم تكن المرة الأولى التي تسمع فيها منه كلمات الحب، لكنها المرة الأولى التي تشعر فيها أن كلماته تخرج من مكانٍ موجوع في أعماقه، كأنها اعتراف رجلٍ كاد يفقد أغلى ما يملك
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم سألته برفق:
_حلمت بإيه يا عبدالرحمن؟
سحب عينيه من عينيها، وأشاح بوجهه بعيدًا، كأن مجرد استعادة ما رآه كفيلة بإعادة الخوف إلى صدره.
ألقت خديجة بالقميص الذي نزعه بعيدًا، ثم أدارت وجهه إليها برفق، تحاول أن تستعيد انتباهه.
_احكي لي يا حبيبي… يمكن أعرف أفسر لك الحلم، يعني بعرف شوية صغيرين في الحاجات دي.
لم يبتسم، ولم يبدُ عليه أنه سمع مزحتها الخفيفة لتخفف عنه، بل أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما ونظر إليها نظرةً أوجعت قلبها.
_خديجة، أنا عايز أنام… ممكن تاخديني في حضنك؟
شعرت وكأن شيئًا حادًا انغرس في قلبها.
هو الذي اعتاد أن يحتويها، ويحيطها بأمانه، ويقف أمام العالم كله ليحميها، يطلب منها الآن أن تضمه إلى صدرها، كطفلٍ أرهقه الخوف ولم يعد يعرف أين يختبئ من كوابيسه.
لم تسأله مجددًا، ولم تضغط عليه ليحكي.
اكتفت بالنظر إلى وجهه للحظات، تحاول أن تفهم أي وجعٍ ذلك الذي جعله يتشبث بها بهذه الطريقة، ثم اقتربت منه وطَبعت قبلةً رقيقة فوق جبينه، وهمست وهي تمرر أصابعها بين خصلات شعره:
_حلم وانساه يا حبيبي… مجرد حلم، وأنا جنبك أهو.
استلقى على الفراش، ثم مد ذراعه وسحبها نحوه، حتى استقرت بين أحضانه.
دفن وجهه في عنقها، وتشَبَّث بها كأنها آخر ما تبقى له من أمان، بينما أحاطت هي جسده بذراعيها، تحاول أن تمنحه من حنانها ما يبدد ذلك الخوف الذي لم تفهمه بعد.
ارتعشت خديجة حين لامست أنفاسه الساخنة وجهها، لكنها لم تبتعد. ظلت تمرر يدها على ظهره بحنان، وتهمس بكلماتٍ مطمئنة، إلى أن شعرت بأن أنفاسه بدأت تهدأ تدريجيًا.
لكن جسدها تجمد فجأة حين وصل إلى مسامعها صوته الخافت، المبحوح، وهو يهمس عند عنقها:
_أوعي تبعدي عني تاني… مش هسامحك طول عمري.
توقفت يدها فوق ظهره.
اتسعت عيناها في الظلام، وتسلل البرد إلى أطرافها رغم دفء أحضانه.
تبعدي عنه تاني؟!
ماذا يقصد؟
ومتى ابتعدت عنه حتى يتوسل إليها ألّا تكررها؟
أرادت أن ترفع رأسه وتنظر في عينيه، أن تسأله عن تلك الكلمات التي سقطت من بين شفتيه كاعترافٍ غامض، لكنها ما إن حاولت التحرك حتى شعرت بقبضته تشتد حولها للحظة، قبل أن ترتخي ذراعه تدريجيًا.
فقد غرق في النوم.
نومٌ عميق، هادئ، يناقض تمامًا حالته قبل دقائق، وكأن جسده المنهك وجد أخيرًا ملاذًا يهرب إليه من عذابٍ لم يستطع تحمله في يقظته.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!