كاره النساء 2

الفصل التاسع عشر
كاره النساء

صرخة مدوية أطلقتها نريمان داخل حجرتها بالمستشفى..صرخة لوعة تنادي بها على الذين غادرا الحياة ولن يعودا مرة أخرى:
-باااااابا….ماااااما..مجوش ليه، هما فين؟ مجوش ليه لحد دلوقت، عايزة بابا..عايزة ماما..عايزة أروحلهم.
انتبه مالك الذي كان غافيا على المقعد امامها وقفز من عليه ليهتف في انزاعاج:
-ايه ..حوصل ايه؟؛

بعقل رافض أن يصدق موتهما راحت تهذي وتنزع عنها الأنابيب الطبية الموصلة في يدها بعصبية، تحاول النهوض لكي تذهب لهما.

يعيدها الى فراشها ويثبتها في سريرها برفق قائلا بشفقة:
-هدي يانريمان ..هدي ..حاضر حنروحلهم طوالي.

-أكيد الخبر غلط يامالك مش كده؛ هما..هما حالا يوصلوا اكيد حيتصلوا بينا..يلا نرحلهم يلا نروحلهم احنا.
اكيد هما عايزين يشفوني انا وحشتهم انا عارفة انا وحشتهم قوي زي ماهما وحشوووني قوووي..لازم نسافر بسرعة.
-جولتلك حنروحلهم بس هدي طيب.. متعمليش في روحك إكده.

احتقن وجهها على أثر الأنفعال وتمرد صوتها صارخا، تدفع مالك بكل قوتها الذي أمسك يديها حتى يمنعها من ترك سريرها، ثم صرخت:
-مش عايزة اهدى..مش عايزة اهدى انا عايزة بابا وماما عايزاهم..عايزة ارحلهم.

-طيب ..طيب جومي غيري خلجاتك.. وياجي الضاكتور يشيلك المحلول ديه ..وحنفذلك ال انتي ريداه.. حنروحلهم طوالي سوا بس هدي عشان خاطري.
ثم جذبها الى حضنه يربت على ظهرها بحنان..زافرا بأسف..شهقاتها تمزق صدره..نحيبها يوجعه..تعافر لكي تتخلص منه وهي تردد سبني.. سبني اروحلهم سبني أمشي
ولكنه تشبث بها متحملا ضرباتها على صدره يهمس بجوار اذنيها:
-لاه مش حسيبك ياحبيبتي هدي أنا جمبك أهه روقي ياجلبي عشان خاطري، ابوكي وامك في مكان احسن من اهنيه..هما حاسين بيكي دلوك، شايفينك وسامعينك، متخلهمش يشفوكي إكده منهارة..عشان ميزعلوش منيكي.
ثم ضمها اليه بقوة كأنها طفلة في حضن أبيها، ظلت في حضنه حتى أعياها البكاء، ومن فرط المجهود الذي بذلته من صراخ ووعويل نامت على صدره.

بعد يومان خرجت نريمان من المستشفى هزيلة ضعيفة..قد نقص وزنها..وجهها شاحب، انطفأ لمعان عينيها، وزبلت شفتيها، ما إن خطت داخل البيت حتى جادت عيناها بدموع الذكرى فقد أخذت تتجول بعينيها في كل مكان تتلمس فيه أثر أبيها وأمها، حديثهما لها وصوتهما يترددا في أذنيها بصدى الحنين..صوت امها عندما توقظها وترفع عنها الغطاء:
(قومي يانانا بقى بطلي كسل..لحد امتى حتفضلي نايمة)
تقريعها لها عندما ارتدت ملابس غير لائقة في عزاء عمها:
( يابنتي ده لبس تلبيسه في عزا ..جيبة قصيرة، وبلوزة من غير أكمام..أنتي اتجننتي، احنا رايحين بلد أرياف أمتى تعقلي بقى؟)
تعتصر عينيها حسرة على خسارة لن تعوضها
صوت ابيها وهو يدللها وهي صغيرة..مكافأته لها بسيارة حديثة عندما نجحت..لم يثور عليها يوما..ولم يغضب عليها لحظة..دفئ حضنه لها مازال يسري في عروقها تتلمسه بيديها حول ذراعيها..كأنها أصبحت عارية من بعده.
ومالك يراقبها بأسف وحرص.. يعلم أنها الآن تطوف في محراب الذكريات، قال لها محاولا أن ينتشلها من ذكرياتها حتى لا تنهار:
-تعالي يانريمان نطلعوا فوج عشان تستريحي هبابة.
قالت بصوت يملؤه الحسرة وكأنها لم تسمعه:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!