الثامن عشر من طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد
مـــــقـــــدمــــــــــة الـــــفـــــصــــــل الـــــجـــــديــــــد 🔥🔥
ليست كل الحقائق نجاة، فبعضها يأتي متأخرًا، محمّلًا بآلامٍ لو كُشفت في وقتها لتغيّرت مصائر، ولما سقطت قلوبٌ في هاويةٍ ظنّت أنها خُلقت لتبقى فيها إلى الأبد.
وفي دهاليز الماضي، حيث تُدفن الأسرار خلف أبواب الصمت، قد تتحول كلمةٌ واحدة إلى مفتاحٍ يفتح أبواب الجحيم، وتصبح دمعةٌ مؤجلة بدايةً لانهيار عالمٍ كامل.
لكن ماذا لو اكتشف العاشق أن المرأة التي ظنّها بعيدةً عن الألم، كانت تخوض وحدها حربًا لم يعلم عنها شيئًا؟ وماذا لو أدرك أن قسوته لم تكن سوى جرحٍ جديد أضافه إلى روحٍ أنهكتها جراح الماضي؟
حينها، لن يكون الندم كافيًا، ولن تُجدي الاعتذارات نفعًا، فثمة أوجاع لا يمحوها العناق، وقلوبٌ حين ترتجف خوفًا ممن أحبّت، لا تعود كما كانت مهما اشتدّ الحنين.
وفي اللحظة التي يظن فيها الجميع أن الخيانة هي السرّ الأكبر، تنكشف حقيقةٌ أشدّ ظلمة، ويتضح أن ما عاشوه لم يكن سوى فصلٍ واحد من حكايةٍ كُتبت بالدموع، وأُغلقت صفحاتها عمدًا قبل أن يعرف أحدٌ نهايتها.
بقلم سيلا وليد
قبل يومين من عيد الميلاد…
وخاصةً بعد خروجه من عند والدته، وصل عبد الرحمن إلى المنزل، ثم التفت إلى خديجة الجالسة بجواره، وقال بنبرة حاول أن يجعلها هادئة:
_ عندي مشوار، ساعة بالكتير وراجع.
التفتت إليه، وقد ارتسم الضيق على ملامحها، بينما خرج صوتها محملًا بعتابٍ حاولت طويلًا أن تخفيه:
_ مشاويرك كترت أوي يا عبد الرحمن… على العموم، براحتك.
لم تعجبه نبرتها، ولا تلك الطريقة التي أنهت بها حديثها، فمد يده وأمسك بذراعها برفق، مستوقفًا إياها قبل أن تترجل من السيارة.
_ خديجة… استني.
التفتت إليه، فوجدته يحدق في عينيها بنظرة امتزج فيها الضيق بالحيرة.
_ معنى كلامك إيه؟ هو مفيش ثقة بينا؟
رفعت عينيها إليه، وفي أعماقهما شيء أوجعه أكثر مما لو صرخت في وجهه. لم تكن غاضبة بقدر ما كانت مُتعبة من كثرة الوعود التي تذوب أمام تصرفاته، ومن محاولاتها المستمرة لإقناع نفسها بأنه سيفي يومًا بما يقول.
_ أنا مش هتكلم يا عبد الرحمن، علشان كل مرة بتكلم فيها بتزعل مني… بس أنت بتوعدني بحاجات، وتعمل حاجات تانية. وأنا تعبت من إني أفضل أصدق كلامك، وبعدين أكتشف إن أفعالك حاجة تانية خالص.
زفر باختناق، وأشاح بوجهه للحظة، لم يكن ينقصه الآن سوى نقاشٍ آخر، ولا كان يملك رفاهية البوح بكل ما يدور في رأسه.
أشار لها نحو المنزل وقال بنفاد صبر:
_ انزلي يا خديجة… ربنا يهديكي.
لم تجادله، ولم تحاول انتزاع كلمة أخرى منه. اكتفت بنظرة أخيرة، خذلها فيها قلبها قبل أن تخذلها الكلمات، ثم أجابته بهدوءٍ موجع:
_ اللهم آمين.
ترجلت من السيارة وأغلقت الباب خلفها دون أن تلتفت إليه مرة أخرى.
ظل يراقبها من خلف الزجاج، يتابع خطواتها حتى اختفت خلف باب المنزل. بقيت عيناه معلقتين بالمدخل لثوانٍ، وكأن جزءًا منه كان يريد اللحاق بها، وضمها إلى صدره، وإخبارها أن الأمر ليس كما تظن، وأن صمته لا يعني غياب حبه… لكنه، كعادته، ترك المسافة بينهما تتسع، ثم أقنع نفسه بأن الوقت لم يحن بعد.
رفع هاتفه واتصل بالخادمة.
_ خلي بالك من المدام، وماتسيبيهاش لوحدها لو احتاجت أي حاجة.
أنهى المكالمة، وألقى نظرة أخيرة على المنزل، ثم استند برأسه إلى مقعد السيارة، يزفر أنفاسه الثقيلة قبل أن يرن الهاتف في يده.
ظهر اسم جيداء على الشاشة.
_ أيوة يا جيداء.
جاءه صوتها متوترًا:
_ خالد عايز يتجوزني.
لم يتغير وجهه، لكنه صمت للحظات، يستمع إليها بهدوءٍ يناقض الضجيج الذي يضرب رأسه من الداخل. كان عقله مشغولًا بألف خيط متشابك، وكلما ظن أنه اقترب من الحقيقة، ظهرت أمامه أبواب جديدة من الشك.
_ دي مقدرش أقولك توافقي ولا لأ… القرار قرارك، وأنتِ أدرى بمصلحتك. أنا كل اللي عايز أعرفه جيهان بتخطط لإيه، وإيه علاقتها بمروان… إنما خالد، فموضوعه مش فارق معايا.
تنهدت جيداء، ثم قالت بقلقٍ واضح:
_ للأسف يا عبد الرحمن، جيهان حاطة خديجة في دماغها، ومش ناوية تسيبها في حالها.
تبدلت ملامحه في لحظة، وانقبض فكه بقسوة، وكأن مجرد ذكر اسم خديجة في سياقٍ كهذا كان كافيًا لإشعال غضبه.
_ خليها تقرب منها…
صمت قليلًا، ثم أضاف بصوتٍ انخفض على نحوٍ مفاجئ:
_ جيداء، أنتِ كنتِ تعرفي إن مروان سادي؟
شهقت بصدمة، ونهضت من مكانها بقفزة
_ إنت بتقول إيه؟!
_ زي ما سمعتي. بس اسمعيني كويس… قبل أي حاجة، عايزك تتأكدي لي إذا كانت جيهان وخالد يعرفوا الموضوع ده ولا لأ. مش عايز استنتاجات، عايز أعرف الحقيقة.
ساد الصمت للحظات، قبل أن تسأله جيداء بصوتٍ مرتجف:
_ إنت متأكد يا عبد الرحمن من اللي بتقوله؟
أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما
_ جيداء، لازم أقفل دلوقتي.
أنهى المكالمة، وألقى الهاتف بجواره، ثم أدار محرك السيارة وانطلق، وعيناه معلقتان بالطريق أمامه
وبعد دقائق…
توقفت سيارته أمام أحد الملاهي الليلية التي اعتاد مروان السهر فيها.