الجزء الثاني من18 طُعم في يد أليفة بقلم سيلا وليد
حدقت فيه بعينين متسعتين، قبل أن تنفجر الكلمات من فمها، محملةً بغضبٍ تراكم داخلها طويلًا:
_خد بنتك وطلقني وامشي من هنا! أنا بكرهك، وبكره اليوم اللي شوفتك فيه!
نهضت بصعوبة، وقد اختلطت دموعها بصوتها المرتجف، ثم أشارت إلى المهد بيدٍ مرتعشة.
_وبكره البنت دي كمان! مش عايزاها، خدها معاك! لو سبتها، هقتلها وهقتلك!
تجمد عبدالرحمن في مكانه.
لم يتوقع أن يسمع منها تهديدًا كهذا، خاصةً وهي تتحدث عن طفلتها التي لم يمضِ على ولادتها سوى وقتٍ قصير.
اقترب منها بخطواتٍ بطيئة، يحدق في وجهها بذهولٍ امتزج بالغضب، ثم قال بنبرةٍ حادة:
_عايزة تقتلي بنتك؟! إنتِ واحدة مجنونة!
وضعت ماسة كفيها على رأسها، وانحنت قليلًا، وكأنها تحاول منع أفكارها من الانفجار داخل عقلها.
ثم صرخت:
_اطلع برة! اطلع برة بقولك! أنا بكرهك… بكرهكوا كلكوا!
ترددت صرخاتها في أرجاء الغرفة، فانتفضت الصغيرة في مهدها، وبدأ بكاؤها يرتفع شيئًا فشيئًا.
وفي اللحظة نفسها، اندفع غياث إلى الداخل مذعورًا، بعدما سمع صرخات ابنته من خارج الغرفة.
توقف عند الباب، تتنقل عيناه بين ماسة المنهارة، وعبدالرحمن الواقف أمامها بملامح متجهمة، ثم سأل بقلق:
_إيه اللي حصل؟!
لم يجبه أحد.
كانت ماسة تبكي بانهيار، بينما ظل عبدالرحمن صامتًا، ينظر إليها
أما غياث، فتقدم نحو ابنته، يحاول فهم ما حدث
رفعت ماسة عينيها إلى والدها، تحدق فيه بنظراتٍ يملؤها الكره، وكأنها لم تعد ترى فيه الأب الذي يُفترض أن يكون ملاذها، بل الرجل الذي دفعها بقراراته إلى حياةٍ لم تخترها يومًا.
خرج صوتها مختنقًا، لكنه كان محملًا بغضبٍ يفوق قدرتها على الاحتمال:
_خليه يطلقني يا بابا… مش عايزاه! أنا هموت نفسي لو فضلت متجوزة الراجل ده!
انتفضت من فوق الفراش دون أن تعبأ بضعف جسدها، أو بالكانولا المغروسة في يدها، وانتزعتها بعنف، فاندفعت قطرات الدم تسيل فوق كفها
شهق غياث، وتحرك نحوها مذعورًا.
_ماسة! إنتِ بتعملي إيه يا بنتي؟! اهدي، والنبي اهدي!
لكنها تراجعت عنه، تهز رأسها بعنف، والدموع تنهمر من عينيها كأنها تحاول غسل سنواتٍ كاملة من القهر.
_أهدى إيه؟! أهدى إزاي؟! إنت السبب في كل اللي أنا فيه!
ضربت صدرها بقبضتها، ثم أشارت إليه بإصبعٍ مرتعش.
_إنت اللي رحت غصبتني أتخطب لواحد مبحبوش! إنت اللي كنت عايز تتحكم في حياتي، وتقرر أنا أعيش إزاي ومع مين! خلتني أدور على الحب والحنان عند واحد كلب خاين، كل اللي يهمه مصلحته وبس!
تكسرت الكلمات في حلقها، لكنها سرعان ما استجمعت أنفاسها لتواصل صراخها:
_أنا بكرهك يا غياث! سامعني؟! بكرهك! بكره إني بنتك، وبكره إني مرات الراجل ده! ولو مطلقنيش، والله هموت نفسي وأخلص منكم كلكم!
تصلب غياث في مكانه، وكأن كل كلمةٍ منها كانت صفعةً تهوي على وجهه. حاول أن يقترب، أن يحتوي انهيارها، لكنه لم يجد في عينيها سوى الرفض، ولا في ملامحها سوى غضبٍ عارم لم يترك مكانًا لشيءٍ آخر.
أما عبدالرحمن، فظل واقفًا يراقب المشهد بوجهٍ متجهم، وقد ازدادت ملامحه قسوةً مع كل كلمةٍ نطقتها.
التفتت إليه ماسة فجأة، وكأن وجوده أمامها أشعل ما تبقى من غضبها.
_وإنت يا حيوان! إزاي راضي على نفسك تقعد مع واحدة مش بتحبك؟! إزاي تقبل تعيش معايا وإنت أصلًا مش طايقني؟!
ثم أشارت إلى المهد القريب
تغيرت ملامحها، وارتسمت على وجهها ابتسامةٌ مضطربة زادت المشهد رعبًا.
_علشان دي، صح؟! علشان البنت دي؟!
تقدمت نحو المهد بخطواتٍ غير متزنة، بينما انتفض عبدالرحمن محاولًا اعتراض طريقها.
لكنها صرخت في وجهه:
_طيب أنا هموتها! أيوه، هموتها وقدامك دلوقتي، وأشوف هتعمل إيه!
لم يمهلها عبدالرحمن فرصةً أخرى.
اندفع نحوها وأمسك بذراعها بقوة، يجذبها بعيدًا عن المهد، دون أن يراعي جرحها أو الدم الذي ما زال يسيل من يدها.
_إنتِ اتجننتي؟!
حاولت الإفلات منه، تضرب ذراعه بيديها وتصرخ، لكنه لم يتركها، بل رفع يده وصفعها بقوة، فارتد رأسها إلى الجانب، وساد الصمت للحظةٍ قصيرة لم يقطعه سوى أنفاسها المتلاحقة.
ثم قبض على شعرها، وأجبرها على النظر إليه، واشتعلت عيناه بغضبٍ عاصف.
_اسمعيني كويس يا بت، وقدام أبوكي أهو! أنا قرفان منك، سامعة؟! قرفان منك ! ولو كنت طايل أقتلك بإيدي، كنت عملتها!
تجمد غياث في مكانه، واتسعت عيناه بصدمةٍ حقيقية.
_عبدالرحمن!
لكن عبدالرحمن لم يلتفت إليه، بل ظل يحدق في ماسة باشمئزازٍ ظاهر، ثم ألقى بها بعيدًا عنه، وقال بحدة:
_انت طال.
صاح غياث، وقد ارتجف صوته من شدة القلق:
_عبدالرحمن! أرجوك، مش دلوقتي! لو سمحت يا ابني، اهدا شوية!
التفت إليه عبدالرحمن بعينين تقدحان غضبًا.
لكن غياث تابع، متوسلًا إليه:
_بنتكوا سبوعها بكرة! والنبي يا ابني، مش عايز الدنيا تكبر أكتر من كده! ولو على ماسة، أنا هتكلم معاها، وهحاول أفهمها… بس أرجوك، مش بالطريقة دي!
ضحكت ماسة ضحكةً مريبة خاليةً من أي فرح، ثم دفعت ذراعيها في وجههما، وهي تصرخ بانهيار:
_اطلعوا برة! كلكم اطلعوا برة! مش عايزة أشوف وش حد فيكم!
تراجع غياث خطوةً، محاولًا استيعاب ما يحدث، بينما كانت ماسة تتخبط في مكانها، وقد فقدت القدرة على التمييز بين غضبها وألمها.
وفجأة، دفعت المهد بقدمها في حركةٍ عنيفة.
انقلب المهد الصغير على جانبه، واستيقظت الرضيعة مذعورة، مطلقةً صرخاتٍ متتابعة
_يا رب تموتوا كلكم! يا رب أخلص منكم!
شهق عبدالرحمن، وانحنى بسرعةٍ خاطفة، يحمل الصغيرة بين ذراعيه قبل أن تتأذى، ثم ضمها إلى صدره، محاولًا حمايتها
كانت الطفلة تبكي بحرقة، ووجهها الصغير محمرًا من شدة الصراخ، بينما أخذ يهدهدها برفق
_اهدي يا حبيبتي… خلاص، خلاص، أنا معاكي أهو… متعيطيش.
مرر كفه فوق ظهرها، وألصقها بصدره أكثر، بينما كانت عيناه معلقتين بوجهها الصغير، وقد تبدلت ملامحه للحظاتٍ من الغضب إلى وجعٍ صامت.
رفع عبدالرحمن رأسه أخيرًا، ونظر إلى غياث الذي وقف عاجزًا عن النطق، ثم قال بجمود:
_بنتك طالق يا باشا.
لم ينتظر ردًا، بل حمل الصغيرة وغادر الغرفة، محتضنًا إياها بحذر
خرجت ماسة من شرودها فجأة، وأطبقت جفنيها بقوة، كأنها تحاول أن تمنع تلك الذكريات من الانقضاض عليها مرةً أخرى.
لكنها لم تستطع.
انهمرت دموعها بغزارة، وارتجف جسدها وهي تستعيد صوت صرخات ابنتها الصغيرة، وملامح عبدالرحمن الغاضبة، والكلمات التي ألقاها في وجهها دون رحمة.
رفعت كفيها إلى فمها تكتم شهقاتها، لكن البكاء كان أقوى منها
بمنزل جيداء
تم عقد القران لتصبح جيداء زوجته
غادر الجميع ولم يتبقى سواهما
جلس على الأريكة واشار اليها
_قاعدة بعيد عني ليه
فركت كفيها ولاول مرة ترتبك ولم تعلم ماذا تفعل، لا تعلم كيف وافقت بتلك السهولة عليه، انه رجل جذاب اعجبها ذات مرة ولكنها لم تكن تتوقع ان تكون زوجته، جاء حتى تضع فتنة بينه وبين زوجته، ولكن لم تفكر ان تصبح له زوجة
نهض من مكانه حين وجد صمتها، واقترب من وقوفها
_جيداء… ايه ندمانة
_مش عارفة، بس انا خايفة من جيهان ياخالد، دي مؤذية اوي، ممكن تأذيني
وضع اصبعه على شفتيها
_ممكن نتكلم في موضوع الاذى دا بعدين
نظرت للارض بخجل
سحبها من كفيها وهو يقول
_هي دي اوضة النوم ولا دي
اشارة الى غرفة النوم وقالت
_دي
ضحك وحاصر خصرها وتحرك للداخل