الجزء الثاني من18 طُعم في يد أليفة بقلم سيلا وليد
بمنزل غسان…
كان فؤاد يجلس قبالة غسان على طاولة الطعام، يتبادلان الحديث بين الحين والآخر، حتى قطع فؤاد الصمت قائلًا بنبرة عابرة:
_بكرة عيد ميلاد عبدالرحمن.
توقفت حركة غسان، وتجمّدت الملعقة بين أصابعه للحظة، قبل أن يرفع عينيه إلى فؤاد، يطالعه بصمتٍ غامض
تابع فؤاد وهو يضع ملعقته جانبًا:
_أنا معرفش هتفضلوا كده لحد إمتى، بس دي فرصة حلوة إنكم تقعدوا مع بعض وتتصافوا. مهما حصل بينكم، في الآخر إنتوا مش أغراب عن بعض.
لم يُجبه غسان.
مد يده إلى علبة سجائره، أخرج سيجارة، وأشعلها ببطء، ثم سحب نفسًا عميقًا، وأخرجه من صدره في زفرة هادئة، هدوءٌ كان يخفي وراءه عاصفة لا يعلم فؤاد عنها شيئًا.
عادت إلى ذاكرته كلمات الرجل الذي استعان به للبحث في كل ما يخص خديجة وعبدالرحمن؛ الرجل الذي لم يترك تفصيلةً إلا ونبش عنها،
ومع ذلك، حسم أمره أخيرًا، وقال بصوتٍ خافت:
_خلاص، موافق… هروح أعايده.
رفع فؤاد حاجبيه بدهشةٍ لم يستطع إخفاءها، فقد توقع أن يرفض غسان الفكرة، أو على الأقل يتهرب منها كعادته كلما تعلق الأمر بعبدالرحمن.
لكن غسان عاد فجأة ليقول:
_بس استنى، هو عبدالرحمن مش بيعمل أعياد ميلاد أصلًا!
ابتسم فؤاد وهو يجيبه:
_هو كلمني النهاردة وقالي.
ضيق غسان عينيه، وأمال رأسه قليلًا، ثم سأله بترقب:
_قالك إيه؟
_قالي إنه هيعمل عيد ميلاد، فقولت له هشوف غسان لو عايز ييجي معايا.
ظل غسان يطالعه للحظات، محاولًا قراءة ما وراء حديثه، ثم أشاح بوجهه، وأعاد السيجارة إلى شفتيه.
لم يرد غسان.
التقط كوب العصير، وارتشف منه قليلًا، بينما ظل فؤاد يراقبه منتظرًا أن يقول شيئًا، لكنه لم يفعل.
وبعد لحظات، وضع غسان الكوب على الطاولة، ثم قال بنبرةٍ حاسمة:
_بكرة نروح له.
ابتسم فؤاد ابتسامةً صغيرة، قبل أن يسمعه يضيف:
_وعايز أشوف إسكندرية كمان.
تأمله فؤاد باستغراب، لكنه لم يسأله عن السبب.
أما غسان، فظل ينظر أمامه بشرود، وقد اتخذ قراره بالفعل.
بمنزل ماسة… قبل قليل
كانت ماسة تجلس أمام مرآتها، تمرر فرشاة الشعر بين خصلاتها في شرود، طرقت الخادمة الباب، ثم دلفت تحمل بين يديها علبة شفافة أنيقة، ظهر من خلف غطائها لونٌ أحمر ناري خطف الأنظار.
اقتربت الخادمة منها، وقالت باحترام:
_البشمهندس بعت لحضرتك ده يا مدام.
توقفت يد ماسة عن الحركة، وانعقد حاجباها وهي تنظر إلى العلبة باستغراب.
_إيه ده؟
_معرفش يا هانم، هو اللي طلب مني أوصله لحضرتك.
أشارت ماسة إلى الطاولة دون أن ترفع عينيها عنها.
_حطيه واطلعي.
_حاضر يا هانم.
وضعت الخادمة العلبة وانصرفت، وما إن أُغلق الباب حتى ألقت ماسة فرشاة الشعر جانبًا، ونهضت من مكانها في خطواتٍ متعجلة، وكأن قلبها سبقها إلى معرفة ما بداخلها.
وقفت أمام العلبة، ثم فتحتها بحذر.
وما إن وقع بصرها على الفستان الأحمر حتى اتسعت عيناها، وارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ لم تستطع السيطرة عليها.
_واو… إيه الجمال ده!
مدت أصابعها تتحسس القماش الناعم، ثم رفعته قليلًا، تتأمل تفاصيله بإعجابٍ واضح.
_معقول يكون وافق؟
خرج السؤال من شفتيها مصحوبًا بضحكةٍ صغيرة، قبل أن تعود أفكارها لتسحبها إلى واقعها.
ربما لم يفعل ذلك من أجلها، ربما خشي أن تأخذ سيليا وترحل، بعدما لوحت له بالتهديد
بقلم سيلا وليد
أومأت برأسها وكأنها تحاول إقناع نفسها بما تريد تصديقه.
_أيوه… ممكن يكون خاف إني أخد سيليا وأمشي.
لكن ابتسامتها خبت تدريجيًا حين وقعت عيناها على طرحة طويلة من الشيفون، وإلى جوارها كاب مصنوع من الخامة نفسها التي صُنع منها الفستان.
عقدت حاجبيها، وأعادت النظر إلى القطع بعناية.
_هو كان جايبه لخديجة وجاي بالغلط؟
تسلل الشك إلى قلبها، وأحست بوخزةٍ حادة في صدرها، لكنها سرعان ما دفعتها بعيدًا، رافضةً أن تسمح لفكرةٍ كهذه بأن تفسد فرحتها الصغيرة.
رفعت الفستان أمام جسدها، ثم تأملته في المرآة.
_حتى لو… مش مهم، هلبسه. أهو أجرب لبس متغطي، يمكن بيعمل كده علشان أناسبه.
قالتها وهي تحاول إضفاء نبرةٍ واثقة على صوتها، لكن عينيها فضحتا ما تخفيه؛ كانت تتشبث بأي احتمالٍ يمنحها الأمل، حتى لو كان ذلك الاحتمال ضعيفًا إلى حدٍ مؤلم.
عادت وجلست على طرف الفراش، تحتضن الفستان بين يديها، بينما راحت تتأمل انعكاس صورتها في المرآة.
بدت جميلة، أنيقة، وامرأةً تستطيع أن تلفت الأنظار إليها أينما ذهبت، لكن كل ذلك لم يكن يعني لها شيئًا أمام سؤالٍ واحد ظل يطاردها طوال سنوات.
هل يمكن أن يحبها يومًا؟
هل يمكن أن ينظر إليها كما تنظر هي إليه، وأن يراها امرأةً تستحق أن يحتفظ بها، لا مجرد أمٍّ لابنته تربطه بها مسؤولية لا يستطيع التنصل منها؟
انخفض بصرها إلى الفستان، ومررت أصابعها فوق قماشه، ثم همست بصوتٍ خافت، كأنها تخشى أن يسمعها أحد:
_معقول بعد السنين دي كلها… يكون ليا مكان في قلبك؟
صمتت للحظة، وانطفأت ابتسامتها شيئًا فشيئًا.
ثم ذهبت بذاكرتها إلى سنواتٍ مضت، إلى يومٍ لم تستطع نسيانه،
إلى ما بعد ولادة سيليا…بعدة ايام
كانت ماسة مستلقية على فراشها، شاحبة الوجه، منهكة الجسد، بينما تنام الصغيرة في مهدها القريب منها
انفتح الباب، ودلف عبدالرحمن إلى الغرفة بخطواتٍ هادئة.
لم يلتفت إليها في البداية، بل اتجه مباشرةً إلى المهد، وتوقف أمامه يتأمل الصغيرة النائمة.
ظل ينظر إليها للحظات، ملامحه جامدة، وعيناه تحملان شيئًا يصعب تفسيره، قبل أن يقول دون أن يلتفت إلى ماسة:
_عملت التحليل… البنت بنتي.
أغمضت ماسة عينيها للحظة، وكأن كلماته أعادتها إلى حقيقةٍ كانت تحاول الهرب منها.
أما هو، فرفع عينيه إليها أخيرًا، ثم تابع ببرودٍ قاسٍ:
_اللي هيربطني بيكي سيليا وبس. عايزة أطلقك، معنديش مانع. أنا أصلًا مش معتبرك مراتي، ولا إنتِ تخصيني.
وقعت كلماته عليها كصفعةٍ لم تستعد لها،