قدرًا لايشبهه من السادس للعاشر
خرج عمران بعد قليل، ثم عاد بنظره إليها.
كانت ليلى مستندة برأسها إلى ظهر الفراش، تحدق في سقف الغرفة بشرود
لم يقل شيئًا.
اتجه إلى خزانة الملابس، أخرج لها ثيابًا أنيقة وحجابًا، ووضعهما بهدوء على الفراش.
ـ هبعت والدتك علشان تجهزي… عندك موعد مع الدكتور.
لم تجبه، ولم تحرك عينيها عن السقف.
ظل واقفًا لحظة، وكأنه كان ينتظر منها كلمة واحدة… لكنها لم تأتِ.
خرج دون إضافة.
بعد فترة، كانت تجلس إلى جواره في السيارة.
كانت تجلس بصمتًا ثقيلًا، يخشى عمران أن تفقد صوتها من جديد
حاول أن يستفز منها أي حديث.
ـ تعرفي إن ملك أختي قدك؟
لم تجبه.
تابع وهو يقود:
ـ إمبارح عديت عليها، أول ما شوفتها افتكرتك.
استدارت إليه ببطء، وقالت:
ـ خاف عليها…
قطب حاجبيه.
ـ ليه؟
قالت بمرارة:
ـ علشان هيترد لك اللي عملته فيا.
نظر إليها للحظات.
ـ إنتِ شايفة كده؟
تهكمت من سؤاله، ثم أدارت وجهها نحو النافذة.
ـ أنا مش شايفة غير إنك إنسان مش كويس.
ضغط عمران على الفرامل فجأة، فتوقفت السيارة بعنف، وكادت سيارة خلفهما تصطدم بهما.
التفت إليها، والغضب يشتعل في عينيه.
ـ غلط… مش هسمحلك.
صمت لحظة، ثم قال:
ـ أنا بحبك، آه.
اقترب منها قليلًا، وصوته انخفض، لكنه ازداد حدة:
ـ بس اللي مش كويس ده، لو كان فعلًا مش كويس، كان زمانه قاعد حاطط رجل على رجل، وقاضي وقته مع كل واحدة شوية. كان زمانه مش فارق معاه تعيشي ولا تموتي، تتفضحي ولا لأ.
اشتد انفعال صوته:
ـ لكن أنا؟ أنا واحد غبي… حبيت واحدة غبية.
ارتجفت عيناها.
ـ لو كنتِ قلتيلي الحقيقة من الأول، مكناش وصلنا لكده.
أمسك ذراعيها، ثم انتبه إلى خوفها فخفف قبضته.
ـ إنتِ كنتِ مخطوبة لراجل تاني يا هانم… عارفة معنى الكلام ده بالنسبة لي؟
نظر في عينيها مباشرة.
ـ معناه إني بقيت راجل بحب واحدة مرتبطة بغيره، كان قريب منك وبيقعد معاكي
ترك ذراعيها، وعاد إلى مقعده خلف المقود.
ـ أنا مش ببرر لنفسي… أنا بقولك أنا وصلت لإيه بسببك… وبسبب غبائي.
أدار السيارة من جديد.
بعد قليل، كانت ليلى تجلس أمام جهاز الحركة داخل غرفة العلاج.
وقف بلال، طبيب المخ والأعصاب، أمامها بهدوء.
كان يعرف أن التعامل معها يحتاج إلى صبر أكثر من القوة.
اقترب من ساقها، وقال بنبرة مشجعة:
ـ طيب يا مدام ليلى… هنبدأ بهدوء. مش عايزين منك مجهود كبير. أنا هطلب منك تحاولي تحركي رجلك، حتى لو حركة بسيطة جدًا.
نظرت إليه دون رد.
وضع يده بطريقة مهنية على ساقها، ثم طلب منها:
ـ بصيلي… مش للساق. ركزي معايا.
انتظر لحظات.
ـ حاولي تحركي صوابع رجلك.
لم يحدث شيء.. كرر بهدوء:
ـ مرة تانية… خدي نفس، ومتستعجليش.
حاولت.. مرة…ثم مرة ثانية.
وعمران يراقب من بعيد، صامتًا، وعيناه لا تفارقانها.
قال بلال:
ـ كويس… حتى لو مفيش حركة ظاهرة، أنا عايزك تحاولي. المخ والجسم محتاجين وقت علشان يرجعوا يتعاونوا مع بعض.
اومأت مبتسمة، وحاولت، رفع بلال ساقيها بهدوء
هنا رفع عمران عينيه إليه.
ـ هو مفيش حد تاني يعمل لها الجلسات دي؟
نظر بلال إليه، ثم عاد إلى ليلى.
ـ يلا يا مدام ليلى، مرة كمان.
ثم قال لعمران بهدوء:
ـ مفيش علامة واضحة عندي على إصابة عصبية تفسر فقدان الحركة بالشكل ده، وده شيء مطمئن. لكن ده مش معناه إن الموضوع وهم أو إنها بتعمل نفسها.
سكت لحظة.
ـ الصدمة النفسية أحيانًا ممكن تأثر على الحركة فعلًا، والجسم يدخل في حالة تعطّل وظيفي. علشان كده العلاج محتاج صبر، وتدريب، وأمان نفسي.
ظل عمران صامتًا.
أمسك بلال ساق ليلى بحذر مرة اخرى، وطلب منها أن تحاول.
ـ ركزي… حاولي تدفعي رجلك ناحية إيدي.
حاولت.
ظهر ارتعاش بسيط.
ابتسم بلال
ـ أهو… شوفتي؟
رفعت عينيها إليه.. وهزت رأسها بسعادة
ـ ده مهم جدًا. مش لازم نستنى حركة كاملة من أول جلسة. أي استجابةeven لو بسيطة مكسب.
بدأ يحاورها في بعض الأمور، تأفف عمران
ورفع حاجبه.
ـ بس أنا عايز دكتورة بعد كده. أكيد مستشفى كبيرة زي دي مفيهاش غيرك.
رفع بلال عينيه إليه ببطء.
ـ حضرتك عايز دكتورة؟
ـ أيوه.. ايه مفيش
ـ دور بنفسك على دكتورة بالمواصفات اللي في دماغك.
عاد إلى مقعده، ثم قال للممرضة:
ـ حاولي معاها مرة كمان، وخليها هي اللي تبذل المجهود… ما تعمليش الحركة بدلها.
ثم نظر إلى عمران:
ـ وبالمناسبة، الثقة مهمة جدًا في العلاج. لو حضرتك مش واثق في الطبيب، ده هيأثر على المريضة قبل ما يأثر عليا.
ابتسم بسخرية خفيفة.
ـ ولا أقولك… عالجها إنت مادام مفيش ثقة بينك وبين الطبيب.
ثم أشار للممرضة:
ـ هاتي عصير بارد للأستاذ… شكل المدام مأثرة على أعصابه.
فتح عمران فمه ليرد، لكن صوت ليلى جاء خافتًا:
ـ عمران…
التفت إليها فورًا.
ـ نعم؟
رفعت يدها نحوه، تحاول أن تتحرك.
ـ تعالى… ساعدني. عايزة أقف.
تجمد عمران للحظة.
أما بلال فصفق مرة واحدة بحماس واقترب منها.
ـ برافو يا مدام ليلى!
ثم نظر إلى عمران وأشار إليه.
ـ اتفضل… ساعدها.
اقترب عمران منها، ومد يده.
وضعت ليلى كفها في يده.
كانت ساقاها ترتجفان، وجسدها لا يزال يرفض الاستجابة كما تريد.
لكنها حاولت.. مرة…ثم مرة أخرى.
وبلال يكرر بهدوء:
ـ براحة… متخافيش من الفشل. إحنا مش مستعجلين.
شد عمران على يدها دون أن يتكلم.
فتوقفت أخيرًا بين ذراعيه، ابتسم عمران
ولف ذراعيه حول جسدها
_وقفتي!!
هزت راسها باابتسامة، ثم اتجهت بنظرها الى بلال
_مش عارفة اشكر حضرتك ازاي
_لا… الاولى تشكري جوزك، عنده مناعة تخليكي تجري مش توقفي
رفع عمران حاجبه ينظر اليه بسخرية
_لا حضرتك اللي شاطر زيادة عن اللزوم
_طبعا، انا مش منتظر حضرتك تقيمني، بدليل وجودك في عيادتي
انحنى عمران وحمل ليلى
_ياله نمشي، قبل ماارتكب جناية، وانا لسة عريس جديد
ضحك بلال واراد استفزازه
_لسة عريس وقعدتها على كرسي، امال لما تعدي كام سنة
تحرك عمران وفهم أنه يداعبه بالحديث حتى يسعد ليلى، تحرك بها يضمها
_ايه رأيك نتغدى برة النهاردة
_لا… عايزة اروح عند فريد وحشني
وضعها بالسيارة دون جدال
بمنزل محمد والد هشام
_المحامي اخد الفلوس كلها يامحمد، يامصيبتي مش كان بيقول ميت الف بس، ازاي ياخد المبلغ دا
_الشرطة لقيت بانجو مع ابنك، وهو قالي هيشوف حد يشيل القض\ية ويقول هو اللي حطها من غير ماياخد باله
ضربت على صدرها
_يامصيبتي… يامصيبتي
دخلت ابنتها بحقيبة ملابسها تبكي
رفعت عيناها اليها
_نور… ايه اللي حصل
_مجدي طلقني ياماما… ومضاني على كل القايمة
_الحقوني ياناس، ياهو، هموت
خرج محمود والد ليلى
_محمد… يامحمد فيه ايه
_تعالى، يامحمود
دلف ينظر الى التي تبكي بنحيب
_مالك يابت يانور
_اطلقت ياعمي… قاطعهم رنين الهاتف
رفعه محمد واجاب
_بابا… كويس انك رديت، اديني ماما بسرعة
تلقت الهاتف
_خلاص ياهشام بكرة المحامي قال هيطلعك
_مش هطلع يما، الراجل اللي مصاحباه ليلى جه هنا وهددني، لو مالفتيش على بيوت البلد هفضل طول عمري محبوس
_لا لا… بيضحك عليك، المحامي قال لابوك واحد هيعترف ويقول انه هو اللي حط المخدرات
_المحامي سافر برة يما، بيضحك عليكوا، انا طلبت من الظابط اقابله علشان احكي له، طلبه المكتب بتاعه قال سافر من ساعتين، ضحك عليكوا يما
اطلقت منال صرخة اهتزت لها الجدران ثم سقطت مغشيا عليها
بغرفة ملك
توقفت تنهي زينتها، دلفت نيفين
_خلصتي ياملوكة
هزت راسها وقالت
_خايفة ماما تزعل يانيفين
ربتت على كتفها وقالت
_مالكيش دعوة بماما انت، يلا علشان تلحقي صحباتك
قبلتها ملك واتجهت الى الباب الخلفي، وخرجت من الفيلا، وحدت سيارة سوداء باانتظارها، خرج من السيارة يفتح ذراعيه اليها، لتركض اليه وتلقي نفسها بين أحضانه
عند ليلى
سحبت هاتفه وهو داخل الحمام، وظلت تفتش على رقم نيفين حتى وجدته
_هعرفك يابتاع نيفين هعمل فيك ايه
ارسلت إليها رسالة
_نيفين حبيبتي، انا مستنيكي في بيتي وحشتيني اوي، واسف لو زعلانة مني، ومتنسيش القميص الاحمر بتكوني فيه جنان
ارسلت الرسالة واغلقت الهاتف نهائيا، ثم وضعته على الكمودينو، وجلست تتصنع انشغالها بهاتفها، خرج من الحمام، وجسده يقطر بالمياه، رفعت عيناها اليه، ظلت تراقب وقوفه أمام المرآة، نظر اليها
_عايزة حاجة
اومأت له ونزلت ببصرها بخجل
_اه… كنت قولت لك مش عايزاك تنام معايا، غيرت رأيي، مش عايزة أنام لوحدي
نزع المنشفة من حول عنقه وألقاها
_وانا كنت هسمع كلامك اصلًا، انت مالكيش رأي عندي
_ياسلام، ليه إن شاء الله مش مراتك
اقترب منها وعلى وجهه ابتسامة خبيثة، ثم انحنى فتراجعت برأسها للخلف
_ششش… ابعد، ناقص
ضحك ثم سحبها من عنقها
_بموت فيكي
_وبعد ماتموت اخد حقي، من مين، يااستاذ يابتاع نفين
تجمد جسده للحظات، ثم غمز اليها
_طيب مافيكي ابقى بتاع ليلى تيجي نجرب
توسعت عيناها تدفعه بعيدًا
_ابعد كدا وانت عامل زي الحيطة، جتك نيلة في عضلاتك دي
تذكرت ملامسة نيفين اليه، ظلت تتابعه بعيونا لمعت بالدموع
_عمران انت بتحبني بجد، ولا بتمثل علي
نظر إليها وقال
_بلاش تسألي أسئلة تخليني اشيلك ارميكي من الشباك
_عندي حل احسن
تأفف ولم يكترث لحديثها، فاستندت عليه وقالت
_عايزة اشوف انت جايب لي هدوم ايه، مش انت جوزي وبتحبني
قطب جبينه مستفهما، اشارت الى غرفة الملابس
_عايزة أشوف حاجتي مش من حقي
انحنى ليحملها، ولكنها رفضت، واستندت تنقل ساقيها بصعوبة، حتى وصلت الى خزانة الملابس… تفحصتها جيدًا، إلى أن وقع عيناها على قميصًا أحمر شفاف، رفعت نظرها له، ثم قالت
_ممكن تطلع برة، عايزة اغير هدومي
_ممكن توقعي
_متخافش علي، مابيوقعش الا الشاطر، وانا شاطرة اوي بدليل وقعتك في حبي.
قبل رأسها وسحب الكرسي
_ارتاحي عليه، أنا مش هضغط عليكي
قالها وخرج، بينما نظرت هي للقميص
_والله لاعرفك يابتاع نيفين هعمل فيك ايه…