لم يبقى لنا الا الوداع
سأله شُهدي بحيرة عن طلبه فأجابه أمجد بحرج:
– طالب من حضرتك تتفق مع الشهود لإن زي ما حضرتك عارف أنا مقطوع من شجرة وعيلة والدي مقاطعيني من سنين ومعنديش اللي يستحق يشهد على عقد جوازي من منار.
صاح شُهدي فجأة مناديًا ابنه فظهر أحمد بجواره وكأنه نبت من عدم فاستدار نحوه وأعطاه العلبة قائلًا:
– دخل العلبة دي لأختك وقول لها أنها هدية من خطيبها، وقول لأخواتك يشغلوا أغاني علشان كتب كتاب أختك بكرة.
هرول أحمد بسعادة بينما التفت شُهدي نحو أمجد وجذبه إلى الداخل مُردفًا:
– أدخل يا ابني البيت بيتك.
ابتسم أمجد وتبع شُهدي باستحياء ليصل إلى سمعه صوت صيحة عالية تبعها صوت أغاني صاخب وزغاريد بددت حزن المنزل، فلمعت عين شُهدي بالدمع حينها خفض أمجد رأسه وأردف:
– عمي أنا عايز أبدًا حياتي مع منار وأنت راضي عنها قبل ما تكون راضي عني، وصدقني أنا أول مرة ألمس منار كان فِاليوم المشؤوم اللي حضرتك شوفتنا فيه وحقيقي من وقتها وأنا ندمان ومستصغر نفسي إني حطيت حضرتك قبل منار فالموقف المُشين دا، واللي بسببه مقدرتش أتحمل أقعد فالشقة وقلت أبعد لحد ما الأمور تهدا وعلشان أوفي بوعدي ليكِ، وأرجوك لو جواك لسه زعل مني ومنها أنساه وأدينا الفرصة نثبت لك إن تريبتك مَضعتش هدر.
زفر شُهدي وأوما بتفهم فهو يعلم برحيله وظنه في بادئ الأمر تهرب من اتفاقه معه ولكنه هاتفه وأخبره بانتقاله إلى مسكن آخر وأنه على وعده معه، فأردف:
– سيبها على الله يا ابني.
أحس أمجد من وجوم شُهدي أنه لن يعفو عما رآه فاستأذنه بحرج وغادر، بينما وقف شُهدي يبادل نظره بين غرفته وغرفة ابنته التي ضجت بالصخب فنكس رأسه واتجه صوب غرفته ولم ير دموع منار التي سالت فوق وجنتيها وعودتها إلى غرفتها بخطى مُنكسرة.
وفي الموعد المحدد جلست منار تُحيطها رنا ونهلة من الجانبين بينما وقفت هالة ترمقها بضيق بعدما رفضت مشاركتها الاحتفال، وبالخارج جلس الرجال يستمعون إلى خطبة المأذون باحترام وحين وصل إلى قوله الأخير”بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير” انهمرت دموعها وتمنت لو كانت والدتها بجوارها لِتغمرها بحنانها الذي افتقدته كثيرًا وانتشلتها وكزة نهلة من شرودها فرأت قدمين تقفان أمامها فظنتها لأمجد ورفضت رفع وجهه نحوه وحين جُذبت لتقف أغمضت عينها وحاولت الابتعاد إلا أنها تجمدت حين صافح أذنها صوت والدها بقوله:
– مبارك يا منار.
فتحت منار عينيها وحدقت بوجهه لثوان لا تصدق أنه يفتح لها ذراعيه وأجهشت في البكاء وهي ترتمي بينهما وتشبثت به فبدت وكأنها تحتمي به من الغرق ولسانها يرجوه السماح والعفو، وعلى مقربة منهم وقف أمجد يتابع ما يدور بوجه عابس وعيون قاتمة يشعر بنيران الغيرة تموج بداخله وتتقاذف كالحمم وعقله يندد ويصرخ بأحقيته هو باحتوائها عن والدها، وكما اشتعلت غيرته هدأت بعدما أجبره عقله على الهدوء والتريث فهو لا يُريد إحداث شقاق آخر بينهم وما أن أشاح بوجهه عنهم رأى أمامه شقيقتها البغيضة تنظر باتجاه منار بكراهية، ولوهلة تسلل إلى قلبه الخوف وأدرك أن تلك المراهقة التي لم تتجاوز الرابعة عشر من عمرها عدو لا يستهان به وعليه من الآن وصاعدا الحذر منها لينتبه لصوت شُهدي يطلب من الاقتراب ومد يده نحوه بيد ابنته وأردف:
– بنتي من اللحظة اللي اتكتبت فيها على اسمك بقت أمانة فِرقبتك فَحطها جوا عنيك وحافظ عليها واتقي الله فيها ولو فيوم غلطت عاتبها بمحبة لما تهدى وطول بالك عليها.
أومأ أمجد وأجابه بتلقائية:
– من غير ما تقول يا عمي منار هي النفس اللي بتنفسه وعلشانها أنا مستعد أعمل أي حاجة ويكفي أن أول ما حضرتك كلمتني علشان أعمل لها الحفلة أنا مترددتش ونفذت فوقتها على طول، عمومًا يا عمي أنا وعدك أني هحافظ عليها بحياتي وأني هبذل كل ما فوسعي علشان أسعدها.