بنت رقيقة
مش لأنه بيسمعها لأول مرة لا لأنه حاسس إنه عمره ما سمعها كده. وقف مكانه مش قادر يركز الصوت لامس حاجة جوا قلبه متخزنة من زمان بس متغطية بطبقات كتير حياة سريعة وشغل وناس محدش علمه يعني إيه الله أكبر مسلم على الورق بس عمره ما عرف يعني إيه يكون مسلم بجد. بس دلوقتي صوت فرح وهي بتهمس بالدعاء وهدوءها وسکينة الموقف كل ده كان كأن حد بيقوله من جوه فوق. فضل واقف يسمع مش قادر يكمل شغله ولا فاهم هو بيحس بإيه بالظبط. بس الأكيد إن اللحظة دي كانت بداية حاجة. بعد أسابيع من بداية الشغل الأيام بتعدي وفرح بقت جزء من المكتب ومن المكان ومن روتين نوح نفسه بس الأهم إنها بقت جزء من يومه من غير ما هو يحس. كان دايما فاكر إن بعد الحاډثة اللي حصلت من سنة وفقد فيها بصره عمره ما هيحس بحاجة تاني لكن وجود فرح بهدوئها بضحكتها الخفيفة بصوتها وهي بتقرأ الإيميلات بصبرها بأسئلتها العفوية كل ده كان بيحيي فيه حاجات كان حاسس إنها ماټت. في يوم كانوا قاعدين سوا في ركن الاجتماعات الصغير اللي جوه مكتب نوح. اجتماع مع عميل فرنسي خلص أخيرا وفرح كانت قاعدة بتلم الورق وبطنها بتزق عليها شوية. قالت فجأة أنا جعانة جدا. نوح ضحك بخفة أنا تقريبا نسيت يعني إيه جوع. طيب تيجي ناكل حول عينه ناحيتها مستغرب إنه يوافق بس قال ماشي هو أصلا شبه مش بياكل. عايش على القهوة ولو أكل تبقى وجبة واحدة من بره بس وجود فرح فتح نفسه لحاجات كان قافلها زمان. فرح وهي بتفتح موبايلها قالت بحماس إيه رأيك ناكل أكل بيتي رفع حاجبه أكل بيتي! ده أنا ناسي طعمه من أيام ما كنت طفل. طب ما تيجي نفتكره فيه ستات ربات بيوت بيعملوا أكل في بيوتهم وبيبيعوه أونلاين. ميل راسه بهزار عن جد! اتكلمت بمرح مماثلعن جد جدا سيبها عليا. وبعد
شوية رنة على الباب. الديليفري وصل. فرح فتحت وشالت شنطة الأكل الكبيرة اللي كانت مليانة ريحة تخبط في القلب قبل الأنف. شدت ترابيزة قدامه وبدأت تفتح علب الأكل واحدة واحدة والريحة بتنتشر في المكان. نوح أخد نفس طويل وقال اممم شميت ريحة محشي ورق عنب فرح ضحكت جرب كمان. فيه ملوخية وبط متحمر ولمون معصفر فرح بصت له بدهشة متأكد إنك مش بتشوف! ابتسم بهدوء وقال أنا من ساعة الحاډثة بقيت أعتمد على سمعي وشمي بدرجة مش طبيعية كل حاجة بقيت أعرفها من صوتها أو ريحتها. سكتت لحظة وبعدين قامت تاخد طبقها. طيب أنا هدخل آكل في مكتبي سيبك على راحتك. دخلت فرح مكتبها وسابت الباب مفتوح نص فتحة. ومن وقت للتاني كانت تبص عليه تشوفه وهو بياكل بشهية غريبة كأن الطفل اللي جواه صحي فجأة. إيديه كانت بتتحرك بدقة بيمسك العلبة ېلمس الأكل يعرف إيه فين وبيستخدم المعلقة وكأنه شايف. مكانش محتاج مساعدة مكانش حتى متوتر. هي اتفاجئت من مهارته ومن ازاي قدر يتأقلم مع وضع صعب زيه بس أكتر حاجة فاجأتها إنه لأول مرة بياكل بنهم وبهدوء وكأنه بيستمتع بجد. سابت نظرها عليه شوية وبعدين بصت في طبقها ضحكت بينها وبين نفسها وقالت همس مين كان يصدق إن النمر الأسود يحب البط المتحمر المكتب كان ساكن والهدوء حوالين فرح كان بيخلي صوت تقليب الورق مسموع كأنه صدى. نوح قاعد في الجنب التاني مركز في شغله هادي كعادته. رغم إن وجوده دايما مريح…