الخامس عمران وليلى بقلم سيلا وليد | New Drama Episode
اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك
نوفيلا
قدرا لايشبه، بقلم سيلا وليد
استدار إليها بكامل جسده، وثبّت عينيه على عينيها، وكأن اعترافها ما زال يزلزل شيئًا داخله.
— ليلى… إنتِ قولتي إيه؟
ارتجفت شفتاها، وتعلقت أصابعها بأطراف ثيابها في ارتباك شديد، ثم أسرعت تخفض عينيها.
— ولا حاجة…
اقترب منها قليلًا، ورفع ذقنها بأطراف أصابعه، يجبرها على النظر إليه.
— لأ… قولتي. عايز أسمعها منك تاني.
ازداد ارتجافها من لمسته، وكأنها فجأة استوعبت حجم تهورها.
أين ذهب عقلها حين قالتها؟
كيف سمحت لنفسها أن تعترف له بكل تلك البساطة؟
لقد كانت تظن أنها ستشعر بالراحة حين تقولها… لكنها الآن كانت تتمنى لو تستطيع سحب الكلمات من بين شفتيها.
ابتعدت برأسها عن يده، وأغمضت عينيها لحظة، ثم قالت بسرعة:
— أنا… مكنتش أقصد.
تجمدت ملامحه.
— مكنتيش تقصدي إيه؟
فتحت عينيها ونظرت إليه للحظة، ثم هربت بعينيها من جديد.
— اللي قلته… اعتبره محصلش.
ابتسم بسخرية خافتة، رغم أن قلبه كان يرتجف.
— محصلش؟
هزت رأسها بسرعة.
— أيوه.
— ليه؟
صمتت.
لم تجد إجابة تستطيع قولها دون أن تفضح نفسها أكثر.
تنهد، ثم ترك ذقنها وأشاح بوجهه، وكأنه يحاول استعادة سيطرته على نفسه.
— هوصلك… قوليلي بيتكم فين.
التفتت إليه بدهشة.
— توصلني؟
نظر إليها طويلًا.
— أيوه.
سكت لحظة، ثم قال:
— ولا إنتِ عايزة تفضلي معايا؟
احمر وجهها، وأسرعت تنظر إلى النافذة.
— مش عارفة.
__تمام… قولي بيتكم فين، وانسي أي حاجة قولتها
__انسى!!
زفر باختناق، ثم قال
_ااه.. أنسي اني اتكلمت معاكي
__بالبساطة دي
استدار إليها، نظر لعيناها التي تصرخ بالألم من حديثه… همست
__خلاص.. روحني، ولا وصلني أي موقف وأنا هروح
__اعملها ازاي دي
قالها يمسح على وجهه بغضب
نظرت الى ردود أفعاله
__انت بتعمل كدا ليه
__لأني بحبك وفي نفس الوقت مش قادر اقرب منك
__وأنا… قالتها وهي تنظر إليه ثم تابعت حديثها
— أنا… قلت لك إني مبقتش قادرة أبعد عنك.
ظل ينظر إليها طويلًا، وكأن الجملة أصابته في أضعف نقطة بداخله.
فأشاحت بوجهها ومسحت دموعها.
— خلاص… اعتبرني مقلتش حاجة. أنا اتسرعت، ومكنش ينفع أقولك كده.
— ليه؟
— عشان… عشان أنت أكيد مش شايفني زي ما أنا شايفاك.
تجمدت ملامحه.
— يعني إيه؟
رفعت عينيها إليه، وقالت بصوت مكسور:
— يمكن إنت خايف عشان أنا مش من مستواك.
قطب حاجبيه، وهز رأسه نافيًا.
— متقوليش كده تاني.
— أومال خايف من إيه؟
صمت طويلًا، ثم أخذ نفسًا عميقًا، وكأنه قرر أخيرًا أن يقول ما ظل يخفيه.
— من فرق السن.
رمشت بعينيها.
— فرق السن؟
— آه.
نظر إليها مباشرة.
— بينا تلاتاشر سنة يا ليلى.
ثم تابع بصراحة:
— تلاتاشر سنة مش رقم صغير… وإنتِ لسه في بداية حياتك. عشان كده أنا متردد.
نظرت إليه طويلًا، وكأنها لم تكن تتوقع أن يكون هذا هو السبب.
— يعني إنت مش خايف إني مش من مستواك؟
اقترب منها قليلًا، وقال بحزم:
— إنتِ مالكيش علاقة بالمستوى.
ثم رفع يده ومسح دمعة عن وجنتها.
— أنا خايف من حاجة تانية… خايف بعد كام سنة تبصيلي وتكتشفي إنك كنتِ متعلقة بيا بس عشان أول شخص خلاكي تحسي بالإحساس ده.
هزت رأسها سريعًا.
— لا.
— خايف تكبري وتكتشفي إنك كنتِ تستحقي حياة مختلفة.
— متقولش كدا
— وخايف أكتر إني أكون بحبك لدرجة تخليني أنسى إني لازم أفكر بعقلي.
سكت لحظة، ثم قال:
— أنا بحبك يا ليلى… ودي مش المشكلة.
ارتجف قلبها.
— أومال إيه المشكلة؟
نظر في عينيها طويلًا.
— إنك إنتِ كمان بتحبيني.
ابتسمت وسط دموعها.
— ودي مشكلة؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
— لما يكون بينا تلاتاشر سنة… آه، بتخليني أخاف.
سكت، ثم أخذ يدها بين يديه.
— عشان كده بسألك سؤال واحد، ولازم تجاوبيني عليه من غير اندفاع، ومن غير خوف…
تعلقت عيناها به.
— لو عدي وقت، وكبرتي أكتر، ولسه شايفة إنك عايزة تكملي معايا… هترضى؟
لم تتردد.
— لو أنت لسه عايزني… آه.
أغمض عينيه للحظة، وكأن إجابتها أراحته وأخافته في الوقت نفسه.
فتح عينيه وقال:
— أنا عايزك من دلوقتي… بس مش عايز استعجل حاجة ممكن تندمي عليها.
اقتربت منه، وقالت بصوت خافت:
— وأنا مش عايزة أهرب من حاجة أنا متأكدة منها.
نظر إليها، وقلبه يقول له أن يقترب، وعقله يذكره بكل مخاوفه.
فابتسم لها أخيرًا، وقال:
— يبقى نستنى… ونشوف إذا كان حبنا هيقدر يعدي التلاتاشر سنة اللي بينا.
خفضت عينيها بخجل، وهمست:
— هيعدي.
فابتسم، رغم الخوف الذي لم يفارقه، لكنه هذه المرة لم يكن خائفًا من حبها… بل كان يخشى أن يأتي يوم وتخاف هي من حبه، أو تتركه بعدما تعلق به.
تعلقت عيناه بعينيها للحظات، ثم قال بابتسامة هادئة:
— يعني… هترضَي تكملي مع واحد عنده خمسين سنة؟
توردت وجنتاها، وأخفضت عينيها وهي تتمتم:
— كنت بهزر معاك على فكرة… أنت مش كبير ولا حاجة.
اقترب منها قليلًا، وقال بمشاكسة خفيفة:
— طويل، وأبو عضلات… مش كده؟
رفعت عينيها إليه سريعًا، ثم ارتبكت من قربه:
— عمران بيه… لو سمحت ابعد، مينفعش كده.
توقف فجأة، ونظر إليها بدهشة مصطنعة:
— عمران بيه؟!
ثم انفجر ضاحكًا، وأدار وجهه نحو نافذة السيارة.
ضيقت عينيها وهي تقول:
— بتضحك على إيه بقى؟
التفت إليها، وما زالت ابتسامته تملأ وجهه:
— فيه حد بيقول لجوزه المستقبلي “بيه”؟
اتسعت عيناها، وهمست دون وعي:
— جوزي؟
تأملها للحظة، ثم أومأ بثقة هادئة:
— أمال… فاكرة إني هقعد أحبك بس؟ لازم في الآخر تبقي مراتي.
— تحبني بس.
ضحك، وهز رأسه:
— وبعدين بقى؟ إنتِ هترددي كل كلمة بقولها ولا إيه؟ آه، بحبك وبس يا ستي.
ازدادت حمرة وجهها، وأشاحت بنظراتها إلى النافذة.
مد يده ورفع ذقنها برفق، حتى عادت عيناها إليه.
— لا… متبعديش عينيك عني. ومش عايزك تتكسفي مني. والأهم… بطلي كلمة “عمران بيه”. أنا عمران وبس.
ابتسمت بخجل:
— عمران وبس.
ابتسم ابتسامة … هادئة، دافئة، وكأنها لا تظهر إلا لها.
رفع يده، وأعاد خصلة صغيرة خرجت من حجابها إلى مكانها برفق.
— أي حاجة منك… عجباني.
نظرت إلى يده، ثم رفعت عينيها إليه.
لم تقول شيئًا.
لكن النظرات وحدها قالت ما عجز الاثنان عن قوله.
ابتعد عمران قليلًا، وتنحنح كأنه يحاول استعادة هدوئه، ثم قال:
— تحبي نلف شوية؟
التفت إليها:
— لو مش عندك حاجة، بلاش ترجعي البيت دلوقتي.
— معنديش… بس فريد ممكن يرجع ويقلق عليا.
شغّل السيارة وقال بهدوء:
— فريد مش هيرجع قبل عشرة، عنده شغل كتير.
قطبت جبينها:
— إزاي عشرة؟ هو بيروح خمسة!
تحرك بالسيارة دون أن يجيب.
نظرت إليه باستغراب:
— بقولك فريد بيرجع خمسة… الساعة دلوقتي تلاتة ونص.
التفت إليها للحظة، ومنحها غمزة صغيرة.
اتسعت عيناها:
— أوعى يكون اللي فهمته صح!
ابتسم وهو يعيد عينيه للطريق:
— ما أنا شوفتك عنده منهارة… كان لازم أصالحك.
نظرت إليه بدهشة:
— تصالحني؟
أومأ:
— مقدرتش أشوفك زعلانة وأسكت.
سكتت لحظة، ثم قالت:
— بجد؟ يعني… أنت كنت مراقبني؟
تنهد بابتسامة:
— متعرفيش يا ليلى عملتي في عمران إيه.
التفتت إليه بفضول:
— عملت إيه؟
— مش فاهم.
— مش أنت بتقول “متعرفيش عملتي في عمران إيه”؟ عايزة أعرف عملت فيك إيه.
ابتسم، ثم قال بنبرة لا تقبل النقاش:
— قولي اسمي يا ليلى.
— ليه؟
— مش هتنازل عن دي.
ضحكت بخجل، ونظرت أمامها:
— خلاص بقى.
مد يده إليها، فظلت تنظر إلى كفه الممدودة بتردد.
قال بهدوء:
— إيدي وجعتني على فكرة.
ضحكت، ثم وضعت كفها في كفه.
شبك أصابعه بأصابعها، وقاد السيارة بيد واحدة.
وبعد لحظات، قالت:
— ممكن ترجعني البيت؟ مينفعش أتأخر بجد.
— حاضر، تؤمري.
ثم أضاف وهو ينظر إليها:
— بس اعملي حسابك… بكرة بعد الكلية هنخرج سوا. اعتبري اليوم بتاعك.
— بكرة؟ بس أنا مش هروح الكلية بكرة.
التفت إليها:
— ليه؟ عندك سكشن واحدة، مش هتحضري ليه؟
نظرت إليه بدهشة:
— إيه اللي عرفك؟
ابتسم وهو يركز عينيه في الطريق:
— عرفت حاجات كتير عنك يا حبيبي.
تجمدت للحظة.
الكلمة وحدها أربكتها.
حبيبي.
تورد وجهها بالكامل، وأدارت رأسها ناحية النافذة، بينما ضغط هو على كفها برفق.
ثم قال بصوت خافت:
— أنا عايز إيدك في إيدي دايمًا.
رفعت رأسها إليه، وترددت قبل أن تسأله:
— اوعدني… إنك متسبنيش.
توقفت السيارة أمام المبنى الذي تقطن به.
أطفأ المحرك، ثم التفت إليها بجسده كاملًا.
— مش هقدر.
نظرت إليه:
— يعني إيه؟
ابتسم بعينين امتلأتا بشيء أعمق من الكلام:
— إنتِ متعرفيش ليلى بالنسبة لعمران إيه.
اقتربت منه بنظرة طفولية صادقة:
— عايزة أعرف… ليلى بالنسبة لعمران إيه؟
لمعت عيناه، وقال بهدوء:
— نبض قلب عمران يا لولة.
ارتفعت نبضاتها حتى شعرت أنها ستفضحها.
سحبت كفها من يده برفق:
— هنزل.
أومأ، ثم قال:
— هكلمك بالليل… ردي عليا.
— حاضر.
استدارت لتفتح الباب، لكنه أوقفها:
— ليلى.
التفتت إليه:
— نعم؟
— لازم نقعد مع بعض ونتكلم في الأيام الجاية.
تغيرت ملامحها قليلًا:
— تقصد إيه؟
نظر إليها بجدية هذه المرة:
— أنا جاد جدًا في اللي بينا. لازم أتكلم مع فريد… وننزل لباباكي.
— بابا…
خرجت الكلمة منها مرتبكة، كأنها بدأت تستوعب أن الأمر لم يعد مجرد مشاعر وكلمات بينهما.
استدار إليها بكامل جسده، وأمسك كفيها بين يديه.
— أنا الأسبوع ده معرفش عدى عليا إزاي. وكل يوم بعيد عنك كان بيأكدلي حاجة واحدة… إني مش عايزك تبقي بعيدة عني.
سكت لحظة، ثم أكمل بنبرة أكثر هدوءًا:
— وأنا مش صغير علشان أفضل أخرج معاكي في السر، ولا عايز علاقتنا تفضل معلقة بين الخوف والتردد. أنا عايز رابط رسمي يطمنك ويطمني.
نظرت إليه:
— بس أنا لسه قدامي سنين لحد ما أخلص.
ابتسم، وانحنى قليلًا حتى التقت عيناه بعينيها:
— تكمليها وإنتِ جنبي. وبعد امتحانات الترم… هتكوني مراتي.
اتسعت عيناها، وخرجت منها الكلمة دون تفكير:
— يالهوي يا عمران… مراتك؟
تجمد للحظة.
لم يكن بسبب كلمة “مراتك” وحدها…
بل لأنها نطقت اسمه مجردًا، بلا لقب، وبذلك الخجل الذي جعل قلبه يلين تمامًا.
ابتسم، وقال:
— أيوه يا قلب عمران… مراتي.
ثم أضاف بنبرة أكثر جدية:
— ولولا إنك داخلة على امتحانات الأسبوع الجاي، كنت زماني دلوقتي عند باباكي.
اتسعت ابتسامتها، ثم سحبت كفيها من بين يديه وفتحت باب السيارة.
نزلت، وأغلقت الباب خلفها.
ظل يتابعها بعينيه حتى دلفت إلى المبنى واختفت عن أنظاره.
ظل ساكنًا للحظات، ثم أسند رأسه إلى مقعده، وأطلق زفرة طويلة.
ابتسم وحده.
— طفلة يا عمران…جابتك على جدور رقبتك
ثم هز رأسه وكأنه يلوم نفسه:
— عملت فيا ايه؟! ايه اللي فيها خلاك زي المراهق كدا
رفع نظره إلى المبنى، ثم قاد السيارة وعاد الى وجهته.