الثامن عشر من طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد

عاد عبد الرحمن إلى المنزل بخطواتٍ مثقلة، يحمل على وجهه آثار شجاره مع مروان
ما إن دلف إلى الداخل حتى وقعت عيناه على خديجة الجالسة إلى جوار والدتها، فابتلع غصته، ورسم على ملامحه ابتسامة باهتة لا تشبهه، قبل أن يلقي تحية المساء.
_ إزيك يا خالتي؟
رفعت فاتن رأسها نحوه، وأجابته بابتسامة حانية:
_ الحمد لله يا ابني، إنت عامل إيه؟
شهقت فور أن أبصرت التورم الذي يحيط بوجهه، ونهضت من مكانها دون وعي.
_ إيه ده؟! إنت كنت بتتخانق؟!
لم يُجبها.
ظل واقفًا يتأملها بصمت، حاول أن يتماسك، أن يمنع تلك الغصة من خنق صوته، وأن يحبس الدموع التي أخذت تتجمع في عينيه رغمًا عنه.
لم يكن يريدها أن تراه ضعيفًا، ولا أن تكتشف كم يُمزقه ما يحاول إخفاءه عنها.
_ إيه اللي عمل فيك كده يا ابني؟!
جاء صوت فاتن قاطعًا شروده، فانتزع عينيه من وجه خديجة بصعوبة، والتفت إليها مجيبًا بنبرة حاول أن يجعلها طبيعية:
_ خناقة في الشارع يا خالتي، مفيش حاجة. بعد إذنك، هطلع أرتاح شوية.
استدار ليصعد إلى غرفته، لكن صوت خديجة أوقفه قبل أن يخطو خطوته التالية.
_ استنى يا شبح!
التفت إليها، فوجدها قد اتجهت إلى أحد الأدراج وأخرجت علبة الإسعافات الأولية، ثم عادت إليه وهي تتمتم بسخرية حاولت بها أن تخفي قلقها:
_ عامل فيها إبراهيم الأبيض، وراجع لنا متبهدل بالشكل ده! اقعد بدل ما الدم ينشف على وشك.
لم يعترض.
جلس أمامها في صمت، يتابع خطواتها وهي تقترب منه، بينما راحت هي تخرج القطن والمطهر، غافلة عن تلك المعركة التي تدور داخله.
وما إن اختفت للحظات خلف الباب لتحضر شيئًا آخر، حتى انطفأت الابتسامة الواهية التي كان يتشبث بها، وانحنى رأسه قليلًا، قبل أن تفلت من عينيه دمعة ساخنة شقت طريقها فوق وجنته المتورمة.
مسحها سريعًا
_ عبد الرحمن!
جاءه صوت فاتن، فانتفض قليلًا، وأسرع بإزالة ما تبقى من دموعه، ثم رفع رأسه إليها راسمًا ابتسامة
_ أيوه يا خالتي؟
تأملته فاتن طويلًا، ولم تكن بحاجة إلى كثير من الذكاء لتدرك أن هناك شيئًا يتجاوز تلك الكدمات التي تملأ وجهه. طالعته وسألته بحنان أمومي:
_ مالك يا ابني؟ إنت مش على بعضك ليه؟
هز رأسه نافيًا، محاولًا الإفلات من نظراتها التي كادت تفضح ما يخفيه.
_ مفيش يا خالتي، أنا كويس.
عادت خديجة وجلست أمامه، واضعة علبة الإسعافات على الطاولة.
_ وريني كده.
أمسكت بقطعة من القطن، وبللتها بالمطهر، ثم اقتربت من وجهه بحذر.
_ استحمل بقى، المطهر هيوجعك شوية.
كاد يبتسم من بين أوجاعه.
لامست أصابعها وجهه برفق، فحبس أنفاسه للحظة. كان يتابع كل تفصيلة فيها؛
لم يكن ينظر إليها بعينيه فحسب، بل كان يتشبث بها بقلبٍ يخشى أن يفقدها
كانت قريبة إلى الحد الذي لم يعد يحتمل.
لم يكترث لوجود فاتن، ولا لجرحه الذي كانت تنظفه، ولا حتى للألم الذي يضرب وجهه مع كل حركة. مد يديه فجأة، وأحاط وجه خديجة بكفيه، فارتبكت وتوقفت عن الحركة، رافعة عينيها إليه بدهشة.
_ عبد الرحمن، إنت بتعمل إيه؟!
لم يجبها.
ظل يتأمل عينيها للحظة طويلة، ثم مال برأسه وطبع قبلة رقيقة بجوار شفتيها.
شهقت خديجة، واتسعت عيناها، قبل أن تلتفت إلى والدتها التي كانت تتابعهما في صمت.
_ عبد الرحمن!
خرج اسمه من بين شفتيها مزيجًا من الدهشة والارتباك والعتاب، لكنه لم يمنحها فرصة لتكمل. سحبها إلى صدره فجأة، وضمها إليه بقوة، حتى سقطت قطعة القطن وعبوة المطهر من يدها فوق الطاولة.
_ عبد الرحمن! إنت بتعمل إيه؟!
حاولت الابتعاد قليلًا، لكنه أحكم ذراعيه حولها
أغمض عينيه، ودفن وجهه في عنقها، مستنشقًا عبيرها الذي بدا له في تلك اللحظة أشبه بنَفَسٍ أخير يمنحه الحياة.
لم يكن عناقًا عابرًا، ولا مجرد رغبة في الاقتراب منها؛ كان تشبث رجلٍ بلغ به الوجع منتهاه، ولم يعد يملك من القوة ما يكفي ليواصل التظاهر بأنه بخير.
كان يريد أن يختبئ داخل حضنها من كل ما يؤلمه، أن يسند رأسه للحظة دون أن يضطر إلى شرح شيء، يريد أن ينسى ماشاهده، بل يريد أن ينسى انها تعرضت لذلك الألم
ضربته بكتفه بيدها محاولة إبعاده، وقد اشتعل وجهها خجلًا وارتباكًا.
_ ابعد يا عبد الرحمن! ماما قاعدة!
لكنه لم يتحرك.
_ عبد الرحمن، أنا بكلمك!
ظل صامتًا، يضمها وكأن صوته قد خانه، وكأن الكلمات التي لم يستطع قولها اختنقت جميعها خلف ذلك العناق.
راقبتهما فاتن بابتسامة حانية، وقد أدركت أن وراء هذا التصرف شيئًا لا يريد عبد الرحمن الإفصاح عنه. لم تشأ أن تحرجهما أكثر، فاتجهت بمقعدها نحو غرفتها، وخلفها مساعدتها، تاركة لهما بعض الخصوصية.
لكن خديجة، التي التقطت حركة والدتها بطرف عينها، ازداد ارتباكها، ودفعته بكل ما أوتيت من قوة.
_ عبد الرحمن! ابعد بقى!
وحين لم يستجب، لكزته بقوة في جنبه، عندها فقط تأوه متألمًا وتراخت ذراعاه قليلًا، فاستغلت الفرصة وابتعدت عنه بسرعة.
وقفت أمامه تلتقط أنفاسها، ثم التفتت تبحث عن والدتها، فلم تجدها في مكانها.
_ يا نهار أبيض! ماما راحت فين؟!
استدارت إليه، فوجدته ينظر إليها بعينين غريبتين؛ عينين تحملان من الحزن ما لا يتناسب أبدًا مع تلك الابتسامة الصغيرة التي ارتسمت على شفتيه.
تراجعت خطوة، ثم انحنت تجمع القطن والمطهر من فوق الطاولة، وهي تتمتم بغيظ، محاولةً أن تستعيد رباطة جأشها:
_ قليل الأدب!
لكنها، رغم غضبها، لم تستطع تجاهل تلك النظرة التي لمحَتها في عينيه قبل أن تبتعد عنه.
نظرة لم تكن فيها مشاكسة عبد الرحمن المعتادة، ولا خفة ظله التي اعتادتها.
كان فيها شيءٌ موجع، شيءٌ جعل قلبها ينقبض دون أن تفهم السبب.
رفعت عينيها إليه مرة أخرى، فوجدته لا يزال يتأملها بصمت
تلاشت الكلمات على طرف لسانها للحظة، وكادت تسأله عما به، لكنها تراجعت، وعادت إلى عبثها بعلبة الإسعافات، مدعيةً اللامبالاة.
أما هو، فابتلع غصته، وأشاح بوجهه عنها حتى لا ترى ما بدأ يتجمع في عينيه من جديد.
نهض وصعد الى غرفته دون حديث
قطبت جبينها
_ماله دا… نظرت لهاتفه الذي ارتفع رنينه على الطاولة واسم ماسة عليه
تأففت، ثم جلست تسحب نفسًا طويلًا ورفعت الهاتف
_فين عبدالرحمن
_انت مالك… قولي عايزة ايه، هو قالي اشوفك عايزة ايه
_طيب قولي له هاجي أنا وسيليا الصبح، معرفتش ارجع النهاردة
اشتدت قبضتها فوق ردائها
_ليه هو انت جاية اسكندرية تاني
_خديجة مش معنى اني سايبة عبدالرحمن معاكي يبقى كدا اتنازلت، انت بس صعبتي علي، بعد السنوات دي كلها، وخاصة هو كان معرفني بعلاقتكم، وازاي سبتيه واتجوزتي غيره، انا من حبي في عبدالرحمن، سبتهولك، اهو برضو كنتي حبيبته في يوم من الايام، بس متنسيش مركزك، انا ام بنته، فاهمة يعني ايه، يعني مهما كانت علاقتك به، مش هتبقى زي علاقته بيا، وبعد كدا ماترديش علي تاني
قالتها ماسة واغلقت الهاتف تنظر للهاتف بغضب، مع ارتفاع انفاسها
_أنا هعرفك ازاي ياخديجة تردي علي
نادت على الخادمة بصوت مرتفع افزع الصغيرة التي تلهو بألعابها
_جهزي الشنط، هنسافر اسكندرية، واتصلي بالاتليه يبعت لي كل الهدوم اللي طلبتها، واهم حاجة قمصان النوم
_تحت امرك يامدام
دارت حول نفسها، تنظر للجرح الذي بيدها
_انا هعرفك يابيئة ازاي تتجرأي علي
عند خديجة
صعدت الى غرفته، دفعت الباب بغضب، تبحث عنه، استمعت الى صوت المياة، ظلت تدور بالغرفة الى أن خرج وهو يجفف خصلاته توقف يطالعها بتساؤل نطقتها عيناه
_انت قولت هتكلم اخوها بجي ياخدها، وقولت انها مريضة صح
ألقى المشفة واقترب منها
_فيه ايه مالك متعصبة ليه
تمتم بها بهدوء، طالعته بغضب، ظنا ان هدوئه يتحداها، او يعاندها
_انت ايه… ليه البرود دا كله
_انا تعبان ياخديجة، وعندي شغل الصبح
يلا غيري هدومك علشان ننام
طالعته بذهول، كادت ان تصل اليه وتطعنه بصدره على مانطقه وهي بتلك الحالة
_انا بقولك ايه وانت بتقول ايه، دا كل اللي يهمك
اقتربت تنظر لمقلتيه
_طيب اسمعني بقى، مفيش اوضة هتجمعنا مع بعض غير لما البنت دي تطلع من حياتك، يااما
ظل يتابعها بصمت، ثم قال
_يااما ايه ياخديجة؟!
_تطلعني أنا من حياتك ياعبدالرحمن
توقف ينظر اليها فقط، هو بحالة لايريد النقاش، ولا يريد ان يحزن قلبها، يكفي مامرت به
دنا منها وضمها بين ذراعيه، ثم طبع قبلة فوق رأسها
_اعملي اللي يريحك حبيبتي
رفعت رأسها اليه تنظر اليه بذهول، وتجمعت الدموع بعيناها، ظنا انه لم يكترث بها
ابتعدت وحاولت أن تتماسك أمامه
_تمام هعمل اللي يريحني… تمتمت بها واتجهت الى غرفة الملابس، اخرجت بيجاما ثم حملتها متجهة للخارج، وهو يراقب حركاتها
_رايحة فين ياخديجة
توقفت ولم تستدير اليه
_رايحة اعمل االي يريحني يابشهمندس
_تمدد على الفراش وهو يقول
_تصبحي على خير
فتحت الباب وخرجت متجهة للغرفة الاخرى بينما ظل كما هو لدقائق ثم نهض من مكانه واتجه للخارج، دلف الغرفة وجدها تغفو تحتضن بيجامتها، اغمضت عيناها حين شعرت بوجوده داخل الغرفة
تحرك للجانب الاخر، ثم تمدد بجوارها يسحبها للاحضانه، حاولت التملص من بين ذراعيه ولكنه همس
_لو مبطلتيش هفوق عليكي، وخاصة انت زي القمر بالفستان العريان دا
قالها وهو يتشبث بحمالة الفستان
_سهل في القطع
صمتت واغلقت عيناها دون حديث، بينما ظل هو يقظا الى طلوع الفجر
باليوم التالي
غادر منزله في الصباح الباكر، متجهًا إلى المطار لاستقبال مريم، ابنة خاله، بعدما هاتفها وطلب منها الحضور لمساعدة خديجة على تجاوز حالتها النفسية التي باتت تؤرقه وتسرق النوم من عينيه. فمريم طبيبة نفسية، وربما استطاعت أن تصل إلى ما عجز هو عن الوصول إليه، أن تفهم ما يدور داخل تلك الروح التي أحبها، وتنتشلها من بئر الحزن الذي غرقت فيه يومًا بعد يوم.
كان يشعر بالعجز أمام انطفائها، يؤلمه أن يراها تبتسم بملامحها بينما عيناها تفضحان كل ما تحاول إخفاءه. ولأنه لم يعد يحتمل الوقوف عاجزًا أمام وجعها، قرر أن يستعين بمن قد تستطيع مساعدته في إعادتها إليه… أو بالأحرى، إعادتها إلى نفسها أولًا.
بينما في منزل عبد الرحمن…
استيقظت على قرارٍ صغير اتخذته مع نفسها؛ أن تمنح هذا الصباح فرصة مختلفة، وأن تحاول النهوض من جديد، ولو بخطوة واحدة.
بعد تماديه معها بمكرها كما ظنت، قررت أن تفعل شيئا بوقت الفراغ الذي يبتلع ساعات يومها، وعن شعورها بأنها محاصرة داخل حياة لم تعد تعرف كيف تتعامل معها. وحين رفض عودتها إلى عملها، لم تجد أمامها سوى أن تبحث عن شيء آخر تستند إليه، شيء يعيد إليها إحساسها بأنها ما زالت قادرة على فعل شيء لنفسها.
ارتدت ملابسها، تنظر للفراش الخالي من نومه، فلقد استيقظت ولم تجده، ابقنت انه ذهب الى ماسة، نزلت إلى الحديقة.
كان الهواء الصباحي يلامس وجهها برفق، فيما تناثرت قطرات الندى فوق أوراق النباتات، كأن الطبيعة تحاول أن تخبرها بأن البدايات الجديدة لا تحتاج دائمًا إلى ضجيج؛ أحيانًا يكفي أن نمنح أنفسنا فرصة أخرى.. تريد بهذا الكيان الذي استخدمته ان ينسيها كلمات ماسة التي سممت بها قلبها بالامس
جلست على ركبتيها أمام إحدى الزرعات، وبدأت تزيل الأعشاب الصغيرة المحيطة بها، تنفض التراب عن الأوراق بحذر، وتسقي ما جفَّ منها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!