لم يبقى لنا الا الوداع

(3) خذلان.

مع مرور الأيام انهمكت منار في مذاكرتها واشتد تمسكها بحلمها لتسير على درب أمجد، خاصة بعد اختلاف الوضع معها فمنذ وافقت على شروطه وهو يهاتفها ليلًا ولكنه وعلى خلاف عادته لا يطيل حديثه ويمضي معظمه بحثه لها على المذاكرة، ولِدهشتها لم يطلب منها ولو لمرة مقابلتها فَأزعجها الأمر ويومًا بعد يوم ازدادت ريبتها وظنونها وَنهشتها الغيرة كلما أتى على ذكر ليان فقررت المجازفة وَهاتفته على غير عادتها وسألته مباشرة قائلة:
– أمجد أنا عايزة أعرف أنت ليه مبقتش تطلب تشوفني زي الأول؟

بوغت بسؤالها ومع محاصرتها له لم يستطع التهرب فطلب منها مقابلته أعلى سطح البناية، استجابت منار لطلبه وتسللت لأعلى بعدما طمأنت نفسها بنوم الجميع، خطت منار بحذر ففاجأها أمجد بجذبه إياها واضعًا كفه فوق شفتيها ودفعها نحو إحدى الزوايا البعيدة عن العين ووقف يحدق بملامحها التي اشتاق إليها كثيرًا ولاحق تسارع أنفاسها التي نافست أنفاسه سرعة، بينما حاولت منار تهدئة روعها وهربت بعينيها منه وازدردت لعابها، فابعد أمجد يده عن ثغرها ومس ذقنها ورفع وجهها ونظر بعينها وأردف:
– عايزة تعرفي ليه بطلت أقولك نتقابل؟

أومأت منار بحرج ونظرت باتجاه أخر هربًا من نظراته فأمرها بالنظر إليه وهو يضع يدها فوق قلبه وأضاف:
– أول سبب حاولت اقنع نفسي بيه أني مشغول بمشاريع الكلية والمذاكرة علشان الامتحانات اللي قربت، لكن لو عايزة الحق فَأهم سبب هو أني حطيت نفسي مكانك وفكرت بدماغك فساعتها فهمت ليه مينفعش أكون معاكِ لوحدي؟ أولًا علشان لو حد شافك معايا هيتكلم والكلام هيوصل لعم شُهدي وطبعًا وقتها هَيعاند ويرفض ارتباطنا، ثانيًا خوفي من نفسي عليكِ لأضعف لما أشوفك زي ما أنا حاسس دلوقتي بضعفي وأنتِ واقفة قصادي وحاسس بأنفاسك وبقلبك اللي هَيجري من جواكِ من الخوف، عرفتي بقى ليه بطلت أشوفك؟

أحست منار أنها غرقت حد الثمالة بعشقه وودت لو تقفز من فرط سعادتها لِتفهمه سبب ترددها وخوفها، ولكن سرعان ما تلاشت فرحتها بتذكرها ليان فعقدت حاجبيها وسألته بغيرة:
– هي مين ليان دي يا أمجد؟

كان يعلم بأنها ستسأله عنها لا محالة لهذا رتب أفكاره وإجاباته فأجابها مُبتسمًا:
– ليان تبقى زميلتي فالكلية من فترة طلب مني دكتور عوض مني إني أضمها لفريقي فاستغربت ولما عرفت أنها بنت دكتور كبير وله مكانة ونفوذ، وقتها افتكرت إنها استغلت مركز والدها لكن بعد كده فهمت أنها كانت مع فريق زميل تاني معروف إن أسلوب تعامله مع البنات مش كويس وإنه تقريبًا تطاول عليها فطلبت تتنقل ودكتور عوض هو اللي قالها عليا.

تفهمت موقفه واوصته بالحذر في التعامل معها فابتسم لِبرائتها وأدرك من حُمرة وجنتها أنها تعاتب نفسها لريبتها به وأحس بالنشوة حين احنت رأسها واعتذرت لظنها السيئ به، فاقترب منها حد الالتصاق وقبل أن يميل بوجهه نحوها فوجئ بوالدها يتطلع إليهم بعيون مُتسعة من هول الصدمة وران ببصره إليها وحدق بها بحسرة، فانتفضت منار وشحب وجهها فَأسوأ كوابيسها تجسد نصب عينيها، لينتشلها من صدمتها قول شقيقتها هالة:
– شوفت يا بابا أهي الهانم اللي حضرتك فاكرها نايمة طلعت بِتغفلك وبتقابل الأستاذ من ورا ضهرك فوق السطوح ومش عاملة حساب لسمعتك ولا سمعتنا.

ودت منار لو تنشق الأرض وتبتلعها وانهمرت دموعها بعجز ولم تتحمل رؤية انكساره بسببها وفرت من أمامه، في حين واصلت هالة بخ سمومها فلوح أمجد بإصبعه أمام وجهها وحذرها قائلًا:
– ممكن تخرسي مش خلاص ولعتيها اتفضلي بقى انزلي وسيبيني اصطفل مع عمي لحالنا.

وقفت هالة ترمقه بحقد واستدارت نحو والدها وأردفت:
– بابا حضرتك سامع كلامه و…

أصاب شُهدي النفور منها فهي لم تكف عن الحديث منذ اقتحمت غرفته وايقظته وأخبرته بما تُخفيه منار عنه وزلزلت كيانه بإطلاعه على مكانها فتبعها وهو يبتهل إلى الله أن تكون كلماتها مجرد ظنون فارغة، ولكنه الآن وبعد صدمته لم يعد يطيق سماعها فطلب منها مغادرة المكان بغضب، فوقفت هالة تحدق به بدهشة وأسرعت إلى الأسفل حين رمقها أمجد بنظرة تحذيرية أخيرة وتابعها حتى اختفت وزفر بقوة وتطلع نحو شُهدي بحرج فهو لم يضع في حسبانه أن تكون المواجهة بينهما هكذا وخشى أن يتعنت معه ويثأر لكرامته ويرفض طلبه فَزم شفتيه وأردف:
– أنا عارف إن حضرتك شايفني أسوأ بني آدم عرفته وناكر للجميل وفاكرني بتسلى بمنار.

رفع شُهدي عينه ونظر إلى وجهه وود لو يصفعه لخيانته الأمانة ولكنه تراجع وأردف بما في نفسه:
– للأسف أنا مش شايف غير الخذلان وخيبة الأمل فِبنتي اللي وثقت فيها وأديتها الحرية والآخر ضربتني في ضهري وغدرت بيا.

هز أمجد رأسه بالنفي وسارع بقوله:
– لا يا عم شُهدي منار معملتش حاجة تخزيك ولو على طلوعها هنا فأنا اللي طلبت منها تطلع علشان أقدر أقنعها توافق تخليني أقابلك وأطلب أيدها منك.

اتسعت عينا شُهدي وحدق به بدهشة وسأله بريبة:
– وهو أنت كنت عايز تطلب أيدها وهي اللي رفضت! طب ليه؟

خفض أمجد رأسه وأجابه بحرج:
– علشان مش عايزة تزود الحِمل عليك، يا عمي منار بتحبك ودايمًا تقول نفسي أساعد بابا وأشيل الحِمل معاه، ولما كنت أقولها خليني أتكلم معاه تقولي أنا عارفة إن بابا مش هيرفض بس هو هيضغط على نفسه بزيادة ودا أنا مش هقدر أقبله.

رُغم قوله إلا أن شُهدي لم يشعر إلا بالخزي فأدار بصره حوله وأشار بيده قائلًا:
– عمومًا زي ما أنت شايف لا دا المكان ولا الوقت المناسب للكلام، ولو أنت فعلًا عند قولك وطلبك فأنا هستناك بكرة بعد صلاة المغرب عن إذنك.

أومأ أمجد ولكنه سرعان ما أحس بالخوف من ردة فعله نحوها فاعترض طريقه قائلًا:
– عمي أرجوك بلاش تعنف منار وصدقني اللي حضرتك شوفته كان لحظة طيش لا أنا ولا هي عملنا حسابها وأقسم لك إن منار عمرها ما سمحت لي ألمس أيدها علشان بتخاف من ربنا وحرصها على دينها وخوفها على حضرتك من أنها تخذلك.

لم يعقب شُهدي على حديثه واستدار عنه واتجه لأسفل وتبعه أمجد بقلق شابه الضيق وهو يلعن هالة لافسادها كل ترتيبه.
وبالأسفل أوصدت منار غرفتها ورفضت الاستجابة لطلب رنا ونهلة الدخول إليها وارتمت فوق فراشها تبكي حتى انتبهت لصوت والدها يأمرها باللحاق به لغرفته فَاعتدلت وكفكفت دموعها فَوقع بصرها على صورتها في المرآة فأشاحت بوجهها وهي تقول:
– بقيتي فنظر نفسك أسوأ واحدة يا منار بعد ما كسرتِ نفس بابا.

وقفت منار أمام والدها برأس منكس وعيون باكية بينما راقبها شُهدى بأسى للحظات فلم يتحمل رؤية انكسارها فأشاح بوجهه عنها وأردف:
– ليه عملتِ كده يا منار؟

ارتفع صوت نحيبها فَزاده غضبًا فاستدار إليها وأضاف:
– اوعي تفتكري أني هَصدق عياطك وأنسى اللي شوفته فوق وأقول عيلة وغلطت والمسامح كريم، أنتِ يا محترمة ضربتيني فِمقتل وأنا لا هسامحك ولا هنسى علشان أنتِ استغليتي ثقتي بيكِ وخدعتيني بتمثيلك وافتكرتِ أني مش هعرف بعلاقتك مع البيه.

حاولت منار أن تخبره بحقيقة الأمر ولكنه رفض قائلًا:
– مهما حاولتِ تقولي مش هقدر أنسى القلم اللي اخدته منك لأنه علم جوايا فيا ريت من هنا ورايح تحافظي على مكانك بعيد عني ومتحاوليش تتكلمي معايا إلا للضرورة وبس، ولو ينفع تخلي حد من أخواتك يتكلم بدل منك يبقى أحسن، وعلشان تبقي عارفة إن البيه اللي تعرفيه كتر خيره قال لي إنه عايز يرتبط بيكِ ما هو بعد اللي حصل أنا مجبر أوافق علشان أداري على أي حاجة حصلت بينك وبينه و…

شهقت منار لِجوره عليها بكلماته فارتمت أسفل قدميه وهتفت بتوسل:
– والله ما حصل بينا أي حاجة وأمجد عمره ما حاول يتجاوز حده معايا، صدقني أنا…

صرخ شُهدي بها ومنعها من الحديث ومد يده وقبض على خصلاتها ورج رأسها بقوة قائلًا:
– اخرسي أنا مش قادر أسمع صوتك ولا متحمل أشوف وشك، وبدل ما أنتِ قاعدة تتبجحي قصادي إنه محاولش يلمسك روحي استغفري وتوبي عن الذنوب اللي مغطياكِ بكلامك معاه، ولا يا أستاذة ياللي بتروحي دروس الفقه والدين متعرفيش إن كلامك معاه من البداية حرام.

دفعها عنه فارتطم رأسها بالطاولة ولكنها لم تهتم بألمها وتطلعت نحوه باكية وأمام نظراته المحتقنة بغضبه نكست رأسها فسمعته يضيف بحسرة:
– أنتِ لا عملتي حساب لِربنا ولا عملتي حساب لِسمعتي وشيبتي، وكنتِ لازقة فِحضنه على الملأ ومفكرتيش إن لو حد شافك من الجيران كان زمان سيرتك على كل لسان.

حاولت منار استجداء عفوه ولكنه تشبث برفضه وحكم عليها بِملازمة غرفتها وبِعدم مغادرتها المنزل حتى لِدروسها، ظل شُهدي بغرفته يسير بلا هوادة حتى تذكر أمر هالة فاتجه إلى غرفتها وولجها فهبت الفتاتان بخوف وحين أحكم شُهدي غلق الباب ونزع حزام بنطاله أصابهم الفزع فانهال عليهم ضربًا حتى أفرغ شحنة غضبه ووقف يتطلع إليهم باشمئزاز ونفور وأردف:
– من النهارده لو عرفت إن واحدة فيكم نقلت حرف ولا قالت كلمة عن حد مش هكتفي بضربها لا أنا هحلق لها شعرها وهكسرها لحد ما تعجز عن الحركة وهقطع لسانها طالما مش عايزين تحترموا نفسكم وتبطلوا نقل كلام وفتنة، واعملوا حسابكم أنا خلاص قاعد لكم وِهَربيكم من أول وجديد ويا تتعلموا الأدب يا هدفنكم وأخلص منكم قبل ما تفضحوني بين الناس.

لم يغمض لِشُهدي جفن طوال الليل، فكيف ينام وكرامته استباحت على يد ابنته وربيبه الذي ظنه سيصون معروفه معه؟ ألم أحتشى بقلبه ودمعة ألهبت عينه زفرة حارة غادرت حلقة صاحبها تأوه مكتوم والتفاتة نحو صورة جمعت بينه وبين زوجته الراحلة فخفض بصره بخزي وأردف:
– معرفتش أصون الأمانة يا حنة واتكسرت، بنتك اللي كنت حاطط عليها أمل كبير غدرت بيا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!