لم يبقى لنا الا الوداع

ترك فراشه ووقف أمام الصورة واستطرد:
– أكيد أنتِ حاسة بيا وبوجيعتي لحظة ما شوفتها وهي… مش قادر أنطقها يا حنة ولا عارف أنسى صورتها وهي بالمنظر دا أنا كان عندي أموت ولا أشوف واحدة من بناتي بتدوس عليا بالشكل دا.

لم يدرك شُهدي أن دموعه انفرطت وسالت فوق وجنتيه وهو يردد بأسى:
– قوليلي أعمل إيه يا حنة أنا شيطاني بيوسوس لي أنها مرمغت شرفي فالطين ومصورلي عنها حاجات بشعة لدرجة أني حابس نفسي هنا علشان مروحش أقتلها وأخلص من عارها.

أغمض عينه مُستغفرًا وغادر غرفته واجه إلى المرحاض ليتوضأ بعدما أحس بنيران الظنون تنهشه وأسرع إلى غرفته يناجي ربه لعله يطفأ عنه فتنة ظنه ذاك.
وفي اليوم التالي تجنب شُهدي الحديث إلى بناته ولزم غرفته حتى أخبرته رنا بسؤال أمجد عنه، فتطلع لساعة يده وغادر دون أن ينبث بكلمة واتجه نحوه وأشار إليه بجمود أن يحلق به وجلس مكرهًا أمامه واستمع لطلبه المهتز لِيد ابنته، فوافقه دون جدال وأخبره بجمود أن يرتب أمره لِيعقد قرانه عليها فور انتهاء اختباراتها، وقبيل مغادرته طالبه بالالتزام بعدم رؤيته لابنته حتى موعد عقد القران، فوافقه أمجد ووعده كبادرة مِنه لِاستعادته ثقته به مجددًا.
واستمر الحال أسابيع طويلة فاتر وصامت بين منار ووالدها الذي لم يتقبل أيًا من محاولاتها بِطلب الصفح، بل وشمل أبنائه جميعًا بمعاملته الصارمة فباتوا يخشون غضبه عليهم وسعوا لإرضائه بتغيرهم في بادئ الأمر تجنبًا لعقاب الضرب الذي انتهجه معهم، ليتحول تغيرهم هربًا من العقاب إلى التغير حبًا بِصلاح النفس وسعيًا لكسب الاحترام، بدءً بجدية أحمد الذي استعاض بشرح مُعلمين بعض مواقع السوشيال ميديا عن الدروس الخصوصية توفيرًا للمال وشارك شقيقاته واجباتهم المنزلية، وتقرب من رنا التي وعلى العكس منهم انعزلت ولزمت الصمت وأصبحت كلما لمحت والدها تهرع إلى فراشها وتنكمش بخوف، في حين أصلحت نهلة ذات البين بينها وبين منار ولازمتها معظم الوقت وَواظبت على صلاتها وشغلت أوقات فراغها بتعلم أمور دينها الغافلة عنها، بينما تابعت هالة ما يدور بتمرد ورفضت محاولة نهلة لفت انتباهها لما تفعله من خطأ وأصرت على موقفها العدائي الغير مبرر منهم.
كل هذا ومنار تدور بفلك ندمها يأكلها الذنب فباتت تصلي وتستغفر ليل نهار ولكنها باتت على يقين أنها لم تُكفر عن ذنبها بحق والدها بعد وأن عقاب الله لها لم يحن موعده.

وبعالمه وبعدما اطمئن أمجد أنها أصبحت له أرسل إليها يخبرها أنه سَيلزم وعده لوالدها ويكف عن الحديث معها حتى موعد عقد قرانهم، وعليها تحمل فراقه ومساعدته لِيثبت جدارته بها وحثها على التحمل والجلد حتى تحين له الفرصة ويصلح ما فسد بينها وبين والدها ويستعيدا ثقته.
وعلى الجانب الآخر سعى لِترسيخ أقدامه بمنزل ليان فعمل على توطيد أواصر الصداقة بينه وبين والدها فشاركه ألعابه المُفضلة وسمح له في الكثير من الأحيان بالفوز عليه حتى بات أمجد بمثابة الأبن لِضياء وتردد صدى علاقته به بدائرة أصدقائه وأساتذته والمحيطين به فتبدلت معاملتهم له تقربًا لِضياء، أما ليان فانتهج أمجد معها نهج الأخ الأكبر وشاركها بعض اهتماماتها دون مبالغة ليدفع الظنة عن نفسه ويدرأ عنه شبهة وأسدى لها الكثير من النصائح التي ساعدتها على الصعيد الشخصي والاكاديمي، وبمرور الوقت الذي حرم منار منه أغدق به على ليان فازداد تعلقها به وتمنت لو تتخذ علاقتها به منحنى آخر، وباتت ليان لا تطيق مشاعرها التي تخطت الحب وأطلعت والدها بمشاعرها فَنصحها بالتريث حتى تتأكد من مشاعره نحوها ولا تتأذى.
وبأحد الأيام فاض بها الكيل وأعمتها غيرتها حين رأته يتحدث إلى إحداهن فأسرعت نحوه بوجه غائم ووقفت على مقربة منه وانتظرت حتى غادرت الفتاة فالتفت إليها مُبتسمًا ولكنها لم تبادله وعبست بوجهه فسألها بحيرة:
– مالك يا ليان مكشرة كده ومش بتردي عليا؟

ودت لو تصيح ليان بأعلى صوتٍ لها وتخبر الجميع أنه حبيبها وعلى من تود الموت الاقتراب منه ولكنها تمالكت اندفاعها ولجمت رغبتها ورفعت حاجبها سخطًا لِسؤاله وأجابته بهجوم غير مبرر:
– وأرد عليك ليه ما كفاية الحلوة اللي كانت عجباك وقفتها معاك ودلعها عليك، وعلشان سيادتك كنت بتاكلها بعينك وأنت بتبص لها مكنتش واخد بالك أني شيفاك فقلت تستهبل عليا وتقولي مالك ومكشرة علشان أقف أنا كمان وأهو يبقى بجملة اللمة حواليك علشان تبقى أنت الشاب الكول الجان اللي البنات بترمي نفسها عليك.

أغضبته كلماتها وأهانته نظراتها الساخرة منه فعقد حاجبيه وأخبرها بصرامة:
– واضح يا آنسة ليان أني غلطت لما اتعاملت معاكِ كصديق واتساهلت فالكلام لدرجة أنك افتكرتِ أني ممكن أقبل على كرامتي الأهانة أو أنك تقللي مني وتتهميني فأخلاقي أني بلم البنات حواليا.

بهتت ملامحها ولم تدر كيف تفوهت بتلك الاتهامات الخاطئة؟ وأدركت من نظراته الغاضبة وكلماته أنها أخطأت بحقه وتجاوزت بِما لا يقبل، فحاولت الاعتذار منه ولكنه انسحب ورفض الرد عليها وأغلق هاتفه حتى لا تتمكن من الوصول إليه، بل وامتنع عن الذهاب إلى الجامعة لعدة أيام وحجب نفسه عنها كُليًا، فظهر جليًا عليها تأثرها بِهجره لها بحزنها وبكائها والتزامها الصمت فسألها والدها عما ألم بها؟ فقصت عليه فعاتبها بهدوء رُغم رفضه لافتراها عليه وطلب منها ترك الأمر له.
باليوم التالي فوجئ أمجد بِضياء يقف أمام باب مسكنه فاتسعت عينه بقلق وحين لاحظ نظرات ضياء نحوه ابتسم باضطراب ورحب به وعينه تختلس النظر نحو مسكن شُهدي قبل أن يغلق الباب خلفه وجلس أمامه بتوتر فَسارع ضياء وأردف ما أن لاحظ ارتباكه:
– أنا عارف أنك واخد على خاطرك وزعلان بسبب اللي حصل بس أنا كمان زعلان منك.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!