الجزء الثاني من18 طُعم في يد أليفة بقلم سيلا وليد

مساء اليوم
كانت خديجة تجلس أمام المرآة، تُحكم وضع حجابها بأصابعٍ هادئة، ولكنها كانت شاردة
قُطِع شرودها بطرقاتٍ خفيفة على الباب، أعقبها صوت مريم:
_ممكن أدخل؟
أومأت لها خديجة، فدلفت مريم إلى الداخل، وأخذت تتأمل الغرفة بإعجاب.
_ذوقك حلو أوي يا خديجة.
لمعت عينا خديجة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة سرعان ما تحولت إلى غصة.
_ده ذوق عبدالرحمن… ذوقه دايمًا حلو.
جلست مريم على طرف الفراش، تراقب ملامحها التي أرهقها الحزن، ثم قالت بنبرة مازحة:
_أكيد… والدليل إنتِ.
استدارت خديجة إليها، فتابعت مريم بابتسامة واسعة:
_يعني متجوز قمر زيك، هيكون ذوقه وحش إزاي؟
رفعت خديجة حاجبها باستنكارٍ مصطنع، وقالت:
_أنهي قمر؟ فين بالظبط؟
نهضت مريم من مكانها، واقتربت منها، ثم قالت وهي تتأمل وجهها عبر المرآة:
_أكيد إنتِ… لأن عبدالرحمن قالي إن ماسة مجرد عقد وبس، مش كده ولا إيه؟
انطفأت الابتسامة على وجه خديجة، وعادت عيناها إلى انعكاس صورتها في المرآة.
تنهدت ببطء، ثم استدارت بعيدًا عنها
_حتى لو جواز، دي حياته وهو حر فيها… أنا اللي دخيلة.
توقفت مريم خلفها، وقالت بجدية:
_إنتِ حبيبته يا خديجة، مش دخيلة.
نظرت إليها خديجة من خلال المرآة، ولم تجب. كانت الكلمة التي نطقتها مريم جميلة، لكنها بدت بعيدة عن واقعٍ يوجعها كل يوم؛ فكيف تكون حبيبته، وهي لا تعرف إن كان قلبه يتسع لها وحدها، أم أنه يقسمه بين امرأتين؟
استدارت خديجة إليها فجأة، فقالت مريم
_إيه اللي إنتِ لابساه ده؟!
تطلعت خديجة إلى ملابسها، ثم ضحكت بخفة.
_ماله لبسي؟!
_الأول، قبل أي حاجة… ينفع نكون صحاب؟
بقلم سيلا وليد
رمقتها خديجة بنظرة صامتة لعدة لحظات، ثم سألتها مباشرة:
_إنتِ جاية ليه يا مريم؟
لم تُجب مريم، فتابعت خديجة، وقد ازدادت نبرتها حدة:
_عبدالرحمن هو اللي قالك تيجي علشان تساعديني، مش كده؟
تنهدت مريم، ولم تحاول المراوغة.
_خديجة، مش هكدب عليكي… آه، هو اللي طلب مني أجي.
أطرقت خديجة برأسها، وكأنها كانت تعرف الإجابة منذ البداية، لكنها كانت تتمنى أن تخطئ.
اقتربت مريم منها، وأضافت بصدق:
_لأنه بيحبك أوي يا خديجة… أوي، فوق ما عقلك يقدر يتصور.
رفعت خديجة رأسها، ونظرت إليها بثباتٍ غريب.
_عارفة.
تجمدت مريم للحظة أمام هدوئها، ثم سألتها:
_طالما عارفة، ليه بتسيبي نفسك كده؟ ليه بتعاقبي نفسك بإيدك؟ حاربي خوفك علشان نفسك، مش علشانه هو وبس.
ابتسمت خديجة ابتسامة باهتة، وقالت بمرارة:
_أحارب إيه يا مريم؟ جوزي متجوز واحدة غيري!
_وبإيدك تخليه يختارك إنتِ، وتبقي مراته وحبيبته وست قلبه، مش مجرد واحدة عايشة جنبه وخايفة تخسره كل لحظة.
ثم ألقت نظرة على ملابس خديجة، وهزت رأسها بأسفٍ مصطنع.
_وبعدين إيه الفستان اللي إنتِ لابساه ده؟ النهارده عيد ميلاد جوزك! المفروض تبقي أحلى واحدة تشوفها عيونه، مش قاعدة كأنك مستنية حكم بالإعدام!
لم تضحك خديجة، لكن عينيها اهتزتا بشيءٍ خافت، فاستغلت مريم تلك اللحظة واقتربت أكثر.
_تعرفي إنه بره بيحتفل مع أصحابه، ومستني يرجع يحتفل معاكي هنا لوحدكم؟
اتسعت عينا خديجة قليلًا، لكن مريم لم تمنحها فرصة للكلام، بل ألقت كلماتها التالية كحجرٍ في مياهٍ راكدة:
_وتعرفي إن ماسة نفسها تيجي تحتفل معاه؟ كلمت الناني وقالت إنها هتيجي، ومش بس كده… دي مُصممة إنه يروح يبات عندها.
انتفض قلب خديجة بعنف، وشحب وجهها للحظة، قبل أن تتشبث بما قاله لها عبدالرحمن من قبل.
_بس هو قالي إن مفيش بينهم جواز!
نظرت إليها مريم طويلًا، ثم قالت بنبرة أكثر جدية:
_بس هي مراته يا خديجة، واللي زي ماسة مش هتتنازل بسهولة، خصوصًا إنها بتقول إنها بتحبه… وبينهم بنت كمان.
شعرت خديجة بأن الهواء يضيق حولها. لم تكن تحتاج إلى من يذكرها بأن هناك امرأة أخرى تحمل اسم زوجها، ولا بأن طفلة صغيرة تربطه بها إلى الأبد؛ كانت تلك الحقائق تسكن رأسها حتى في أكثر لحظاتها هدوءًا، وتنهش قلبها كلما حاولت أن تتناساها.
أشاحت بوجهها، وقالت بصوتٍ حاولت أن تجعله حاسمًا:
_مريم، لو سمحتِ… اطلعي بره.
في تلك اللحظة، انفتح الباب ودلفت الخادمة تحمل فستانًا داخل غلافٍ أنيق. التفتت إليها مريم، ومدت يدها لتأخذ الفستان منها.
_اتأخرتي ليه؟
أجابتها الخادمة بتردد:
_البشمهندس رجّعنا يا دكتورة، ومكنش موافق لحد ما عرف إن الحجز باسم حضرتك، مش باسم مدام خديجة.
ابتسمت مريم ابتسامة خفيفة، وأشارت إليها بالخروج، ثم وضعت الفستان فوق الفراش.
التفتت إلى خديجة، التي كانت تراقب المشهد بذهول، وقالت:
_دي هدية مني ليكي. يلا، اجهزي علشان تحتفلي بجوزك.
ثم اقتربت منها، وخفت صوتها قليلًا:
_الراجل مهما كان بيحب وبيصبر، في الآخر هو راجل، وليه قلب وعينين، وبيحتاج يحس إن مراته لسه عايزاه، ولسه شايفاه أهم راجل في الدنيا.
تأملتها خديجة بحيرة.
_مش فاهمة إنتِ تقصدي إيه.
هزت مريم رأسها، وقالت بعتاب:
_خديجة… إنتِ ذكية، فبلاش تعملي نفسك مش فاهمة.
وقبل أن تجيبها، جاء صوتٌ من الخارج، يحمل خبرًا لم تكن خديجة مستعدة لسماعه:
_مدام ماسة وصلت يا دكتورة، وجاية مع البشمهندس!
توقفت أنفاس خديجة لثانية، ثم ضحكت ضحكة امرأةٍ لم يعد لديها ما تبكي عليه سوى كرامتها التي تحاول إنقاذ ما تبقى منها.
نظرت مريم إليها بثبات، ثم قالت:
_اتعلمي منها يا خديجة… وشوفي هي بتعمل إيه علشان تتمسك بجوزها. مش يمكن إنتِ كمان تستاهل تعيش سعيدة؟
لم تنتظر ردها. استدارت وغادرت الغرفة،
مدت يدها إلى هاتفها، وضغطت على اسم عمر.
ما إن أجابها حتى خرج صوتها هادئًا على نحوٍ غريب:
_عمر… خلاص، موافقة.
جاءها صوته متحمسًا من الطرف الآخر:
_أيوه كده! أخيرًا وافقتي. طب يلا، هتلاقيني هناك.. أنا كدا كدا كنت مجهز، اقولك سر بس عبده مايعرفش
ارتجف قلبها وتمنت ان ماتفكر به
_هو اصلا كلمني وقالي، وكان عاملك مفاجأة، بس طبعا قالي معرفش حد، فاانت بقى اعملي فيها البنت الحلوة اللي بتفاجئ جوزها، ولو سألني هقوله انك طلبتي قبله
ابتسمت وقالت
_شكرا ياعمر
قالتها وقبل أن تغلق
_خديجة… أنا ماليش ادخل في حياتكم بس عبدالرحمن بيحبك اوي، وبضايق لما بشوفه حزين، انا عارف مينفعش اقولك كدا، بس أنا بكلم اختي

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!