"اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك " نوفيلا قدرا لا يشبه بقلم سيلا وليد تبسّمت نيفين في انتصار، وقد شعرت أن مخططها يسير تمامًا كما أرادت. رفعت ذراعها حول عنقه، واقتربت منه أكثر، حتى فقد عمران قدرته على مقاومة تأثير ما وُضع في قهوته. أحاطها بذراعيه، وانحنى نحوها، يهمس بكلمات عاشقة وهو يظن، في غياب وعيه، أنها ليلى. كانت نيفين تشعر بنشوة الانتصار؛ ظنت أنها أخيرًا استطاعت أن تصل إلى قلبه، وأن ما ارتدته وما وضعته في قهوته قد جعلاه يسقط في غرامها. لكن ابتسامتها تجمدت فجأة. توقفت أنفاسها حين خرج اسم ليلى من بين همساته: — ليلى... اتسعت عيناها، وكأن الكلمة صفعتها. رفعت وجهها إليه تتأمل ملامحه، تبحث عن أي دليل يخبرها أنه يقصدها هي... لكن عينيه لم تكونا تريانها أصلًا. حاولت إخفاء ارتباكها، ولمست وجهه برفق، وهمست بصوت حاولت أن تجعله أكثر إغواءً: — عمران... وفجأة، انفتح الباب. شهقت ثريا حين وقعت عيناها على المشهد أمامها. — عمران! جاء صوتها كصرخة هزّت المكان. انتفض عمران، واعتدل بصعوبة، جسده مترنح وأنفاسه متلاحقة، وكأنه يستيقظ من غيبوبة لا يفهم كيف دخلها. أما ثريا فلم تهتم بحالته، فقد كانت عيناها معلقتين بنيفين، التي أسرعت بالنهوض من فوق الفراش، تحاول جمع ثيابها المرتبكة، وارتجفت شفتاها وهي تقول: — طنط ثريا... نظرت إليها ثريا باحتقار وصدمة، ثم عادت بعينيها إلى ابنها. — توصل للقذارة دي يا عمران؟! تجمد عمران. أغمض عينيه بقوة، محاولًا استيعاب كلماتها، حتى التقطت أذنه اسم نيفين. فتح عينيه ببطء، ثم التفت إليها. كانت واقفة أمامه، تتصنع الانهيار والدموع، بينما هو ينظر إليها وكأنها لغز مرعب لا يفهمه. مرر يده بعنف على وجهه. — إيه اللي حصل؟! خرج صوته مخنوقًا، مليئًا بالذهول. لم ينتظر إجابة. اندفع نحو الحمام، وأغلق الباب خلفه. اقتربت ثريا من نيفين، وصوتها يرتجف من شدة الغضب: — أنا قرفانة منك. — طنط ثريا، ماتفهميش غلط... عمران هو اللي... لم تسمح لها بإكمال جملتها. أشارت إلى الباب بحسم: — اطلعي برة الأوضة دي فورًا. خرجت نيفين، بينما بقيت ثريا واقفة للحظات، تنظر إلى الباب المغلق خلف ابنها، وقلبها يعتصرها مما رأت. في الداخل، وقف عمران تحت الماء وقتًا طويلًا. كان الماء ينساب فوق رأسه ووجهه، لكنه لم يستطع إطفاء الفوضى التي اشتعلت داخله.. صور متقطعة.. صوت ثريا. اسم نيفين. اسم ليلى الذي كان يردده.. لقد تخيلها بين ذراعيه رفع رأسه، وضرب جبينه بالحائط، ثم أغلق عينيه بقهر. — إيه اللي حصل لي؟ شهق بأنفاس متقطعة، ثم قبض يده بقوة. — لدرجة دي بقيت ضعيف؟ ضرب الحائط مرة أخرى، وقد تحول الذهول إلى غضب على نفسه. — إزاي فقدت السيطرة على نفسي بالشكل ده؟ ظل واقفًا تحت الماء، عاجزًا عن مواجهة الحقيقة التي لا يتذكر تفاصيلها، لكن شيئًا داخله كان يصرخ بأن ما حدث لم يكن طبيعيًا. رفع رأسه، وخرجت منه صرخة مكتومة: — آاااه! ضرب بقبضته الباب الزجاجي بعنف، فاهتز المكان من حوله، قبل أن يسند جبهته عليه، مغمضًا عينيه، يحاول التقاط أنفاسه المتلاحقة. كان صدره يعلو ويهبط بعنف خرج بعد قليل، يلتف بمنشفة حول خصره، واتجه إلى غرفة ملابسه بخطوات ثقيلة، لا يرى أمامه ولا يسمع شيئًا. ارتدى ملابسه على عجل، ثم خرج، وما زالت قطرات المياه تنساب من شعره وعنقه، شاهدة على محاولته اليائسة أن يغسل عن جسده وذاكرته ما حدث. كانت والدته تنتظره. نهضت فور رؤيته واقتربت منه، لكنه رفع يده يمنعها، وقال بصوت منهك: _ماما... أنا تعبان وعايز أنام. نظرت إليه بقهر، ثم قالت: _مش لما تفهمني إيه اللي حصل! أنا لما البنت قالت لي إنها شافت نيفين جاية عندك بقميص نوم، ما صدقتش... اضطريت أشوف الكاميرات بنفسي. ليه يا ابني؟ ليه كده؟ من إمتى وإنت معاها بالشكل ده؟ رفع عينيه إليها. كان في عينيه شيء جعل قلبها يرتجف... قهر، وندم، ودموع حبيسة تقاوم السقوط. _ماما... لو سمحت، أنا عايز أنام. لكنها لم تتراجع، اقتربت منه ولكزته في صدره بقوة، والدموع تلمع في عينيها: _مش همشي من هنا غير لما أفهم! إزاي وصلت للقذارة دي يا عمران؟ إزاي؟ أنا ربيتك أحسن تربية، عمري ما تخيلت أشوفك بالشكل ده! أغمض عينيه للحظة، وكأن كلماتها كانت أقسى من أن يحتملها. ثم انحنى، التقط هاتفه ومفاتيحه، وتحرك نحو الباب دون أن ينطق بحرف. _عمران! لم يلتفت. _عمران استنى... أنا بكلمك! لكنه خرج وأغلق الباب خلفه، تاركًا والدته تحدق في أثره، وقلبها يرفض تصديق ما رأته عيناها. أما نيفين، فبمجرد أن دلفت غرفتها أغلقت الباب خلفها، وأسندت ظهرها إليه، تلتقط أنفاسها المتسارعة. وضعت يدها على صدرها وهمست بضيق: _الله يخرب بيتك يا ست حرباية... كان لازم تيجي في الوقت ده؟ وبعدين بقى؟ اتجهت إلى المرآة، وما إن وقعت عيناها على انعكاسها حتى تجمدت للحظات. آثار ما حدث ما زالت واضحة، فرفعت يدها تتحسس عنقها دون وعي، وأغمضت عينيها. ارتجف قلبها. لم تكن تحبه... لكن شيئًا ما تغير بداخلها منذ قربه منها شيء جعلها لا تريد الابتعاد عنه، رغم أنها تعرف جيدًا أن ما تشعر به ليس حبًا حقيقيًا، بل تعلقًا بما جعلها تشعر به بين ذراعيه. وفجأة...تذكرت همسته. والأسم الذي خرج من بين كلماته، تتذكر كيف كان ملهوفًا بها، ظنًا أنها ليلى، رددت الأسن _ليلى... فتحت عينيها بحدة، وانقبض قلبها. _مين ليلى دي كمان، لازم أعرف مين ياعمران بيه في تلك اللحظة، انفتح الباب بعنف، ودلفت ثريا. رفعت نيفين رأسها مذعورة، بينما قالت ثريا بصوت بارد، لكنه يحمل غضبًا هائلًا: _لمي هدومك وامشي من بيتي. شهقت نيفين، واقتربت منها سريعًا، ثم أمسكت بكفيها وانفجرت باكية: _لا، أرجوكي يا طنط ثريا... أنا بحب عمران أوي، وهو كمان بيحبني! وكان مستني الفرصة المناسبة علشان يقولك... علشان خاطري يا طنط، سامحينا تجمدت ثريا في مكانها. _يعني عمران بيحبك إنتِ؟ هزت نيفين رأسها بخجل مصطنع، وأنزلت عينيها إلى الأرض. _حضرتك شوفتي كل حاجة بعينيكي... يعني هكدب عليكي ليه؟ هنا.. عادت إلى ذهن ثريا صورة ابنها قبل دقائق... عيناه المليئتان بالاضطراب، أنفاسه المتقطعة، حالته التي جعلت أي شخص يراه يقسم أنه كان غارقًا في عشق امرأة. ارتبكت للحظة، صدقت نيفين. لكن شيئًا في داخلها ظل يرفض. خرجت من الغرفة وعقلها يعصف بعشرات الأسئلة. كلمات ابنها عن فتاة بريئة لا تفارق ذهنها. فتاة بريئة... لكن من يقصد؟ هل كان يقصد نيفين حقًا؟ هزت رأسها بقوة. _لا... لا، الموضوع ده فيه حاجة غلط. وفجأة تذكرت كلام الخادمة. توقفت في منتصف الممر. _ثريا هانم... في حاجة عايزة أقولها لحضرتك، بس والنبي ما تفهمينيش غلط. التفتت إليها ثريا: _قولي يا بنتي. خفضت الخادمة صوتها: _وأنا بودي كوباية اللبن لملك هانم، شوفت نيفين هانم داخلة أوضة عمران بيه، وكانت لابسة قميص نوم... استغربت، وكنت مفكرة إنها رايحة تجيب حاجة من الأوضة. وقفت مستنية تخرج، بس ما خرجتش. دخلت بهدوء وفتحت الباب سنة صغيرة... لقيتها نايمة على سريره، وبتبص لنفسها وبتتحرك في القميص كأنها بتلفت نظره ليها. حدقت ثريا فيها طويلًا، ثم أشارت بيد مرتجفة: _اطلعي بره. انصرفت الخادمة فورًا. أما ثريا، فاتجهت بخطوات سريعة إلى غرفة المراقبة. جلست أمام الشاشات، وبدأت تعيد تسجيلات الكاميرات. مرت الدقائق ببطء قاتل... حتى ظهرت نيفين. توقفت أمام الكاميرا، ثم اتجهت بخطوات واثقة ناحية غرفة عمران. كانت تحمل شيئًا في يدها، وتلتفت حولها قبل أن تدخل. حبست ثريا أنفاسها، أعادت المقطع. ثم أعادته مرة أخرى. كلما شاهدته، ازداد يقينها بأن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا. تطلعت على حركات نيفين وتذكرت حالة عمران وهو يقبلها، شعرت بأن دماغها ستنفجر، همست _يا ابني... إنت وقعت في إيه؟ ثم عادت صورة عمران إلى ذهنها. ذلك القهر في عينيه... ثم هزّت رأسها، وعيناها تمتلئان بالقلق. _يا ترى إنت كنت تقصد مين يا عمران؟ .علمت أن ابنها قد يكون وقع في فخ امرأة تعرف جيدًا كيف تستغل لحظة ضعف، وتخلط الحقيقة بالكذب. وفي مكان آخر... ظل عمران يقود سيارته بلا وجهة، يجوب الشوارع وكأنه يهرب من نفسه كانت عيناه حمراوين، وملامحه غارقة في ألم لم يستطع إخفاءه، حتى توقف أخيرًا أمام النيل. أطفأ المحرك، وبقي مكانه للحظات، يحدق في المياه الساكنة أمامه. ثم انحنى برأسه إلى المقود، وأفلتت دمعة رغما عنه. رفع رأسه إلى الخلف، وأغمض عينيه. _أنا مش كده... خرجت الكلمات مبحوحة، كأنه يحاول إقناع نفسه قبل أي شخص آخر. لكن كلما أغمض عينيه، عادت إليه تفاصيل ما حدث. قربه من نيفين...ارتباكه... ضعفه...تلك اللحظات التي فقد فيها السيطرة على نفسه. وضع كفه على وجهه بعجز. _إزاي وصلت لكده؟ ظل صامتًا للحظات، ثم تسللت إلى ذهنه ليلى. اسمها وحده كان كافيًا ليعتصر قلبه. أحبها إلى الحد الذي جعله يرى ملامحها في كل امرأة تقترب منه... أو ربما كان قلبه متعلقًا بها لدرجة أنه لم يعد يرى العالم إلا من خلالها. فتح عينيه، وعاد ينظر إلى النيل بقهر. ثم همس، وكأن الكلمة خرجت من أعمق جرح فيه: _خونتها... ابتلع غصته.. أغمض عينيه بقوة، ثم تمتم: _ليلى... كان اسمها هذه المرة أشبه باستغاثة، حتى يهدأ قلبه في منزل فريد... ما إن انتهى هشام من كلماته حتى التفت فريد إلى شقيقته، وعلامات الصدمة تملأ وجهه. _إيه اللي بيقوله ده يا ليلى؟ ابتعدت عنه وهي تبكي بقهر، وكأنها لم تعد قادرة على احتمال المزيد. _عايزين مني إيه؟! واحد جاي بيقولي نتجوز، والأستاذ اللي ضحك عليّا وفهمني إنه بيساعدني... مستني مني أقوله بحبك وبموت فيك؟! نظر إليها فريد بحيرة: _إنتِ قولتي له كده وخلاص؟ استدارت إليه، وعيناها ممتلئتان بالدموع: _فريد... أنا مستحيل أتجوز البني آدم ده، سمعتني؟ مستحيل! أنا ممكن أموت نفسي وأريحكم كلكم! قالتها، ثم اندفعت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها. ظل فريد يحدق في الباب، ثم التفت إلى هشام بغضب: _أظن سمعت بنفسك... هي رافضة يا هشام. هتتجوز واحدة غصب عنها؟ انحنى هشام والتقط سترته، ثم نظر إليه بنظرة حادة: _أيوه، هتجوزها غصب عنها. ليلى مش هتكون لحد غيري... افهمها كده يا ابن عمي. قالها وغادر، بينما ظل فريد يراقبه بصمت، وقد اشتعل الغضب في عينيه. جلس على المقعد، ومسح وجهه بعصبية، ثم التقط هاتفه واتصل بوالدته. _أيوه يا ماما. جاءه صوتها بحنان: _حبيبي، عاملين إيه؟ كويس إنك اتصلت. اسمعني كويس يا فريد... ما تنزلش بأختك. رغم إنكم وحشتوني أوي، بس بلاش. قص عليها فريد كل ما حدث. وما إن انتهى حتى هبت والدته غاضبة: _يتضرب على إيده ابن منال! إنت إزاي تسكت على حيوان بالشكل ده يمد إيده عليها؟ تنهد فريد: _مكنتش موجود يا ماما. _فريد، كلم أبوك دلوقتي، وتقوله إنك مش هتنزل. و ليلى عندها أي حاجة في الكلية،. المهم يا حبيبي تعمل اللي بقولك عليه، لحد ما أظبط أموري مع خالك وأجيلكم. عقد فريد حاجبيه: _تقصدي إيه يا ماما؟ _ولا حاجة... المهم تعمل اللي بقولك عليه. أنهت المكالمة، بينما ظل فريد ينظر إلى الهاتف بشرود. في غرفة ليلى... جلست على حافة الفراش، ثم انهارت بالبكاء. كيف كانت حالها منذ ساعات؟ وكيف أصبحت الآن؟ كل شيء انقلب فجأة. لم تعد تريد سوى شيئًا واحدًا...أن تكون معه. تمدّدت فوق فراشها، وضمت جسدها كطفلة صغيرة، ودفنت وجهها في وسادتها، تهمس باسمه بين شهقاتها: _عمران... غلبها التعب، فاستسلمت للنوم. بعد وقت، طرق فريد الباب بخفة، ثم دلف. توقف حين رآها نائمة بثيابها وحذائها. اقترب منها بحنان، وانحنى يخلع حذاءها، ثم أزاح عنها سترتها الصوفية. فتحت عينيها ببطء، وما زالت آثار البكاء واضحة عليهما. نظر إليها فريد بحنان أخوي، ثم احتضنها ومسح على شعرها. _خلاص يا حبيبتي... اهدي. محدش هيقدر يغصبك على حاجة. تشبثت به كأنها وجدت أخيرًا مكانًا آمنًا تبكي فيه. _مش عايزة هشام يا فريد... مبحبوش. قبّل رأسها، وقال بهدوء: _خلاص... انسي. لا فيه هشام ولا غيره، طول ما إنتِ مش عايزة. رفعت عينيها إليه: _يعني هتقول لبابا؟ مرر أصابعه على وجهها يمسح دموعها: _هقوله يا حبيبتي. إنتِ بس انسي أي حاجة دلوقتي... وقومي كلي حاجة. هزت رأسها برفض، ثم عادت تتمدد: _لا... مش عايزة. هنام. ابتسم رغم حزنه: _هتنامي بهدومك؟ أومأت كطفلة عنيدة. سحب الغطاء فوقها، وانحنى يقبل جبينها. _تصبحي على خير يا حبيبتي. خرج وأغلق الباب خلفه. لكن بعد خروجه، فتحت ليلى عينيها. حدقت في سقف الغرفة، وانهمرت دموعها من جديد. كلما حاولت أن تغمض عينيها، ظهر عمران أمامها.. صوته.... نظراته...حنانه... ذلك الشعور الذي لا تعرف كيف تشرحه، لكنها تعرف شيئًا واحدًا عنه... أنها لا تستطيع العيش بعيدًا عنه. مدت يدها إلى هاتفها، وبلا تردد اتصلت به. كان عمران لا يزال جالسًا داخل سيارته أمام النيل.. رن هاتفه. نظر إلى الشاشة...وتوقف قلبه للحظة. علم أنها ليلى، لأن هذا الرقم لم يكن يرن عليه غيرها ظل يحدق في اسمها طويلًا، وكأنه يخشى أن يجيب فيسمع شيئًا يزيد جرحه. رن الهاتف مرة. ثم ثانية.ثم ثالثة. وفي النهاية، سحب الهاتف وفتح الخط، لكنه ظل صامتًا. جاءه صوتها مبحوحًا بالبكاء: _عمران... اعتدل في جلسته فورًا. اختفى كل شيء من رأسه، ولم يبقَ سوى صوتها. _مالك؟ صوتك ماله؟ خرجت منها شهقة مكتومة. _عمران... هذه المرة صاح بقلق: _ليلى! مالك؟ بكت وهي تقول بصوت مرتجف: _وحشتني أوي... أغمض عينيه.. كم انتظر أن يسمع هذه الكلمة منها... وكأن قلبه الذي كان ينزف منذ ساعات وجد فجأة من يربت عليه. ظل صامتًا لحظات، ثم قال بصوت خافت: _وإنتِ كمان وحشتيني... نظر إلى النيل أمامه، وكأن كل غضبه انهار ثم قال: _ليلى... عايز أكلم والدك. تذكرت هشام، فارتبكت سريعًا: _بلاش دلوقتي يا عمران... خليني أخلص السنة دي. بابا هيرفض، وممكن يحرمني من الكلية. _لا... لا، مالكيش دعوة. أنا هقنعه. عضت على شفتيها، وتذكرت كلام زوجة عمها عن الأرض وكل الضغوط المحيطة بها. _لو بتحبني، بلاش دلوقتي... بابا وأنا عارفاه. والله ممكن يمنعني أروح كليتي، ويحرمني منك. سكتت لحظة، ثم خرج صوتها ضعيفًا: _عمران... أنا مقدرش أبعد عنك. تجمد في مكانه. كل ألم شعر به قبل دقائق عاد يضرب قلبه، لكن هذه المرة كان ممزوجًا بشيء يشبه الراحة. _طيب... إنتِ عايزة إيه؟: _متسبنيش... أوعى تبعد عني. أنا بحبك أوي. شهقت، ثم تابعت برجاء: _اوعدني يا عمران... اوعدني إنك متبعدش عني مهما حصل. أغمض عينيه، وابتسم رغم الدموع التي تجمعت في عينيه _أوعدك يا نبض قلب عمران. سكت لحظة، ثم قال بحنان: _ممكن بقى تنامي دلوقتي؟ ضحك بخفة، وكأن صوتها أعاد إليه روحه: _الصبح هعدي عليكي... أصل أنا لو فضلت أسمع صوتك كده، هاجيلك دلوقتي ومش هيهمني حد. اتسعت عيناها بقلق: _هتيجي إزاي الصبح؟ مش هينفع... هقول لفريد إيه؟ صمت لحظة، ثم قال بثقة هادئة: _هينفع. _عمران... _حبيبتي، المهم تنامي. وتأكدي من حاجة واحدة... سكتت تنتظر. _إنك بتوحشيني حتى وإنتِ جنبي. اتسعت ابتسامتها، وهمست: _بجد؟ ضحك بحنان: _بجد أوي يا ليلى... يلا، تصبحي وإنتِ في حضني يا نبض قلبي. أغمضت عينيها، وضمت الهاتف إلى صدرها، وكأنها تعانقه هو. ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، وهمست قبل أن يغلبها النعاس: _بحبك أوي... يا عمران. باليوم التالي بمنزل والد ليلى طرقات قوية على باب المنزل، فتحت وفاء الباب _ايه ياهشام، براحة _شفتي بنتك يامرات عمي، بتقولي بتحب واحد تاني، بنتك تعرف راجل وهي مخطوبة، بنتك الخاينة صفعة قوية حتى عاد هشام الى الخلف دفعة قوية منها _رايح تضرب بنتي، ليه مالهاش اهل بنتي مين يلا اللي خاينة ياصايع ياضايع يابتاع البنات وصلت منال على صوت وفاء _ماتهدي ياختي وتسمعي الواد، بيقولك بنتك ماشية على حل شعرها _اخرصي قطع لسانك انتي وابنك الصايع، مفكرة بنتي زي بناتك، متخلنيش ادخل في اعراض حد اشارت الى هشام _نص الراجل دا جه واتفق معانا، قالها هخطبك كدا وكدا قدام الناس، بس العيب مش عليه، العيب علي انا اني فكرته راجل وهو مش محصل بنت مراهقة دفعت منال ابنها واقتربت منها _براحة ياست وفاء، ايه ياختي، مفكرة مفيش غير الغندورة بنتك، دا انا اجوزه ست ستها وهو حاطط رجل على رجل، بس جوزك اللي جه واتحايل عليه علشان يستر البنت _منال... صاح بها محمود بعدما استمع الى كلامتها ارتبكت وتصنعت البكاء. _شوفت يامحمود مراتك بتقول علينا ايه _امشي دلوقتي يامنال، عيب اللي بيتقال دا _عمي انا روحت لليلى. هي رفع يده وقال _ليلى مش هتنزل دلوقتي ياهشام، فريد كلمني وقال عندها تدريبات، ليه يابني تروح وتجبرها علشان تيجي، انت وافقت من الاول، يبقى استحمل _عمي بقولك... ولكنه قاطعه وهو يدلف للمنزل _خلاص ياهشام، اخوها قال لما تخلص تدريبها هتنزل، ثم التفت الى منال _انا بنتي ست الينات يامنال، مش بايرة علشان اتحايل عليكي ولا على غيرك، بس انا قولت ابن عمها اولى بيها اقتربت منها سريعا وغيرت جلدها كحية _ليلى دي نوارة العيلة يامحمود، بس انت مسمعتش وفاء، يرضيك تقول على هشام صايع وبتاع بنات، هي عصبتني ورديت من حرقتي على ابني استدار يرمق وفاء ولكنها دلفت للداخل ولم تكترث لنظراته، اتجه بنظره الى منال _حقك علي متزعليش، هي زعلانة علشان ليلى وفريد بقالهم شهر منزلوش _علشان خاطرك بس يامحمود، والله لو مش انت لكنت عرفتها شغلها _تسلمي ياام هشام بمنزل عمران نهض بكسل على رنين هاتفه _عمران بيه فيه اجتماع على تلاتة، وبعده عشا عمل... استمع الى مديرة اعماله _تمام... جهزي كل حاجة، وابعتي لعلي علشان يحضر الاجتماع، انا هرجع على الوقت _حضرتك مش هتيجي النهاردة كمان _لا... هاجي على الاجتماع _تمام يافندم، يعني اخلي علي بيه هو اللي يراجع مش شهاب بيه _اه... خلي علي نهض متجهًا للحمام، دقائق وخرج يرتدي ملابسه، توقف امام المرآة يعدل من وضعية ثيابه، رفع هاتفه كانت ماتزال تغط بنوم عميق، فتحت عيناها على رنين الهاتف _الو.. قالتها بصوت ناعس، جعل قلبه كالمعذوفة، توقفت يداه فوق زر قميصه، وتخيل نومها على فراشه، واقترابه منها ييوقظها _الو مين _والله... يعني بتردي وانت مش عارفة مين، وكمان بتردي بصوتك دا اعتدلت تجمع خصلاتها _عمران _احمدي ربنا اني اللي اتصلت، بعد كدا ماترديش على حد وانت نايمة كدا _صباح الخير.. على أحن راجل في الدنيا امتصت غضبه بكلماتها الرقيقة _صباح الحب حبيبي... يلا قومي شوية وهعدي عليكي _ازاي بس، انا مقدرش اخرج من غير مااقول لفريد _ليلى... انت خارجة معايا، الاذن يكون مني مش من فريد _بتقول ايه ياعمران، انت ناسي انه اخويا _وأنا هكون جوزك هتف بها بقوة جعلت قلبها يقفز بين ضلوعها _خلاص... هتصل بيه، بس مش عارفة اقوله ايه _قولي له الحقيقة ياليلى، انا مابسرقش، انت هتكوني مراتي _مينفعش صدقني دلوقتي خالص، عمران انا خايفة حد يعرف دلوقتي، واضطر ابعد، الوقت دا مش في صالحنا _مش فاهم ياليلى _بعدين ياعمران، هقوم اجهز، واكلمه علشان اقابل احسن راجل في الدنيا _تمام حبيبتي هستناكي اغلقت الهاتف والقته، دمعة تدحرجت على وجنتيه _ربنا يسامحك يايابا، لو مكنش فيه هشام زفت كنت زماني بجري عليك واقولك بنتك احن راجل في الدنيا عايزها اعمل ايه دلوقتي، ياربي انا مش عايزة اتجوز هشام دا، بكرهه احتضنت ركبتيها ونزلت دموعها _مش هقدر ابعد عن عمران، ليه يابابا تعمل فيا كدا بعد فترة توقفت أمام المرآة، لفت حجاب بسيط على خصلاتها، وانهت زينتها البسيطة من كحل عربي واحمر شفاة، ثم رفعت هاتفها _صباح الخير حبيبتي _فريد هنزل اشتري شوية حاجات محتاجاها، فيه مولات عاملة تخفيضات حلوة نظر بساعته _دلوقتي ياليلى، خليكي بالليل _لا حبيبي، هروح مع واحدة صاحبتي، هنلف كتير وممكن مانرجعش غير بالليل _مين صاحبتك دي، انا اعرفها _اه... ايناس _تمام، خلي بالك من نفسك، لو احتجتي فلوس كلميني على طول احولك _حبيبي يافريد متحرمش منك يااجمل اخ بعد فترة، كانت تجلس إلى جواره في السيارة، والسعادة ترفرف داخل قلبها كفراشة صغيرة لم تعرف طريقها إلى الفرح من قبل. قاد عمران بها إلى أشهر معالم القاهرة، يتنقلان بين الشوارع القديمة، حتى وصلا إلى الأهرامات. ترجّلت ليلى من السيارة، لتتحول إلى طفلة صغيرة؛ تركض أمامه ببراءة، تضحك كلما التفتت إليه، بينما كان هو يرفع هاتفه ليلتقط لها الصور واحدة تلو الأخرى.: — كفاية صور بقى يا عمران! أنهيا جولتهما، وعادا باتجاه السيارة، رن هاتف عمران. أجاب وهو ينظر إلى الشاشة: — أيوه. جاءه صوت رجاله: — عمران بيه، الاجتماع. رفع عمران عينيه عن الهاتف، فوقعت على ليلى التي كانت تقف أمامه بابتسامة مشرقة. اقتربت منه، ثم احتضنت ذراعه بعفوية. — يلا... علشان شغلك. وأنا كمان هعدي على فريد. أنهى المكالمة حين قال: — نص ساعة وأكون في الشركة. ثم أمسك كفها، وعادا باتجاه السيارة. وقبل أن يستقلاها، وقعت عيناه على بعض المحال الصغيرة التي تفترش أمامها قطعًا من التحف والهدايا المستوحاة من الحضارة الفرعونية.. توقف فجأة. — خليكي هنا... راجع. — رايح فين؟ — دقيقة واحدة. اتجه إلى أحد الباعة، وظل يتفحص الأشياء المعروضة، حتى وقع اختياره على قطعة صغيرة أنيقة، دفع ثمنها وعاد إليها. مد يده بها نحوها. — خدي. نظرت إليها باستغراب. — دي إيه؟ ابتسم وهو يجيب ببساطة: — ذكرى... علشان لما تكبري توريها لأولادنا وتقولي لهم إن أبوكم جابهالك هدية. توقفت الكلمة في أذنيها. أولادنا... أبوكم.. لم تسمع سواهما. رفعت عينيها إليه، وظلت تحدق في وجهه بصمت، ثم احتضنت ذراعه أكثر. تساءلت في داخلها، بدهشة فتاة لم تعرف من الدنيا سوى الخوف: ماذا فعلت في حياتي حتى يرزقني الله رجلًا مثله؟ انتبه عمران إلى نظراتها. — بتبصيلي كده ليه؟ ابتسمت، وقالتها للمرة الأولى دون خوف: — بحبك أوي. توقف قلبه للحظة. رغم انه كان يعرف مشاعرها، يشعر بها في نظراتها وارتباكها، لكنه حين سمعها تنطقها بهذه البساطة، شعر أن شيئًا داخله قد اهتز. رفع يده، ومرر أنامله برفق على وجنتها، ثم توقف عند شفتيها المطليتين بالأحمر، ومسح أثر اللون بطرف إصبعه، وقال بنبرة امتزج فيها الحب بغيرة صادقة: — بقيت بغير عليكي أوي... متحطيش حاجة تاني على وشك. ابتسمت بخجل، لكنه أكمل وهو يبتسم: — ده يتحط لي لما نتجوز. لم تستطع منع دموعها. انزلقت دمعة وحيدة على وجنتها. اعتدل واقفًا أمامها، ثم احتوى وجهها بين كفيه. — ليه الدموع دي؟ وهنا لم تعد قادرة على الصمود. اندفعت نحوه، وألقت نفسها بين ذراعيه، وانفجرت في البكاء. لم تكن تريد شيئًا سوى ذلك الحضن. ذلك الأمان الذي افتقدته، والدفء الذي جعلها للمرة الأولى تشعر أن هناك مكانًا في هذا العالم يمكنها أن تختبئ داخله دون خوف. ضمها عمران بقوة، وأغمض عينيه، وكأنه يتمنى لو يستطيع أن يحميها من كل شيء يؤلمها. همس فوق رأسها: — الدموع دي خاصة بيا يا ليلى... قولي الدموع دي خاصة بيا، غير كده مش هسمح. لم تجبه.. همست همسًا مكسورًا: — متسبنيش... أنا بحبك أوي. طبع قبلة طويلة فوق رأسها، ثم أبعدها برفق، وفتح لها باب السيارة. جلست، استقل مقعد القيادة، وظل ينظر إليها لحظات.. هربت من عينيه بخجل. قاد السيارة، وبعد دقائق مد ذراعه نحوها، فاستقرت بين ذراعيه دون اعتراض. لم تكن تريد الحديث.. كانت فقط تريد أن تبقى هكذا...قريبة منه.. آمنة. بعد فترة، لمح محلًا للمجوهرات، فتوقف. التفت إليها مبتسمًا: — حبيبتي، هنزل أجيب حاجة وراجع. أومأت له. دخل المحل، وظل يتفحص الخواتم والدبل، يشعر بأن كل قطعة يراها كانت تحمل صورتها رفع هاتفه واتصل بها: — ليلى، انزلي وتعالي حبيبتي. — انت فين؟ خرج من المحل، وأشار إليها. — شايفاني؟ تحركت نحوه، فاحتضن كفها ودخل بها. — عمران... جايبنا هنا ليه؟ وضع إصبعه على شفتيها مبتسمًا: — ششش. ثم التفت إلى البائع: — عايز أجمل الخواتم والدبل اللي عندك. سحبت ليلى يدها بسرعة. — عمران... التفت إليها. — مهما تقولي، مش هسمع كلامك. سمعت منك كتير ووافقت... المرة دي بقى رجاءً تسمعي كلامي. أخرج البائع مجموعة من الخواتم. ظل عمران يتنقل بينها حتى وقعت عيناه على خاتم رقيق تتوسطه نجمة صغيرة من اللؤلؤ الأزرق. أشار إليه — عايز ده. نظرت ليلى إليه بذهول. — عمران... ده شكله غالي أوي. رفع حاجبه ساخرًا — هيغلى على مرات عمران الزيني يا لولو؟ لم تعرف بماذا تجيبه. خرجت من المحل ودموعها تنساب بصمت. لم تكن دموع فرح، بل صورة أبيها تمر أمام عينيها، وصوته حين هددها بألا تكمل تعليمها، وخوفها من اليوم الذي قد يُنتزع فيه هذا الحلم من يدها.. ورضخها للعبة ابن عمها كل هذا يحدث تحت انظار شهاب الذي كان يراقبهما منذ خروجهما من المنزل. استقل عمران السيارة إلى جوارها، ولاحظ دموعها.. أسرعت بمسحها. فتح العلبة وأخرج الخاتم. — دي هدية... علشان متزعليش، مجبتش دبل. أمسك كفها برفق، وألبسها الخاتم. ثم رفع يدها إلى شفتيه وقبّلها. — عقبال ما ألبسك الدبلة في إيدك الشمال يا حبيبتي. نظرت ليلى إلى الخاتم طويلًا، ثم رفعت عينيها إليه. ثم وضعت رأسها على كتفه، واحتضنت ذراعه. — تعرف نفسي في إيه؟ لف ذراعه حولها، وقال مبتسمًا: — انتي تأمري... متفكريش حتى. رفعت رأسها، وتأملت وجهه القريب. رفعت أناملها إلى وجهه، تمررها برفق، وكأنها تحفظ ملامحه في ذاكرتها.. أو كأنها تودعه، ثم قالت بصوت خافت: — نفسي أموت وأنا في حضنك. توقفت السيارة فجأة، والتفت إليها عمران بفزع. — إيه اللي بتقوليه ده يا ليلى؟ ليه بتوجعي قلبي كده؟ ابتسمت رغم دموعها: — علشان بحبك أوي يا عمران... أوي. ثم أعادت رأسها إلى كتفه. نظر إليها طويلًا دون كلام. كان قلبه يرتجف من تلك الجملة، فقاد السيارة من جديد، لكنه هذه المرة ظل ممسكًا بيدها. بعد ساعات، كان عمران داخل الاجتماع، بينما ذهبت ليلى إلى أخيها فريد. جلست تحكي له عن جولتها، عن الأهرامات، وعن كل مكان رأته، وكأنها عادت طفلة من رحلة مدرسية. ابتسم فريد وهو يضع فنجان قهوته: — المهم اتبسطتي؟ أضاء وجهها: — أوي أوي يا فريد... أحسن يوم في حياتي كلها. _طيب ليه غيرتوا رأيكم ومرحتوش اشتريتوا حاجة _معجبناش حاجة وقعت عيناه على الخاتم في يدها. — ليلى... إيه الخاتم ده؟ ارتبكت للحظة، وتذكرت تحذير عمران: أوعي تخلعيه مهما يحصل... دي أول هدية مني. ابتسمت وقالت: — عجبني واشتريته. أمسك فريد كفها يتفحص الخاتم. — شكله غالي. — تقليد يا حبيبي... جبته بخمسمية جنيه.. حلو!! نظر إليها بشك، ثم ابتسم. — إيدك اللي مخلياه حلو يا حبيبتي. ابتسمت بخجل. عاد إلى مكتبه وقال: — عندي شوية شغل. لو جعانة أو زهقانة روحي. — لا، هلف شوية في الشركة. نظر إليها بتحذير أخوي: — بلاش يا ليلى، علشان عمران بيه ميزعلش. ضحكت: — متقلقش... هشوف أماكن معينة بعيدة عنه. خرجت.. ظل فريد يتابعها بعينيه حتى اختفت، تنهدت قائلة — يا ريت ينفع أبعد يا فريد... أختك وقعت وخلاص. صعدت ليلى إلى مكتب عمران. وجدت السكرتيرة أمامها. — هقابله ولا هتقولي زي كل مرة؟ ابتسمت السكرتيرة: — لا، اتفضلي. هو قالي لو جيتي في أي وقت أدخلك. — هو عنده حد جوا؟ — لا، لسه خارج من الاجتماع من نص ساعة، بس قال ما يدخلش حد... شوفي كده يمكن يقابلك. — شكرًا. دلفت إلى الداخل. تجولت عيناها في المكتب الكبير، حتى وجدته ممددًا على الأريكة، واضعًا يده فوق وجهه. ابتسمت.. اقتربت منه بخطوات هادئة، وجلست على ركبتيها بجوار الأريكة. ظلت تتأمله لدقائق. الرجل الذي تخشاه الشركة كلها... كان أمامها الآن هادئًا، مرهقًا، وبسيطًا إلى حد جعل قلبها يبتسم. مدت يدها نحو شعره بتردد، لكنها سحبتها قبل أن تلمسه.. وظلت تراقبه. حتى شعر بأنفاسها. أبعد يده عن وجهه وفتح عينيه. — ليلى؟ اعتدل جالسًا، ثم أمسك كفيها وساعدها على الجلوس بجواره. — انتي هنا من زمان؟ هزت رأسها. — خمس دقايق... حبيت أشوفك وإنت نايم. ابتسم. — وليه؟ ضحكت بخجل: — شكلك حلو أوي وإنت نايم. سحبها تحت ذراعه، فاستقرت بجواره. أغمضت عينيها لحظة، ثم قالت: — كنت نايم؟ شكلك منمتش إمبارح. تغيرت ملامحه للحظة حين تذكر ما حدث بالأمس. ابتعد قليلًا، ثم قال محاولًا تغيير الموضوع: — المهم... طلعتي إزاي؟ — قولت أشوفك قبل ما أمشي. فريد لسه قدامه شوية شغل. — خلاص، هخليه يروح. كفاية شغل كده... وإنتِ روحي ارتاحي. نهضت تتجول في المكتب، حتى توقفت أمام مجموعة من اللوحات. — حلوين أوي اللوحات دي. قال من خلفها: — رسوماتي. استدارت إليه بدهشة: — دي رسمك إنت؟! ابتسم: — آه... أنا بحب الرسم جدًا. اقتربت منه، وفي عينيها إعجاب صادق: — انت فنان يا عمران. اتجه إلى ماكينة القهوة وأعد فنجانه. مدت يدها وأخذته منه، ارتشفت رشفة صغيرة. — ريحتها جميلة أوي. نظر إليها بدهشة: — إنتِ مبتحبيش القهوة. ابتسمت: — لازم أحبها... مادام إنت بتحبها. ضحك دون أن يستطيع إخفاء سعادته. عادت إلى اللوحات، ثم قالت: — تعرف؟ كان نفسي أدخل هندسة، بس مجموعي ناقص درجة. اقترب منها. — وإيه المشكلة؟ — يعني إيه؟ — تدخلي الكلية اللي نفسك فيها. — إزاي؟ أخذ فنجان القهوة من يدها وارتشف منه، ثم غمز لها: — علشان نجري ورا بعض في الجامعة. ضحكت: — بابا مستحيل يوافق على كلية خاصة. تغيرت ملامحه قليلًا. — وإنتِ ليه شايلة هم موافقته؟ شوفي اللي نفسك فيه، وأنا موجود.. انتي ناسية هتكوني مراتي نظرت إليه طويلًا. — وقتها أبقى أفكر. ثم ابتسمت: — حبيت أشكرك على اليوم الجميل ده... بجد أحسن يوم في حياتي كلها. وضع فنجانه، ثم احتواها بذراعيه. — أيامنا كلها هتبقى أحلى من النهارده. رن هاتفها. نظرت إلى الشاشة. — فريد قلق... لازم أمشي. تحركت نحو الباب، ثم توقفت والتفتت إليه. ابتسمت: — خلي بالك من نفسك. بادلها ابتسامتها: — وإنتِ كمان يا ليلى. عند نيفين وصلت الى تلك القرية التي يسكنها أهل ليلى، نزلت من سيارتها، ورفعت نظارتها فوق شعرها، ثم هاتفت شهاب _وصلت العنوان حسب جي بي سي _كويس اوي، عايزك بقى تفضحي، وفي نفس الوقت صورك انتي وعمران توصل للرقم البت، لازم نضرب الحديد وهو سخن هبعت لك صورهم بتاعة النهاردة، ودي في الفلاحين فيها قتل يانوفة _تمام ابعتها توقفت للحظات تنتظر وصول الصور، فتحت الهاتف بعد اشعارها بالوصول قلبت بينهم وشعرت بنيران الغيرة تلتهم جسدها بالكامل _بقى هي دي اللي تخليتها في ياعمران، والله لاندمك انت وهي دلفت إلى داخل الفناء الواسع الذي يوجد به عدة منازل، يدون على اللافتة، منازل عائلة المختار رأتها منال من النافذة، فتحت الباب سريعًا تنظر إلى هيئتها المنمقة _بتسألي على حد ياهانم خلعت نيفين نظارتها الشمسية وقالت _بسأل عن منزل ليلى المختار، هي ساكنة هنا ركضت اليها منال _مالها مقصوفة الرقبة، اه دي بنت سلفي وخطيبة ابني تجمدت نيفين تنظر اليها بغموض _والله... هي مخطوبة كمان خرجت وفاء والدة ليلى، تنظر اليهما _تعالي ياوفاء، شوفي الهانم الكُبرة دي بتسأل عن ليلى ثم اشارت الى وفاء، دي ام ليلى طالعتها نفين تقيم هيئتها، ثم اقتربت منها _انت بقى بنت خطافة الرجالة قطبت وفاء جبينها _انت قصدك ايه يابت انت _بت... قالتها نيفين بسخرية، ثم اقتربت تشير اليها باشمئزاز _خلي بنتك تبعد عن خطيبي قالتها بنزول محمود والد ليلى، توقف على كلمات نيفين، ثم صاح بغضب _انت تقصدي ايه ياست انتي بعد فترة رفعت وفاء هاتفها تهاتف فريد ابنها _الحق يافريد، ابوك نزل مصر، فيه واحدة جت هنا بتقول، خلي ليلى تبعد عن خطيبها _واحدة، واحدة مين دي ياماما بكت في الهاتف وهي تقول _اسمها نيفين الزيني هب من مكانه وهو يقول _دي بنت عم عمران بيه صاحب الشركة، وليه بتقول كدا _معرفش، ابوك نزل مصر، وحالف ليمو ت اختك، ومرات عمك ولعتها، وهشام نزل معاه _خلاص... خلاص، اقفلي انا هتصرف عند ليلى كانت تجلس أمام كتبها، تحاول أن تستعيد تركيزها في مذاكرتها، لكن ابتسامتها كانت لا تزال معلقة في قلبها منذ يومها مع عمران. كانت كلما رفعت عينيها عن الكتاب، وقعتا على الخاتم في إصبعها، فتبتسم دون وعي.. وفجأة، اهتز هاتفها بجوارها. رسالة.. ثم أخرى..ثم ثالثة. عقدت حاجبيها، ومدت يدها إلى الهاتف، فتحت الرسائل بفضول... وفي تلك اللحظة ، تجمد كل شيء داخلها. اتسعت عيناها، وانحبست أنفاسها. عمران في الفيديو يحتضن فتاة، يقبلها بحميمية، وكأنها زوجته... وكأنها المرأة التي يراها قلبه وحدها. ارتجفت أصابعها.. أعادت تشغيل الفيديو. مرة أخرى.. ثم مرة ثالثة. كان بلا صوت، لكن المشاهد وحدها كانت كافية لتقتل كل كلمة قالها لها. تذكرت نيفين. تلك الفتاة التي رأتها ذات مرة في الشركة. والتي لم تفهم وقتها لماذا كانت تنظر إلى عمران بتلك الطريقة. اقتربت ليلى من شاشة الهاتف، وكأنها تبحث عن تفسير ينقذ قلبها. لكن الحقيقة كانت أمام عينيها. واضحة، قاسية، مؤلمة. سالت دموعها فوق وجهها، دون أن تشعر بها. وضعت يدها على فمها، تحاول كتم شهقة خرجت رغماً عنها. ثم همست بصوت مكسور: — كان بيضحك عليا... ارتجف صوتها أكثر. — كان بيلعب بيا. نظرت إلى الخاتم في إصبعها. الخاتم الذي اشتراه لها منذ ساعات فقط. الخاتم الذي قال إنه أول هدية منه، وأنها ستحتفظ به حتى يأتي اليوم الذي يضع فيه دبلة الزواج في يدها. نزعت يدها من أمام عينيها وكأنها تخجل من رؤية الخاتم. ثم سقط الهاتف من بين أصابعها، وارتطم بالأرض. انتفض جسدها.. وضعت كفها فوق صدرها، تحاول التقاط أنفاسها، بينما تسارعت دقات قلبها بعنف. — ليه؟ خرجت الكلمة كأنها استغاثة. — ليه عملت فيا كده؟ انحنت تلتقط الهاتف، لكن يديها كانتا ترتجفان بشدة.. فتحت الفيديو من جديد. لم تستطع منع نفسها.. وكأنها تعاقب قلبها بنفسها. كل ثانية كانت تشعل في صدرها نارًا جديدة.. حتى شعرت أن قلبها لم يعد قلبًا... بل شظايا صغيرة من نار، كل شظية منها تحمل ذكرى من كلماته. أولادنا، مرات عمران الزيني. عقبال ما ألبسك الدبلة في إيدك الشمال. وضعت الهاتف أمامها، وانفجرت في البكاء. — أنا صدقتك... ثم ضمت ذراعيها حول جسدها، وكأنها تحاول أن تمنح نفسها ذلك الأمان الذي وعدها به. لكن هذه المرة.... لم تجد سوى الفراغ. في مكتب عمران... كان غارقًا في عمله، عينيه تنتقلان بين الملفات وشاشة الحاسوب، فُتح الباب دون استئذان، رفع رأسه. تحركت نيفين وهي تقول — فاضي يا ابن عمي؟ عاد إلى شاشته دون اهتمام. — لا... مش فاضي. ابتسمت نيفين ابتسامة خبيثة، ثم تقدمت حتى وقفت أمام مكتبه. — بس أنا عندي حاجة هتخليك تفضى غصب عنك. رفع عينيه إليها بضيق. — نيفين، لو الموضوع اياه، فأنا اعتذرت قاطعته وهي تُخرج مجموعة من الصور من حقيبتها، ثم ألقتها أمامه. — علشان تصدقني. توقفت عينا عمران على الصور. — إيه ده؟... بقلم سيلا وليد مال قليلًا نحوها. قالت بنبرة متعمدة: — البنت دي بتضحك عليك يا عمران... وطمعانة في فلوسك، وفي الآخر هتسيبك. تجمدت ملامحه. رفع إحدى الصور. ليلى ترتدي فستان الخطوبة، وإلى جوارها شاب يضع خاتمًا في إصبعها. صورة أخرى، وأخرى. ثم صورة تجمعها بعائلتها همست نيفين: — طلعت مخطوبة لابن عمها. لم يسمع ما قالته بعدها.. توقفت الكلمات في رأسه.. صار كل ما يراه هو وجه ليلى. ابتسامتها.. الخاتم الذي ألبسها إياه. صوتها وهي تقول: بحبك أوي. ثم صورتها أمامه الآن... بخاتم خطوبة من رجل آخر. انقبضت أصابعه حول الصورة حتى كادت تتمزق. لكن الألم الحقيقي لم يكن في يده. كان في صدره. قبضة قاسية اعتصرت قلبه، وسلبته القدرة حتى على التنفس. "اللهم استرنا فوق الارض وتحت الارض ويوم العرض عليك " نظر عمران إلى الصور طويلًا، يتفحص تفاصيلها بعينين متسعتين، وكأنه يبحث بين كل صورة وأخرى عن كذبة تنقذه من الحقيقة التي ترفض عيناه تصديقها. ربما كانت مُركبة... ربما خدعة... أي شيء، إلا أن تكون حقيقية. لكن الصور كانت أمامه، واضحة وقاسية، لا تمنحه حتى فرصة واحدة للإنكار. قبض على الصور بين أصابعه، ثم دفعها بعنف، فتطايرت من فوق المكتب وسقطت على الأرض. راقبته نيفين بشماتة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة، قبل أن تقول بنبرة مشبعة بالحقد: _فضلت تأنبني وتطردني من بيتك علشان حتة عيلة... حبيتك سنين يا عمران، واستنيت اليوم اللي تيجي فيه وتقولي إنك بتحبني، خصوصًا بعد ما دينا سابتك... وأهو في الآخر، حتة عيلة ضحكت على عمران الزيني... كالعادة. رفع عينيه إليها، نظرات كافية لتمحو ابتسامتها ثم قال بصوت خافت، لكنه حمل تهديدًا مرعبًا: _اطلعي برة. ضحكت بسخرية، وكأنها تتعمد إشعال النار داخله أكثر. _إيه؟ مضايق من الحقيقة؟ مش عايز تواجه نفسك يا عمران؟ لم يجبها..بل نهض من مكانه، واتجه نحوها بخطوات سريعة وغاضبة. تراجعت نيفين إلى الخلف وصل إليها بخطوة واحدة، وقبض على عنقها، فتوقفت أنفاسها للحظة، وارتعبت عيناها وهي تحاول الإفلات من قبضته. انحنى نحوها، وهمس من بين أسنانه بصوت خفيض أشد رعبًا من الصراخ: _بلاش أقولك إنك أقذر واحدة شوفتها في حياتي... وأنا معاقبتكيش لحد دلوقتي علشان اسم العيلة. يا زانية... يا زبالة، أوعي تفكري إن لياليكي الحمرا مع شهاب مش بتوصلني. اتسعت عيناها في صدمة. _إنت... إنت عرفت؟ دفعها بعيدًا عنه بعنف، فسقطت على الأرض، وظلت تسعل محاولة التقاط أنفاسها. ثم دوّى صوته في أرجاء المكتب: _برررررررررة! كانت صرخته كافية ل ترتجف السكرتيرة خلف الباب، بينما بدأ بعض الموظفين يخرجون من مكاتبهم على استحياء، يتبادلون النظرات القلقة. أما نيفين، فزحفت على كفيها حتى وصلت إلى الباب، ثم وقفت بصعوبة، واضعة يدها على عنقها، قبل أن تفر هاربة دون أن تجرؤ على النظر خلفها. أغلق الباب.. وبقي عمران وحده. استدار في منتصف الغرفة، وعيناه تائهتان، ثم انفجر غضبه دفعة واحدة. كالأسد الحبيس، أخذ يتحرك في المكان، يدفع ما أمامه ويحطم كل ما تطاله يدخ _ليه؟! خرجت منه صرخة ممزقة، كأنها انتزعت من أعماقه. _ليه؟! ضرب سطح المكتب بقبضته مرة أخرى، ثم توقف فجأة. ساد الصمت.. سوى من انفاسه ظل واقفًا في منتصف الغرفة، وصدره يعلو ويهبط بعنف، وأنفاسه متقطعة، وببطء، تجمعت الدموع في عينيه. حاول أن يمنعها... قاومها بكل ما يملك. لكن صورًا أخرى بدأت تقتحم رأسه. ضحكتها...نظراتها...لحظاتهم معًا. الكلمات التي صدقها... والحب الذي ظن، للحظة، أنه نجا به من كل شيء. أغمض عينيه بقوة، وانسابت دمعة وحيدة على خده نظر إلى يده، فوجد الدماء تنساب من بين أصابعه بسبب الزجاج الذي اخترق كفه. حدق فيها لثوانٍ دون اهتمام، ثم مسح الدماء بعنف، وكأنه يحاول أن يمحو معها كل ما حدث. اتجه إلى الحمام. وبعد دقائق، خرج وقد غسل وجهه ويديه، وجفف خصلاته بمنشفة صغيرة. لكن شيئًا في ملامحه كان قد تغير. عيناه حمراوان، جامدتان، خاليتان من أي حياة. من يراهما الآن، لا يملك إلا أن يخشى الاقتراب منه. جالت عيناه في المكتب المحطم، ثم التقط هاتفه واتصل بالسكرتيرة. _ابعتي حد ينضف المكان. قالها ببرود غريب، بصوت خالٍ تمامًا من الحياة، وكأن الرجل الذي حطم المكتب منذ دقائق لم يكن هو نفسه الذي يقف الآن أمامها. ثم أغلق الهاتف، واتجه إلى مقعده. جلس. أسند ظهره إلى المقعد، وظل يحدق في نقطة مجهولة أمامه، بلا حركة. بعد دقائق، دخل عامل النظافة، وبدأ يجمع الزجاج والملفات الملقاة على الأرض، ويعيد للمكان شيئًا من نظامه. أما عمران، اتجه إلى النافذة، أشعل سيجارته، ووقف يحدق في الشارع أسفل المبنى. الدخان يتصاعد أمام عينيه، بينما كان عقله يغرق في شيء واحد فقط... كيف استطاعت أن تخدعه إلى هذا الحد؟ ــــــــــــــــــــــ عند ليلى... اعتدلت بصعوبة، تشعر بأن جسدها لم يعد يطاوعها على الوقوف، تحركت تجر قدميها جَرًّا. لم تهتم بما ترتديه، ولا بخصلات شعرها التي تناثرت حول وجهها، ولا حتى بدموعها التي لم تتوقف منذ أن رأت الصور. خرجت من المنزل بحالتها تلك؛ ملابس بيتية ضيقة، شعر مشعث، ووجه شاحب غارق في الدموع، وعينان متورمتان من كثرة البكاء حتى كادت لا ترى الطريق أمامها. خطت عدة خطوات مترنحة، وكادت تسقط، فمدت يدها سريعًا تستند إلى الجدار، وظلت للحظات تلتقط أنفاسها بصعوبة، ثم واصلت طريقها. أوقفت سيارة أجرة، وجلست في المقعد الخلفي دون أن تنطق بكلمة. ظل السائق ينظر إليها من المرآة بين الحين والآخر، وقد أثار حالها شفقته. وبعد دقائق، توقفت السيارة أمام الشركة. نزلت ليلى، ثم فتشت على حقيبتها بيدين مرتجفتين، قبل أن تتجمد فجأة.. لم تحد الحقيبة ولم تجد نقودًا. ابتلعت غصتها، ورفعت عينيها المبللتين إلى السائق. — أحوّلك الفلوس... والله هحوّلهالك. نظر الرجل إلى وجهها المنهار، ثم هز رأسه بحزن. — خلاص يا آنسة، ولا يهمك. لم تستطع حتى شكره كما ينبغي. — شكرًا... خرجت الكلمة مبحوحة، ثم أسرعت إلى الداخل، تستند إلى الجدار كلما خانتها قدماها. صعدت إلى الطابق المنشود، حتى وصلت أمام مكتب عمران. كانت السكرتيرة منهمكة في عملها، وما إن رأت ليلى تتجه إلى الباب حتى نهضت مسرعة. — استني يا آنسة! ممنوع تدخلي... عمران بيه مشغول. لكن ليلى لم تسمعها. أو ربما لم تعد تملك القدرة على سماع أي شيء. دفعت الباب ودخلت. — أنا آسفة يا عمران بيه، حاولت أمنعها، متعرفش إن حضرتك منعتها من الدخول... رفع عمران عينيه عن الأوراق، وما إن وقعت عيناه عليها حتى تجمد تمامًا. أما ليلى...فلم ترَ أحدًا سواه. كانت عيناه أول شيء تبحث عنه، وكأنها جاءت إلى هنا لتجد إجابة واحدة فقط: لماذا؟ تعلقت نظراتها بوجهه، وصورته مع نيفين تمر أمام عينيها من جديد؛ عمران الذي أحبته، وهو يحتضن امرأة أخرى، يقبلها كما لو كانت أغلى ما يملك. شعرت بوخزة حادة في صدرها، حتى كادت تختنق.. تلاقت عيناهما. وللحظة...سقط كل ما حاول عمران بناءه من برود. رأى أمامه فتاة لم يعرفها بهذا الانهيار من قبل. وجهها شاحب، عيناها متورمتان، شفتيها ترتجفان، وملابسها تخبره أنها خرجت من منزلها دون أن تفكر في شيء سوى الوصول إليه. تراجع بجسده إلى الخلف، ثم قال للعملاء أمامه بصوت خافت: — نكمل كلامنا بعدين. خرج العملاء، وأُغلق الباب خلفهم. ساد الصمت بالغرفة والنظرات فقط هي التي تصرخ نهض عمران ببطء، واتجه إلى ماكينة القهوة، يحاول أن يشغل يديه بأي شيء حتى لا يضعف. فتحها، أغلقها، تناول كوبًا، ثم وضعه. كان يهرب من عينيها. لكن ليلى لم تكن تملك رفاهية الهروب. ظلت تحدق فيه، والدموع تنساب بصمت، حتى لم تعد قادرة على احتمال صمته. مسحت دموعها بعنف، فتلطخ وجهها بآثارها، ثم تقدمت نحوه بخطوات مرتعشة. — ليه؟! توقف عمران. التفت إليها بملامح باردة، وقال: — ليه إيه؟! ضحكت ضحكة مختنقة، لا تشبه الضحك في شيء، ثم هزت رأسها والنحيب يخنق صوتها. — ليه تعمل فيا كدا؟! اقتربت أكثر. — ليه تخدعني ؟ ليه تضحك عليا؟ أنا عملت فيك إيه؟! شهقت، وانهمرت دموعها من جديد. — أنا... أنا حبيتك. اقتربت منه حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطوة واحدة، ورفعت عينيها إليه. — أنا حبيتك بجد يا عمران.. ارتجف صوتها. — هونت عليك؟! لم يجب، نظراته إليها كانت باردة جامدة، كأنها تصدق مارأته عيناه حدقت في نظراته التي يطالعها وكأنها طعنة جديدة. اشار بكفيها المرتجف: — للدرجة دي أنا رخيصة عندك؟ للدرجة دي كان سهل عليك تكسرني؟! تساقطت دموعها بلا توقف. — أنا مأذتكش... و وضعت يدها على صدرها، تحاول أن تلتقط أنفاسها. اقتربت الخطوة التي بينهما، وانسابت دموعها اكثر _كنت مفكرة انك أامن شخص في الدنيا دي... لكزته بضعف بصدره _انا من ساعات كنت هنا، كنت مفكرة المكان ملكي لوحدي، هنا حسيت اني في أامن مكان رفعت عيناها لتلتقي بعيناه _ليه ياعمران، ليه تخدعني، لما انت عايزها وبتحبها قربت مني ليه صرخت، وقد انهار آخر خيط من تماسكها: — اتكلم! انتفض صوتها في أرجاء المكتب. ثم فجأة خارت قوتها، فتشبثت بحافة مكتبه حتى لا تسقط. وضعت كفها على فمها، وانفجرت في البكاء قائلة — كل ما أغمض عيني أشوفك معاها... كل ما أحاول أقول إن مستحيل تعمل فيا كده، الصورة ترجع قدامي تاني. مدت يدها المرتجفة وانتزعت كوب القهوة من يده، وضعته بعنف على الطاولة، ثم نظرت إليه بعينين مكسورتين. — بص في عيني وقولي إنك مكنتش بتحبني. اقتربت منه أكثر، حتى كادت تسقط بين ذراعيه، وكأنها لم تعد تملك من قوتها إلا ما يكفي للوصول إليه. — قولها يا عمران... خرج صوتها ضعيفًا، مبحوحًا، يرتجف مع كل كلمة. — قول إنك مكنتش بتضحك عليا... قول إن الفيديو اللي شوفته ده مفبرك... قول إن اللي شوفته بعيني مش حقيقي. دنت منه أكثر، ثم رفعت نفسها بصعوبة، وأحاطت وجهه بكفيها المرتعشتين، ودموعها تنساب فوق وجنتيها بلا توقف. — كذّب عيوني يا عمران... شهقت، وكأن الكلمات تخرج من أعماق قلبها انتزاعًا. — قولي إن الفيديو متفبرك... قولي إنك ليا أنا بس.. هصدق اللي هتقوله وضعت إصبعها المرتجف على موضع نبضه في صدره، كأنها تستجديه أن يمنحها إجابة من قلبه قبل لسانه. — قولي إن قلبك ده ليا أنا... قولي يا عمران. ارتجفت شفتاها. — قول أي حاجة... أي حاجة بس متسكتش. ظل عمران ينظر إليها لثوانٍ، ثم أبعد وجهه عنها، وتناول فنجان القهوة يرتشف منه ببرود متعمد، قبل أن يعطيها ظهره. خرج صوته ساخرًا: — خلصتي العرض يا أبدع ممثلة؟ تجمدت ليلى.. اتسعت عيناها، وكأن كلماته أصابتها في مقتل. — ممثلة...؟ استدار بنصف جسده، ورمقها بنظرة قاسية تخفي خلفها وجعًا لم يفهمه هو نفسه. — لو خلصتي العرض، اطلعي برة. تراجعت خطوة. هزت رأسها ببطء، وكأن عقلها يرفض استيعاب ما تسمعه. — عمران... قاطعها بحدة: — عرضك رخيص أوي. شهقت، ووضعت يدها فوق قلبها. — ولو طمعانة في قرشين، هبعتهملك. نظرت إليه بعينين غارقتين في الذهول. لم تفهم. لكن قبل أن تجد فرصة للسؤال، أكمل بمرارة: — ماهو أنا قضيت وقت حلو... مش كده؟ اتسعت عيناها أكثر. — إنت... بتقول إيه؟ تقدم نحوها بخطوات بطيئة، حتى وقف أمامها. — عايزة كام؟ لم تجب. — مليون؟ اتنين؟ عشرة؟ ضحك بسخرية موجعة. — قولي بس الرقم اللي يرضيكي. كانت تنظر إليه وكأنها أمام شخص آخر لا تعرفه. — عمران، أنا مش فاهمة... قاطعها: — الفلوس دي آخر حاجة بفكر فيها. اقترب أكثر، وصوته يزداد قسوة: — أصل الفلوس رخيصة على الناس الرخيصة توقفت أنفاسها. كأن الكلمة الأخيرة هوت فوقها كصخرة. — أنا... بعت مشاعري؟ خرجت منها الكلمة هامسة، غير مصدقة. انحنى قليلًا إلى مستواها، وعيناه تحملان غضبًا أعمى. — أنا قرفان منك. تراجعت حتى اصطدم ظهرها بحافة المكتب. أكمل، وكأنه يتعمد أن يجعل كل كلمة خنجرًا: — ومشمئز من نفسي إني قربت منك ارتعشت شفتاها. — انت بتقول إيه؟ دنا منها أكثر، ثم همس بجوار أذنها بصوت بارد: — حتة عيلة فلاحة... تضحك عليّا أنا؟ أغمضت عينيها بقهر لم تعد دموعها تنزل فحسب...كانت تنهار. تراجعت عنه، تحدق فيه بتيه، تحاول أن تربط كلماته بما حدث، لكن عقلها كان عاجزًا عن استيعاب شيء. هي جاءت إليه لتطلب منه أن يكذب الفيديو. لتسمعه يقول إنها حبيبته وحدها. فإذا به يتهمها بالخداع والابتزاز! رفعت عينيها إليه، وفيهما آخر محاولة للتشبث به. — عمران... أنت بتقول ايه خرجت الكلمة مكسورة. استدار عنها مبتعدًا. عاد إلى مكتبه، وكأن وجودها أصبح شيئًا لا يحتمل رؤيته. ثم قال دون أن ينظر إليها: — اطلعي برة. توقفت في مكانها. — ومش عايز أشوفك مرة تانية. ساد الصمت في المكتب، لا يُسمع فيه سوى شهقاتها المتقطعة. حدقت في ظهره طويلًا، وكأنها تنتظر أن يستدير... أن ينظر إليها... أن يرى في عينيها الحقيقة التي عجز لسانها عن شرحها. لكنه ظل واقفًا مكانه، جامدًا كأنها لم تعد تعنيه. وضعت يدها على فمها، تحاول خنق شهقة خانتها، ثم خرج صوتها مرتجفًا، بالكاد يُسمع: — أنت مين؟! ارتجفت شفتاها، وانسابت دمعة ساخنة على وجنتها. — معقول... فيه ناس واطية كده؟ استدار عمران فجأة، وعيناه تحملان غضبًا قاسيًا يخفي خلفه شيئًا أشد فتكًا. اقترب منها بخطوة واحدة، وقال ببرود جارح: — ما قولتلك بطلي تمثيل؟ عرفت إنك شاطرة جدًا. اقترب أكثر، حتى وقف أمامها مباشرة. — يلا... روحي شوفي خطيبك. شهقت، واتسعت عيناها. — خطيبي... قالتها تنظر لعيناه تهز رأسها لم يمنحها فرصة. انحنى قليلًا، وحاصر جسدها بينه وبين الجدار، وقبض على ذراعيها بقسوة، وصوته يقطر احتقارًا: — مش الحلوة مخطوبة برضه؟ هزت رأسها بسرعة، والدموع تملأ عينيها. — لا... اسمعني بس... اشتدت قبضته. — بقى إنتِ يا عيلة تلعبي على عمران الزيني؟ خرجت منه ضحكة قصيرة بلا فرح. — أنا حتة عيلة تمثل عليا؟ كانت الكلمات تذبحه هو قبل أن تذبحها، لكنه لم يسمح لملامح وجهه أن تفضحه. منذ اللحظة التي رأى فيها صورتها وذلك الخاتم، شعر بشيء ينهار داخله. هو الذي ظن أنه أخيرًا وجد امرأة أحبته كما أحبها... اكتشف أنها كانت تحمل خاتم رجل آخر، ثم جاءت إليه، وتركته يفتح لها قلبه، ويمنحها ما لم يمنحه لامرأة أخرى كيف استطاعت؟ كيف كانت تنظر في عينيه طوال الوقت دون أن تخبره؟ ضغط على أسنانه، وكأنه يحاول سحق الوجع في فمه قبل أن يخرج. ثم دفعها بعيدًا عنه فجأة. — بــــرة! تراجعت وهي تكاد تسقط. أشار إلى الباب بعنف. — اطلعي برة... مش عايز أشوفك. استدارت إليه، ودموعها تنهمر بلا توقف. اقترب منها خطوة، وعيناه مثبتتان في عينيها، كأنه يريد أن يحفر كلماته داخلها: — تعرفي أنا شايفك إيه دلوقتي؟ صمت لحظة، وابتلع غصة كادت تفضحه. — أقذر إنسانة قابلتها في حياتي. ارتعشت ملامحها. لكنه تابع، وقد تحول ألمه إلى قسوة: — كنت مفكرك عيلة،. لأ، برافو عليكي. وقعتي عمران الزيني على رقبته. ضحك بسخرية مريرة، ثم ابتعد خطوة. — بس مش مهم... أهو ادينا اتسلينا شوية مع بعض يا حلوة. "اتسلينا"...رددت الكلمة، التي اصبحت أشد قسوة عليها من أي شيء قاله. هو لم يكن يتسلى.. كان يحبها. لكن الاعتراف بذلك الآن كان أشبه بانتحار. أشار إليها بيده، وصوته يزداد سخرية: — بس قوليلي... إزاي قدرتي تمثلي بالبراعة دي؟ تكوني مخطوبة لواحد، وفي نفس الوقت تنجحي بكل الإتقان ده في اللعب على واحد تاني؟ ابتسم ابتسامة موجوعة أخفاها تحت قناع الاستهزاء. — ده أنا عايز أتعلم منك يا أستاذة. هزت رأسها بعنف، ثم أخرجت هاتفها بيد مرتعشة، وفتحته أمامه. ظهر الفيديو على الشاشة. رفع عمران عينيه إليه. تجمد للحظة.. ثم عاد ببصره إليها. قالت بصوت مختنق: __انت دا... حدقت بعينيه، نظراته للفيديو اثبتت لها أنه هو، اغمضت عيناها، تريد أن تمحي كل شيئًا عاشته، ثم تراجعت وقالت بتقطع — شوف نفسك الأول يا عمران بيه. تاهت في عيناه التي شعرت بأنها ابرد من الجليد وتابعت حديثها — أنا ما لعبتش بيك... أنا حبيتك. انكسرت نبرتها. تراجعت بجسدها للخلف، تهز رأسها — وأنا مش مخطوبة... أنا اللي اتضحك عليا. رفع رأسه إليها، يرى انهيارها التام، وكلماتها المتقطعة توقف كل شيء داخله.. لثانية واحدة فقط، شعر أن الأرض انسحبت من تحت قدميه. من ارسل لها هذا الفيديو كل شيء بدأ يتشابك في رأسه. لكن كبرياءه كان أسرع من قلبه. رفع يده مشيرًا إلى الباب. — بــــرة يا بت... قبل ما أجيب الأمن. ظلت تنظر إليه فقط، مر أمامها شريط ذكرياتها معه، منذ أن تقابلا، حتى أن وضع الخاتم بااصبعها... رمشت عدة مرات، فقال بحدة صارخة — قولت بــــرة! ارتجف جسدها. شعرت بدوار شديد يحيط بها، وكأن المكتب كله يدور حولها. خفضت عينيها إلى يديها المرتعشتين. ثم إلى الخاتم. نزَعته ببطء من إصبعها، وظلت تحدق فيه للحظات، وكأنها ترى فيه كل الألم الذي عاشته.. ثم رفعت عينيها إليه. كانت الدموع تغرق وجهها. وبحركة مفاجئة، ألقت الخاتم بكل قوتها في وجهه. ارتطم الخاتم بوجنته وسقط على الأرض. توقف عمران عن التنفس للحظة. نظر إلى الخاتم عند قدميه... ثم رفع عينيه إليها. كانت واقفة أمامه منهارة، عاجزة حتى عن الكلام أما هو، فظل ثابتًا.. لا دمعة. لا صرخة.. لا ارتجاف. فقط عينان باردتان بشكل مخيف. لكن خلف ذلك الجمود، كان قلبه يتحطم قطعةً قطعة.. وكان أكثر ما يقتله... أنه لم يعد يعرف أيهما يصدق: عينيه التي رأتاها مع رجل آخر... أم قلبه الذي كان، رغم كل شيء، يصرخ بأنها لم تخدعه. نظرة أخيرة تقابلت بها الأعين مع انسياب دموعها في صمت، قبل أن تستدير ببطء نحو الباب، تجر خلفها قلبًا محطمًا... بينما ظل عمران واقفًا مكانه، يضغط على فكه بعنف، غير مدرك أن كليهما كان يقف أمام الحقيقة نفسها... لكن كل واحد منهما كان يراها من الجهة الخطأ. ـــــــــــــــــــــــــ بعد قليل، وصلت ليلى إلى منزلها، بخطوات متعثرة، كأنها لا تعرف كيف قادتها قدماها إلى هنا. ما إن انفتح الباب حتى اندفع فريد من الداخل، بعدما التقط صوت المفتاح. لكنه تجمد مكانه. حدق فيها طويلًا. وجهها شاحب، عيناها متورمتان من كثرة البكاء، وملامحها تحمل انكسارًا أفزعه قبل أن يفهم سببه. اقترب منها سريعًا، وقبض على ذراعيها بعنف. — كنتي فين؟! ومبترديش عليا ليه؟! رفعت عينيها المتورمتين إليه، حاولت الكلام، لكن صوتها خانها. — كنت... كنت... هزها بعنف، وقد بدأ القلق يتحول داخل رأسه إلى جنون. — انطقي يا بت! كنتي فين؟ ومين اللي كنتي بتقابليه؟! كانت كلمات والدته تتردد في رأسه، وذهاب احدهم إلى منزل والده،... كل شيء بدأ يتشابك في عقله بطريقة مخيفة. صرخ: — بقى بتضحكي عليا يا كلبة؟! تخرجي مع راجل وكمان وإنتِ مخطوبة؟! اشتدت قبضته حول ذراعيها. — انطقي! مين اللي كنتي بتقابليه من ورايا؟! تألمت من قبضته، لكن الألم الجسدي لم يصل إليها. كان هناك شيء آخر يمزقها من الداخل... شيء أقسى من أن تشعر بيد تضغط على ذراعها. همست بصعوبة: — عمران... توقف فريد. كأن الاسم سقط عليه كالصاعقة. — عمران مين؟ رفعت عينيها إليه، وانسابت دمعة جديدة. — عمران الزيني... صاحب الشركة اللي بشتغل فيها. تراجع فريد نصف خطوة، واتسعت عيناه. — عمران... اللي هو عمران الزيني؟! أومأت وهي تبكي. — آه... مرر فريد يده على شعره، ثم دار حول نفسه في اضطراب، كأنه يحاول استيعاب ما سمعه. — يا نهار أسود... ثم عاد إليها فجأة. — من إمتى وإنتِ بتقابليه يا قليلة الأدب؟! جالت عيناه على وجهها وملابسها، فتوقف عند حالتها المزرية. — وعاملة في نفسك كده ليه؟ لم تحتمل. انفجرت شهقاتها، ووضعت يدها على فمها، ثم انهارت في بكاء مرتفع. تجمد فريد.. ذلك البكاء لم يكن بكاء فتاة مذنبة تخشى انكشافها... كان بكاء شخص محطم. اختنق صدره، وبدأ أسوأ احتمال يفرض نفسه على عقله. اقترب منها وقبض على كتفيها. — عمل فيكي حاجة يا بت؟ لم تجبه. هزها بعنف، وصوته خرج مرتجفًا من الخوف قبل الغضب: — لمسك؟! ثم صرخ: — عمل فيكي حاجة؟! ردي عليا! أغمضت عينيها بقهر. كانت كل كلمة منه تطعنها في موضع موجع. خرج صوتها من بين شهقاتها: — آه... تجمد فريد.. اتسعت عيناه، وشعر للحظة أن الهواء انقطع من حوله. ومن شدة الصدمة، فقد السيطرة على نفسه، فرفع يده وصفعها بقوة. مال وجهها إلى الجانب. ثم انهال عليها بالصراخ، والغضب، والضرب والصدمة التي لم يعرف كيف يواجهها: — سلمتي نفسك يا حقيرة؟! — خنتي أمانتي ليكي؟! — أنا وثقت فيكي! انكمشت ليلى على نفسها، تحاول حماية جسدها بذراعيها، بينما دموعها تنهمر بلا توقف. — لا يا فريد... لا... لكن صوته غطى على صوتها. — كنتي مخطوبة وتخرجي مع راجل تاني؟! صرخت من بين بكائها: — لا يا فريد! ثم رفعت وجهها إليه، محطمًا تمامًا: — أنا حبيته! توقف للحظة. كانت تبكي وكأن قلبها يُنتزع من صدرها. — عمران خطف قلب أختك يا فريد... شهقت، وضمت ذراعيها حول جسدها. — حبيته بجد... وبعدين حطم قلبي. تراجع فريد خطوة. لم يعد يرى أمامه فتاة تخونه... بل أخته التي يعرفها منذ طفولتها، جاثية أمامه، تبكي كأنها فقدت حياتها. بدأت تحكي له كل شيء. عن الفيديو الذي وصل إليها. عن الفتاة التي ظهرت مع عمران. عن كلماته القاسية.. عن اتهامه لها بأنها كانت مخطوبة وتلعب به. عن الخاتم الذي خلعته وألقته في وجهه. ومع كل كلمة، كانت ملامح فريد تتغير. الغضب يتراجع...والذهول يحل مكانه. ثم تذكّر.. ابنة عمه.. وذهابها إلى منزل والده. رفع عينيه ببطء، وكأن قطع الصورة بدأت تتجمع أمامه فجأة، بدأ يشك في كل شيء. ماذا لو كانت أخته فعلًا ضحية لعمران وأنه تلاعب بها واتفق مع نيفين؟ بل ماذا لو كان الفيديو مفبركًا له وأنه لم يفعل شيئًا مع ابنة عمه؟ نظر إلى اخته الجاثية على الأرض. لأول مرة، شعر بثقل ما فعله. فتح فمه للحديث، لكنه لم يجد كلمة واحدة تخرج.. تحرك نحوها. — ليلى... لكن قبل أن يصل إليها... دوّى طرق عنيف على باب المنزل. التفت فريد فجأة. تكرر الطرق، أقوى من المرة السابقة. نظر إلى الباب، ثم إلى أخته. اتجه نحوه بخطوات سريعة، وفتح الباب. تجمد مكانه. وجد والده وبجواره هشام. حدق الاثنان في فريد، ثم تجاوزت أعينهما كتفه إلى الداخل، الى وجود ليلى الجاثية على الأرض، تبكي في صمت. تبدلت ملامح والده، واقترب منها، وقبل أي شئ انحنى عليها ضربا، وقام بسبها باافظع السباب، كانت تصرخ من ضربات والدها سحبها من خصلاتها واوقفها، ينظر اايها بنظرات جحيمية _بقى انا بنتي تطلع فا. جرة، ماشية على حل شعرها صفعات قوية، مع محاولة فريد ان يخلص اخته من بين يدي والده، ولكن تحول والده غضب والده الى غضب اعمى يجرها من شعرها، ثم اوقعها أمام اقدام هشام _خد الخاطية دي على العربية توقف فريد يمنع والده _بابا اسمعني، ولكن صفعه والده بقوة على وجهه _مااسمعش صوتك يابن وفاء صفعة اخرى، يدفعه بقوة وانهال عليه بالسباب نهضت ليلى بصعوبة واقتربت تقف بين والدها واخيها _فريد مالوش دعوة، حاسبني انا نظر اليها بغضب وصاح _هشام... خد البت دي من وشي سحبها هشام بقوة متجها للخارج بنفس ملابسها توقف فريد أمام والده _لا يابابا.. متعملش كدا، لو سمحت يابابا، بلاش تعمل كدا _اخرس يلا.. ليك عين تتكلم يابن وفاء من النهاردة مالكش دعوة بيها، هتكون مسؤلة من راجل راجل يافريد بيه، مش زيك خرج محمود وترك فريد يتابعه بصدمة، همس اسم اخته، ثم ركض للداخل، وقام بتبديل ثيابه سريعا، وحمل هاتفه وخرج خلفهم ــــــــــــــــــــــــــ عند ليلى بالسيارة التي تشق طريقها عائدة إلى البلدة... جلست في المقعد الخلفي، ملتصقة بالنافذة، تحدق في الطريق بعينين غارقتين في الدموع.. تنظر للطريق بتيه لم ترى سوى عمران. ابتسامته حين كان ينظر إليها، صوته حين ينادي اسمها، يده التي كانت تضمها، وكل لحظة شعرت فيها للمرة الأولى أنها محمية، وأن هناك شخصًا يمكنها أن تلجأ إليه دون خوف. كيف انقلب الأمس إلى اليوم؟ كيف تحولت أجمل أيام عمرها إلى تهمة تُلاحقها؟ وضعت كفها فوق صدرها، تحاول أن تمنع ذلك الألم من تمزيقها في البلدة... كانت منال تسير بين النساء وكأنها تحمل نصرًا عظيمًا. لم تترك بيتًا إلا ودخلته، ولا امرأة إلا وأخبرتها بما حدث، وكلما انتهت واحدة من كلامها، أضافت أخرى حكاية من عندها. وسرعان ما تحولت القصة إلى فضيحة كاملة. لم تعد ليلى فتاة ذهبت إلى القاهرة للدراسة... بل أصبحت في أفواههن فتاة "عاشت مع رجل أعمال"، و"باعت شرفها"، و"خرجت من بيت أبيها لتعيش في قصر رجل غريب". أما الصور التي ألقتها نيفين في وجه وفاء بعدما كذبتها، فقد انتشرت بين أهل البلدة كالنار في الهشيم. لم يسأل أحد عن الحقيقة. لم يفكر أحد أن الصور قد تكون مفبركة. الجميع كان يريد قصة يتحدث عنها. وحين توقفت السيارة أمام منزل محمود، ترجلت ليلى ببطء. ما إن وطأت قدماها الأرض حتى شعرت بنظرات أهل البلدة تنهشها. نساء يتهامسن، رجال يرمقونها باحتقار، وأصوات مكتومة تتعالى من كل جانب. تقدمت منها إحدى النساء، وقالت بصوت متعمد أن يصل إلى الجميع: _بيقولوا أبوها راح جابها من حضن الراجل الغني! ردت أخرى: _آه، شوفتي؟ كانت عايشة معاه في قصره، وبيعاملها كأنها مراته! تمتمت ثالثة: _ولما زهق منها بعت لأبوها يلمها! توقفت امرأة مسنة، وقالت بضيق: _اتقوا الله يا نسوان! معندكوش بنات؟ نسيتوا إن دي بنت عمرنا ما سمعنا عنها كلمة وحشة... طول عمرها مؤدبة، والبلد كلها بتشهد بأخلاقها. ردت أخرى بسخرية: _آه، ده كان زمان... قبل ما تشوف الناس الغنية. ربنا يستر على بناتنا. انخفض رأس ليلى أكثر. كل كلمة كانت كالسوط على قلبها. وفجأة، اندفع هشام نحوها، وقبض على ذراعها بعنف. _يلا! رفعت عينيها إليه، فلم تجد فيهما رحمة. سحبها خلفه أمام الجميع، وكأنه يريد أن يثبت للبلدة كلها أنه جاء بها لينقذ شرفها تحركت معه وهي لم تشعر إلا بالإهانة. كأنها لم تعد إنسانة... أصبحت فضيحة يريدون التخلص منها. في الداخل... ما إن وقعت عينا وفاء على ابنتها حتى شهقت شهقة موجوعة، واندفعت نحوها. _يا حبيبتي يا بنتي... احتضنتها، لكن ليلى لم تبكِ. كانت قد تجاوزت مرحلة البكاء. كانت مكسورة.. جسدا بلا روح دلف محمود بعدها، وعيناه مشتعلة بالغضب. رفعت وفاء رأسها إليه، وصاحت: _إنت اللي عملت في بنتك كده؟! _لو سمعت صوتك هرجعك بيت أبوكي! نهضت وفاء في مواجهته، لأول مرة لا تخشاه. _رجعني بيت أبويا! إيه؟ هخاف منك؟ فيه أب يعمل في بنته كده؟! اقترب منها محمود بعصاه، وصاح: _اخرسي! والله لو سمعِت صوتك تاني لأحرمك منها العمر كله! بنتك الخاطية دي... _هشام! التفت هشام إليه. _نعم يا عمي؟ قال محمود ببرود قاتل: _روح هات المأذون. تجمد هشام لحظة. _المأذون؟ _أيوه. هنكتب كتابك عليها... ودخلتك الليلة. شعرت ليلى أن الأرض انسحبت من تحت قدميها. رفعت عينيها ببطء نحو أبيها. كانت نظرتها تحمل سؤالًا واحدًا: "إنت كمان صدقتهم؟" لكن محمود لم يمنحها حتى فرصة للكلام. أشار إليها بجبروت: _من اللحظة دي البت دي مسؤوليتك. مش عايز أشوف وشها. هزت وفاء رأسها بجنون. _لا يا محمود... متعملش في بنتك كده! صفقت منال بكفيها، وقالت بنبرة ساخرة: _كلامك على عيني يا أبو فريد، بس متزعلش مني يا أخويا... افرض بنتك فرطت في شرفها، ابني يشربها يعني؟ نظر إليها محمود بوجه قاسٍ: _لو كده... يبقى يغسل عاره يا أم هشام. ابتسمت منال ابتسامة خبيثة. _لا يا أبو فريد... دخلتها لازم تكون بلدي. لازم البلد كلها تعرف إنها كانت سليمة ولا... استغفر الله العظيم. لم تتحمل وفاء. اندفعت نحوها ودَفعتها بعيدًا. _إنتِ اللي متجيبيش سيرة بنتي على لسانك! ثم التفتت إلى محمود: _على جثتي يا محمود! سمعتني؟ على جثتي! اللي يقرب من بنتي هموته... هاكله بسناني! رفع محمود عصاه، ولكزها بها بعنف. _ليكِ عين تتكلمي؟! مش لو ربيتيها الأول ما كناش اتفضحنا! ثم أشار إلى الخارج. _روحي اسمعي النسوان بتقول إيه على بنتك! سقطت دموع وفاء، بينما نظر محمود إلى ابنته الجاثية على الأرض. كان وجهها شاحبًا، وعيناها خاليتين من الحياة. قال بجمود: _فُزي يا بت... اجهزي. دخلتك الليلة على ابن عمك. لم تجبه... فكرر بصرامة: _سمعتي؟ وقفت وفاء أمام ابنتها. _اللي يقرب من بنتي هموته! سمعتوني؟! ضحكت منال بشماتة. _لو منك أدفن نفسي في التراب حية يا وفاء. لسه ليكي عين تتكلمي؟ مش كفاية إننا هنتنازل ونلم شرف بنتك؟ صرخت وفاء: _قربي منها وأنا أشرب من دمك! ببطء شديد، بدأت ليلى تنهض مستندة إلى طرف الكرسي. كانت ساقاها ترتجفان.. نظرت إلى أمها... ثم إلى أبيها...ثم إلى هشام. وقالت بصوت خافت، لكنه كان أكثر إيلامًا من أي صرخة: _ماما...اقتربت منها وفاء. _نعم يا حبيبتي؟ ابتلعت ليلى غصتها. _أنا موافقة أتجوز هشام. شهقت وفاء. _إيه؟! ابتسمت ليلى ابتسامة ميتة. _هشام زي غيره. ثم رفعت عينيها إلى أبيها. لم تكن فيهما إلا خيبة وقهر. _هو قتلني... وإنت دفنتني وأخدت عزاي يا بابا. توقف محمود لحظة، لكن قسوته غلبت أي شيء آخر. اقترب منها وقال: _أوعي تفتكري إن شوية دموع التماسيح دول هيشفعوا لكِ الفضيحة اللي عملتيها. ارتجفت شفتاها. _إنتِ وطيتي راس أبوكي يا بنت وفاء. ثم أشار نحو الغرفة: _امشي انجري على جوا جهزي نفسك، واحمدي ربنا إنك لقيتي حد يلم فضيحتك وينقذ شرف أبوكي. خطت ليلى خطوة.. ثم أخرى. وكل خطوة كانت تشعر معها أنها تبتعد عن نفسها أكثر. صرخت وفاء: _مش هيحصل! استدار محمود إليها، وقبض على خصلة من شعرها. _متخلينيش أرمي عليكي يمين الطلاق دلوقتي! مش كفاية إنك معرفتيش تربي؟ اطلعي برة واسمعي البلد بتقول إيه علينا! دفعها بقوة، ثم اتجه إلى الداخل. وقفت منال خلفه، تبتسم بانتصار. _قومي زغردي لبنتك يا وفاء... واحمدي ربنا إن ابني رضي بيها. ثم اقتربت منها، وانحنت أمامها. _كنتي بتقولي على ابني صايع؟ اقتربت أكثر، وهمست: _أهي بنتك اللي... توقفت لحظة، ثم ابتسمت بخبث. _بلاش نخوض في الأعراض... وفي الآخر ابني هو اللي هيشربها. رفعت ليلى عينيها إليها. لم تقل شيئًا. فقط نظرت إليها نظرة خالية من الحياة. عند عمران... حل المساء، لكنه لم يشعر بمروره. ظل جالسًا في مكانه منذ ساعات، عيناه شاردتان، وعقله يعيد صوت ليلى مرة بعد مرة. كذب عيوني يا عمران، هصدقك، قولي انك متعملش كدا... واخرى تصرخ بداخله وهي تتسائل بقهر. _ليه عملت فيا كدا أغمض عينيه بألم... وصورتها لم تخف من ذاكرته لم يكن يعرف لماذا يشعر بأن شيئًا رهيبًا حدث لها. رن هاتفه.رفع الهاتف دون اهتمام. _عمران، لازم تيجي الفيلا ضروري. تمتمت بهت والدته _ماما... ماليش مزاج. _مستنياك يا عمران. أغلق المكالمة، وبعد دقائق نهض واتجه إلى سيارته. وفي الطريق، رن هاتفه مرة أخرى. _عمران بيه، مسكنا المشتبه به اللي حاول يخطف ملك. انتبه عمران فورًا. _فين؟ _في القسم. لازم تيجي تشوفه. واتصلنا بالبنت اللي شافته، بس مش بترد. لو تعرف توصلها... صمت عمران لحظة. ثم قال: _لا... معرفهاش. قالها وأغلق الهاتف. لم تمضِ دقائق حتى رن هاتفه من جديد. كان صديقه. _عرفت إن الشرطة مسكت واحد منهم؟ _آه... لسه عارف. _طيب قولي إيه آخر أخبار الق\ضية؟ عايز أعرف مين ورا الموضوع. _لسه هنعرف... بس فيه حاجة لازم تعرفها. _إيه؟ جاءه صوت صديقه أكثر جدية: _الراجل ده كان معاه أمر بقتل البنت اللي شافتهم. تجمدت يد عمران فوق المقود. _قصدك مين؟ _معرفش اسمها... البنت اللي أنقذت ملك. انقبض قلبه فجأة. _ليلى... خرج اسمها من بين شفتيه كهمسة مرتجفة. _أيوه. توقف نفس عمران للحظة.. تابع علي _جاله أمر بقتلها... معرفش إنت تعرفها ولا لأ، بس خلي بالك. اللعب ده من ناس قريبين. لم يسمع عمران بقية الجملة. كل ما رأه أمامه كان وجه ليلى. دموعها.. خوفها... وصوتها وهي تناديه. ضغط على المكابح فجأة. _علي... قابلني على قسم الشرطة. _حاضر. ــــــــــــــــــــــــــ في البلدة... خرجت ليلى من الغرفة بصحبة ابنة عمها. كانت ترتدي ثوبًا بسيطًا، ووجهها شاحب كأنها فقدت شيئًا لا يمكن استعادته. خلفها، كانت وفاء تجلس منهارة، تبكي بصمت. لم تكن تبكي زواج ابنتها... كانت تبكي لأنها تعرف أن ابنتها لم تعد تملك حق اختيار حياتها. وصلت ليلى إلى المجلس. كان المأذون جالسًا في مكانه. هشام إلى جواره. ومحمود واقف خلفه، بوجه جامد. جلست ليلى. ارتعشت أصابعها فوق بعضها. رفع المأذون عينيه إليها، وسألها بهدوء: _ليلى... موافقة تتجوزي هشام؟ ساد الصمت. نظرت ليلى إلى والدها. ثم إلى أمها التي كانت تبكي من بعيد. وفي تلك اللحظة... تخيلت عمران.. تخيلت صوته. تخيلت يده حين كان يمسك بيدها ويقول لها إنها بأمان. انكسرت دمعة وحيدة على خدها. ثم أغمضت عينيها... بينما كان الجميع ينتظر كلمة واحدة قد تغيّر حياتها إلى الأبد. عند عمران خرج من قسم الشرطة مع صديقه، يتسائل _علي... عايز الموضوع دا يخلص سمعتني _حاضر _ماتيجي نسهر فتح باب سيارته يهز رأسه بالرفض _لا... تعبان، عايز أروح ارتاح، تصبح على خير فتح عمران باب السيارة بعنف، وصعد إلى مقعده، ثم أغلق الباب خلفه بقوة. كانت أنفاسه متلاحقة، وصدره يعلو ويهبط بعنف، وكأن الغضب الذي بداخله أكبر من أن يستوعبه جسده. مد يده إلى المقود، وقبل أن يدير المحرك، ارتفع رنين هاتفه. رسالة. التقط الهاتف بضيق، وفتحها دون اهتمام... لكن ما إن وقعت عيناه على محتواها حتى تجمدت ملامحه. كانت صورة ليلى. ترتدي فستان زفاف بسيط، واقفة أمام المأذون، وبجوارها شاب لم يعرفه. ظل يحدق في الصورة لثوانٍ طويلة، وكأن عقله يرفض تصديق ما تراه عيناه. ثم ظهرت رسالة أسفل الصورة: _إيه؟ مش هتبارك لحبيبتك؟ وتبعها إيموجي ضاحك. انقبض فك عمران، وشدت أصابعه على الهاتف حتى ابيضت مفاصلها. _ليلى... خرج اسمها منه مخنوقًا. عاد ينظر إلى الصورة. فستان أبيض...مأذون... رجل يقف بجوارها... ثلاثة أشياء كانت كفيلة بأن تسحق قلبه دفعة واحدة. هنا ارتفع صوتها داخل رأسه. "اوعدني إنك مش هتسبني مهما حصل..." أغمض عينيه بقوة، وكأن كلماتها تحاول أن تنقذه من الصورة التي مزقت قلبه. ثم جاء صوتها مرة أخرى، مرتجفًا: "بابا لو عرف... هيحرمني من التعليم ومنك." فتح عينيه. وتوالت الذكريات كأنها تُعرض أمامه الآن. "أنا مش مخطوبة..." "أنا اتلعب بيا." توقف قلبه لحظة. ثم بدأ يخفق بعنف. رفع عمران رأسه نحو الطريق وقال "اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك " قدرًا لايشبهه بقلم سيلا وليد نظرت ليلى إلى المأذون، فانتفض جسدها بالكامل، وكأن صوته وحده كان كافيًا ليعيدها إلى كل ما حاولت الهروب منه. كانت النظرات المحيطة بها تنهشها كسهامٍ مسمومة، والكلمات التي سمعتها منذ أن وطأت قدماها منزل والدها ما زالت تتردد داخل رأسها بلا رحمة: خاطية... زانية... هتتجوز... دخلة بلدي... اغسل عارك. أغمضت عينيها بقوة، تحاول إسكات تلك الأصوات، لكن بدلًا منها ظهرت أمامها صورة.. عمران. ضحكاته... نظراته... اعترافاته التي جعلت قلبها يرفرف من السعادة... قربه منها... وذلك الحنان الذي أغدقه عليها حتى شعرت، ولو لشهر واحد فقط، أنها أهم امرأة في العالم. شهر واحد فقط... شهر جعلها كنجمةٍ ساطعة في السماء، ثم هوى بها من سابع سماء إلى سابع أرض. رأت الفيديو من جديد... عمران مع أخرى. قبلات مجنونة، ونظرات عاشقة، كأنها لم تكن يومًا في حياته. ثم تذكرت ذهابها إليه... كيف كانت نظراته إليها باشمئزاز؟ كيف اتهمها بأبشع الكلمات؟ كيف طردها من أمامه وكأنها شيء مقزز لا يستحق حتى الوقوف أمامه؟ ثم ضربات أخيها... صرخات أبيها... كل شيء اجتمع فوق قلبها في يوم واحد. يوم واحد فقط... كان كافيًا لتكره الحياة، وتتمنى لو أن الموت يمد يده إليها وينهي كل هذا الألم. ارتجفت شفتاها، وانسابت دمعة ساخنة على وجنتها. وفجأة، جاءها صوت المأذون كأنه حكم بالإعدام: _ليلى محمود المختار، موافقة على جوازك من هشام محمد المختار نظرت اليه بضياع، وتذكرت كلمات عمران —ايه مش مرات عمران الزيني... توقفت أنفاسها. ارتجف قلبها بعنف. ثم كلمات والدها — دخلتك على ابن عمك... تجمدت أطرافها. فتحت عينيها ببطء، بينما كان المأذون يكرر سؤاله: — ليلى محمود المختار... موافقة على هشام محمد المختار؟ رفعت عينيها المرتجفتين نحو هشام. فالتقت عيناه بعينيها، وعلى شفتيه ابتسامة باردة، ساخرة. تذكرت كلماته قبل قليل، حين اقترب منها وهمس بجوار أذنها بصوت جعل الدم يهرب من عروقها: — قولتي إنك مش بتحبيني، وعمرك ما هتفكري فيا... اقترب أكثر، ونظر إليها بنظرات مخيفة. — وأنا بقى الليلة هعيشكِ أسود ليلة في حياتك. هخلي صوتك يوصل للناس كلها، علشان تعرفي اللي بيدوس على هشام بيتعمل فيه إيه. شهقت بصمت، وعيناها اتسعتا رعبًا. تابع بهدوء أكثر رعبًا: — ومتأكد إن الحيوان ده ملمسكيش... بس خليهم يثبتوا ده. ابتسم ابتسامة خبيثة. — وفي ليلة واحدة هعلّم في حياتك كلها. ومش بس كده... تاني يوم هتجوز عليكي أحسن بنت في البلد. صاحبتك... وإنتِ عارفاها. ثم مال عليها، وهمس بهسيسٍ مرعب: — وكل ليلة هخليكي تتمني الموت يا بنت عمي. ارتعشت ليلى بعنف. كانت تسمع دقات قلبها داخل أذنيها. وكأن قلبها نفسه يصرخ طالبًا النجدة. وللحظة واحدة فقط... تمنت أن يظهر عمران. تمنت أن يفتح الباب فجأة، أن يقتحم هذا المكان، أن ينتشلها من بين أيديهم، أن يقول لها إنها لن تتزوج أحدًا. رغم كل ما فعله بها...رغم أنه كسرها وطعن قلبها بأبشع الكلمات... إلا أنها، في أضعف لحظاتها، ما زالت تتمنى أن يأتي. انسابت دموعها بغزارة، بينما أعاد المأذون السؤال للمرة الأخيرة: — ليلى محمود المختار... موافقة على الزواج من هشام محمد المختار؟ لم تستطع الرد. كان صوتها محبوسًا في صدرها. صاح والدها بغضب: — ما تردي على الشيخ يا بت! انتفضت. رفعت عينيها إليه، فشعرت فجأة بأن المكان يدور حولها.. الوجوه أمامها بدأت تتداخل... الصوت ابتعد...والظلام أخذ يزحف ببطء إلى عينيها. في تلك اللحظة، لم تعد تتمنى النجاة... كانت تتمنى فقط أن تغيب عن الحياة، أن تنام ولا تستيقظ. أن يرحمها الله من هذا اليوم، ومن كل ما سيأتي بعده. حاولت تحريك لسانها.. حاولت أن تنطق... لكن لسانها كان ثقيلًا، وكأن جسدها كله أعلن استسلامه. وفجأة.... دوّى صوت من خلف الجميع: — ليلى! رفعت عينيها بصعوبة. رأت فريد يركض نحوها، وجهه شاحب، وعيناه ممتلئتان بالفزع.. تخيلته عمران، كل ماتتمناه هو ولا غيره، حاولت أن تتحدث. تحركت شفتاها بصعوبة شديدة، وخرج صوتها مبحوحًا متقطعًا: — عُم... ران... كانت تلك الكلمة آخر ما استطاعت أن تقوله.. وفجأة ارتخت عضلات جسدها بالكامل... وسقطت من فوق المقعد. — ليلى! اندفع فريد نحوها، بينما تعالت صرخة وفاء: — بنتي! تجمد المأذون في مكانه، ونظر إليها بصدمة. — لا حول ولا قوة إلا بالله... البنت وشها أزرق يا جماعة! انحنى فريد وحملها سريعًا، يربت على وجنتيها المرتعشتين: — ليلى... ليلى افتحي عينيكي! ليلى! لكن والدها دفعه بعنف: — ابعد عنها! ثم اقترب من ابنته، ولكزها بطرف عصاه: — قومي يا بت! بطلي تمثيل! لم تتحرك.. لم تفتح عينيها. كان وجهها شاحبًا بصورة مخيفة، وكأن الحياة نفسها بدأت تنسحب منه. تجمد محمود للحظة. ثم اندفعت وفاء نحوه بكل ما تبقى لديها من قوة، ودفعته بعيدًا عنها. — ابعد عن بنتي؟! تراجع محمود مذهولًا. وقفت وفاء أمام ابنتها، ثم صرخت في وجوه الجميع: — بررررة! ترددت صرختها في أرجاء البيت. — برة بيتي! كلكم اطلعوا برة! كانت تبكي وتصرخ في آنٍ واحد. — ربنا ياخدكم... ربنا ينتقم منكم! ثم التفتت إلى زوجها، وعيناها تحترقان بالقهر: — ربنا ينتقم منك يا محمود! ربنا ينتقم منك إنت وأخوك ومراته وولاده! صاح محمد بغضب: — ما كفاية يا أختي! مش كفاية إننا رضينا بيها؟ التفتت إليه وفاء، وقد فاض بها الكيل، وصاحت من أعماق قلبها: — ربنا يفضحك يا محمد! إنت ومراتك... في أعز ما عندكم! زي ما كسرتوا بنتي، ربنا يوريكم الوجع اللي أنا شايفاه في عينيها! في تلك اللحظة حمل فريد أخته بين ذراعيه، وضم جسدها المرتخي إلى صدره. وقال بصوتًا خرج مبحوحًا من الخوف: — ماما! التفتت إليه وفاء. — ليلى بتموت يا ماما! لازم نلحقها! شهقت وفاء، وركضت نحوهما وهي تبكي: — بنتي... يا روح قلبي! اقتربت منهما والدموع تغرق وجهها: — حسبي الله ونعم الوكيل... ارتجف صوتها: — يا رب... إنت شايف اللي حصل لبنتي. ثم احتضنت رأس ليلى، وهي تردد بانهيار: — يا رب ما تسيبش حقها... يا رب رد لها وجعها في اللي ظلموها... ي بينما صرخ فريد: — لازم نوديها المستشفى حالًا! وتحول البيت في لحظات إلى صراخ وفوضى... أما ليلى... فكانت غارقة في غيبوبتها، لا تسمع شيئًا. ولا تدري أن آخر كلمة خرجت من بين شفتيها قبل أن يغيب عنها الوعي... لم تكن لا...ولم تكن موافقة... كانت اسم الرجل الذي احبته، رغم أنه حطم قلبها... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عند عمران... وصل إلى المنزل بعد وقتٍ لا يعرف كم استغرقه، وترجل من سيارته بجسدٍ مترنح، كأن الطريق كله مرّ فوق صدره. لم يذهب لوالدته، لم يرد أن يراه أحد بهذه الحالة... لم يرد أن تنكشف هشاشته التي حاول طوال عمره أن يخفيها خلف بروده وقسوته. صعد إلى غرفته بخطوات ثقيلة، فتح الباب ودلف إلى الداخل، ثم ألقى مفاتيحه وهاتفه وساعته بلا اهتمام، قبل أن ينهار بجسده فوق فراشه. استلقى على ظهره، وحدق في السقف بعينين زائغتين. لكن صورتها كانت أقوى من أن يهرب منها...رآها بفستان زفافها. أغمض عينيه بقوة، وكأن إغلاقهما سيمنع تلك الصورة من الظهور، لكنها ازدادت وضوحًا. فستان أبيض... وجه شاحب... عيون منكسة... ورجل آخر يقف إلى جوارها. تجمعت الدموع في عينيه دون أن يشعر. لأول مرة في حياته، يفهم معنى أن يكون الألم أكبر من قدرة الإنسان على احتماله. قديمًا... كان الحب بالنسبة إليه شيئًا عابرًا. حب مراهقة مرّ به، وحين انتهى ظن أنه انتهى معه كل شيء. وتمضي الايام والسنين ويعود قلبه للنبض ليلى التي دخلت حياته دون استئذان، تسللت إلى قلبه في الوقت الذي كان يظن فيه أن قلبه لم يعد يعرف الحب. ضحكتها...خوفها...ارتباكها... كل مرة قالت فيها اسمه. كل مرة نظرت إليه وكأن وجوده وحده يمنحها الأمان. كيف يتغلب على كل ذلك الآن؟ كيف يقتلع إنسانة من قلبه بعدما جعلها جزءًا من نبضه؟ ارتجف حين استمع الى، همسة صدحت بااذنه: — أنا بحبك أوي يا عمران... انتفض جسده فجأة، واعتدل في جلسته بأنفاس متسارعة. فتح عينيه، كأن صوتها جاءه من جواره بالفعل. — ليلى..همس بها يبحث عنها جلس و قلبه يضرب بعنف، والذكريات تتهاوى فوق رأسه كصفعات متتالية. ضحكتها.. صوتها.. خجلها. نظراتها إليه. وكلمتها التي ظلت عالقة في داخله: "أنا بحبك." نهض من فوق الفراش بعنف. — كفاية! دار في الغرفة ذهابًا وإيابًا، يمرر يده في شعره بجنون. لا يريد أن يتذكر.. لا يريد أن يسمع صوتها. لا يريد أن يرى وجهها. يريد فقط أن يخرجها من رأسه! لكن عقل الإنسان حين يحاول النسيان، يصبح قلبه أكثر عنادًا. كل لحظة بجوارها عقله ذكّره بها. كل نفس أخذَه حمل رائحتها. وكل نبضة في صدره كانت تنطق باسمها. ضرب كفيه على وجهه بعنف. — اخرجي من دماغي بقى! لكن ضحكتها الطفولية ارتدت في أذنيه من جديد. ضحكتها التي كان يحبها... والآن أصبحت تؤلمه أكثر من أي شيء. رفع رأسه إلى السماء، والدموع تنساب رغمًا عنه. — يا رب... خليني ما أسمعش صوتها تاني. سكت لحظة، ثم ابتسم بمرارة. — حتى لو أصم... بس ما أسمعهاش. اتجه إلى هاتفه فجأة. فتح الصورة التي وصلته.. ظل يحدق فيها طويلًا. هذه المرة لم ينظر إلى فستان الزفاف فقط. عيناه راحتا تلتهمان كل تفصيلة في وجهها. شفتيها المجروحتين...وجهها المتورم... آثار الألم التي لم ينتبه إليها من قبل. تجمد.. قطب جبينه. — مين عمل فيكي كده؟ اقترب من الصورة أكثر. ثم عاد إلى الوراء.. كان هناك شيء خاطئ. شيء لا يستطيع فهمه. لكن الغيرة كانت أعلى من عقله. زوجها.. الرجل الذي اختارته. الرجل الذي وقفت إلى جواره بفستان زفافها.. الرجل الذي من أجله تلاعبت بمشاعره ضغط على أسنانه حتى آلمته. رفع هاتفه واتصل دون تردد — علي. جاءه الصوت من الطرف الآخر: — أيوة يا عمران، معاك. — هبعت لك اسم واحد... تتصرف وتعمله ق\ضية. لازم يبات في السجن الليلة. صمت علي لحظة. — واحد؟! مين ده؟ — خليك معايا... هجيب لك الاسم. أغلق المكالمة، ثم بدأ يقلب في هاتفه بعصبية. أصابعه ترتجف. كان يعرف أنه يتصرف بدافع الغضب. يعرف أنه ربما يظلم رجلًا لا يعرف عنه شيئًا، لكن الألم كان قد أعماه. هي لعبت بمشاعره كما يظن... خدعته...جعلته يصدق أنها تحبه، ثم ذهبت في النهاية إلى رجل آخر. أقسم أن هذه الليلة لن يتركها تنعم بما فعلته به.. عاد واتصل بعلي. — علي! — معاك يا عمران. — اسمه هشام محمد المختار. — حاضر... بس ده مش من القاهرة. — لا... هتلاقي اسم المحافظة عندك لما تبحث عن اسمه. صمت علي لحظات. — خلاص ظهر عندي. — خلال نص ساعة تتصل بيا وتقولي اتحبس. __ودي اعملها ازاي، بتهمة جوازه من امي _علييي... صرخ بها — طيب عمل فيك إيه يا عمران؟ اشتعلت عيناه. — نفذ من غير أسئلة. قالها وأغلق الهاتف. ظل واقفًا للحظات، ثم ألقاه فوق الفراش. دخل الحمام، وغاب دقائق، لكنه لم ينجح في تهدئة شيء. وعندما خرج، جلس على طرف السرير. انتظر.. ثوانٍ...دقائق...حتى وصل ساعة كاملة، لم يتحرك. كان الهاتف أمامه، وعيناه معلقتان به كأنه ينتظر حكمًا على حياته كلها.. لايريد أن تهنأ هذه الليلة ضغط على شفتيه بقوة ادماه، وغيرته المجنونة تعميه، يضحك على نفسه، هو لايريد أحدًا يلمسها، يريد أن يحطم اي أحدًا يقترب منها، حتى اذ هي خدعته باسم الحب، المهم عنده لا احد يقترب منها ارتفع رنينه، التقطه فورًا. — كله تمام؟ — أيوة. — اتحبس؟ — أيوة. سكت عمران لحظة، ثم سأل بصوت بارد يخفي تحته نارًا: — التهمة إيه؟ — الواد ده حشاش، بيشرب بانجو، وملموم على شلة مش تمام... وعرفت كمان إنه نسونجي.. توقف نفس عمران. حدق أمامه. إذن...هذا هو الرجل الذي اختارته؟ هذا هو الرجل الذي تركته من أجله؟ شعر بشيء يمزق صدره. — عمران؟ معايا؟ ابتلع مرارته. — معاك... كمل. — الواد كان فرحه الليلة. بصراحة اتضايقت، ولولا إنك صاحبي مكنتش عملتها. في اللحظة نفسها، قبض عمران على الكوب الموجود بجواره. ضغط أكثر...حتى تحطم الزجاج داخل قبضته، وسال الدم بين أصابعه. لم يشعر بشيء. — المهم... مش عايزه يطلع. — طيب مش تعرف دخل ليه؟ — ميهمنيش. — عمران... — المهم يدخل... وميخرجش غير لما أنا أقول. صمت" علي" لحظة، ثم قال: — حرام عليك يا عمران. ده عريس، بدل ما تكون دي ليلة العمر مع مراته، تحبسه؟ انفجر عمران: — اخرس! قالها وأغلق الهاتف. ظل واقفًا مكانه. صدره يرتفع ويهبط بعنف. كان يظن أن حبس الرجل سيمنحه راحة. أنه حين يمنعه عنها ، سيشعر أنه استعاد شيئًا من حقه. لكن...لم يشعر بأي راحة. على العكس، ازدادت النار اشتعالًا. لأن الحقيقة لم تتغير.. ليلى ما زالت زوجته. رجل آخر يحمل حقًا لا يملكه هو. رجل آخر ستعود إليه الليلة. وفجأة، أدرك الحقيقة التي حاول الهروب منها: هو لم يكن يريد الانتقام من هشام... كان يريد الانتقام من ليلى.لأنها جعلته يحبها، ثم غدرت به. جلس على طرف السرير، ومرر يده على وجهه. — ليه يا ليلى؟ خرج السؤال مبحوحًا. — ليه عملتي فيا كده؟ لم تجبه إلا ذكرياته.. رفع هاتفه. فتح اسمها.. تردد لحظة، ثم ضغط اتصال. مرة... لا رد، أعاد الاتصال. مرتان، ثلاث، ولا إجابة. اشتعل غضبه. — ردي... اتصل مرة أخرى. لا شيء. بدأ غضبه يتحول إلى خوف. هل هي معه؟ هل تخبره الآن أنها اختارت زوجها؟ هل تحتفل معه بزفافهما؟ هل تنام مطمئنة بين ذراعيه بينما هو يموت هنا؟ ضغط على الهاتف بقوة... كيف؟ وعلي اخبره بسجنه ثم فجأة، قذف به في الحائط. — ردييييي! سقط الهاتف أرضًا. وانهار صوته. — ردي... عايز أسمع صوتك دلوقتي! ضرب صدره بقبضته. — عايز أفهم! عايز أعرف إزاي قدرتي تعملي فيا كده؟ تعثرت أنفاسه. — تيجي تعيطي عندي الصبح... ضحك ضحكة موجوعة. — وبالليل... تتجوزيه؟ هز رأسه بعنف، والدموع تنهمر دون مقاومة. — أنا كنت إيه بالنسبة لك؟ سقط جالسًا على الأرض. لأول مرة لم يحاول أن يخفي دموعه. لم يكن عمران البارد.. ولا رجل الأعمال الذي لا يهتز. ولا الرجل الذي اعتاد أن يسيطر على كل شيء. كان فقط...رجلًا مكسورًا. رجلًا أحب امرأة حتى صار وجودها جزءًا من حياته، ثم وجدها واقفة بفستان أبيض إلى جوار رجل آخر. رفع عينيه إلى الفراغ. — أنا حبيتك بجد خرجت الكلمات كأنها اعتراف ينتزعه الألم من بين ضلوعه. — والله ما كنت بلعب بيكي... شهق، ومسح وجهه بعنف. اختنق صوته وخرج مبحوحًا، محملًا بكل القهر الذي عجز عن إخراجه: — زبااااااااالة... ثم خفت صوته. — بس أنا اللي طلعت غبي... أغمض عينيه. وتسللت إلى رأسه صورتها من جديد. هذه المرة لم يرَ حالتها ب فستان الزفاف. بل تخيل أنها تبتسم لغيره، وتكون ملكه لم يعد يصدق شيئًا من كلمات فانهار أكثر.. لأنه، رغم كل غضبه... رغم كل ما فعلته..ورغم اقتناعه بأنها غدرت به...كان قلبه اللعين ما زال يحبها. عند ليلى توقف فريد أمام الطبيب، وقد بدا القلق واضحًا على ملامحه — طمّني يا دكتور. تنهد الطبيب بهدوء، ثم قال: — أنا اديتها العلاج المناسب، وإن شاء الله الصبح نعمل شوية تحاليل وفحوصات، ونشوف حالتها بشكل أدق. أومأ فريد، لكنه لم يبدُ مقتنعًا تمامًا. في الداخل، كانت وفاء تجلس بجوار فراش ابنتها، تبكي بنحيب مكتوم دلف فريد إلى الغرفة، فما إن رأته حتى هبّت من مكانها. — إيه يا فريد؟ الدكتور قالك إيه؟ جلس على المقعد بجوار فراش أخته، وألقى نظرة عليها قبل أن يجيب: — مقلش حاجة تطمّن يا ماما... أنا لازم أخدها مصر. هنا الدكاترة مش بنفس المستوى، وأنا مش هسيبها كده. أسرعت وفاء تهز رأسها. — طيب يا حبيبي... يلا، ناخدها ونروح. مرر فريد يده على وجهه بعصبية. — الصبح يا ماما، دلوقتي صعب. هشوف عربية صاحبي تاخدنا، ونمشي أول ما الدنيا تنور. أومأت وفاء، وعادت لتجلس بجوار ابنتها. مرت الساعات ثقيلة، بطيئة، وكأن الليل قرر ألا ينتهي... حتى أشرق الصباح بنوره. فتحت وفاء عينيها بعدما غلبها النعاس فوق المقعد. التفتت نحو ابنتها. كانت ليلى ما تزال غافية. اقتربت منها، وانحنت تقبل جبينها بحنان، ثم اتجهت نحو باب الغرفة. وقبل أن تخرج، جاءها صوت فريد من خلفها: — ماما... رايحة فين؟ التفتت إليه. — هوصل البيت يا حبيبي، أجيب شوية هدوم... علشان هروح معاكم. أومأ فريد. — ما تتأخريش. أنا كلمت صاحبي امبارح، وقالي هيكون هنا على الساعة تمانية. هزت رأسها وخرجت مسرعة. في منزل وفاء دلفت إلى البيت، فوجدت زوجها جالسًا فوق سجادة الصلاة، يردد بعض الأذكار خلف صوت الراديو. لم تنظر إليه اتجهت مباشرة إلى غرفتها، وسحبت بعض الملابس ووضعتها داخل حقيبتها، ثم فتحت صندوقها الصغير وأخرجت علبة ذهبها، وضعتها داخل الحقيبة وأغلقتها. وحين همّت بالخروج، ظهر زوجها خلفها. طالعها ببرود، ثم قال بسخرية لاذعة: — إيه؟ بنتك الغندورة لسه عايشة؟ توقفت للحظة.. لم ترد. فقط قبضت على حقيبتها بقوة، واتجهت نحو الباب. لكن قبل أن تخرج، التفتت إليه، وقد فاض بها ما تحملته سنوات: — يبقى طلّقني... وابعت ورقتي على شقة ابنك. قالتها، ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها بقوة، حتى اهتزت له الجدران. ظل واقفًا مكانه، متسع العينين من الصدمة. لم يتوقع أن تصل بها الأمور إلى تلك النقطة. تمتم بغيظ: — بقى كده يا وفاء؟... طيب. بعد عدة ساعات وصل فريد إلى القاهرة، اتجه بنظره إلى صديقه فارس. — هتعبك معايا يا فارس... هتوديني مستشفى الجامعة. عرفت إن فيه استشاري هيكون موجود النهارده. أومأ فارس. — حاضر يا فريد. ثم اتجهت عيناه إلى ليلى، التي كانت غافية بين ذراعي والدتها، بينما ذراع وفاء تحاوطها بحماية بعد فترة، توقف فريد أمام الطبيب. استمع إليه بترقب، حتى تحدث الطبيب بهدوء: — اللي حصل لليلى سبّب لها صدمة عصبية ونفسية شديدة جدًا. الظاهر إن الصدمة أثرت على قدرتها على الكلام والحركة بشكل مؤقت، وده كمان مفسر حالة البكاء الهستيري اللي بتدخل فيها. ابتلع فريد ريقه. — طيب يا دكتور... هتخف؟ ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة. — بإذن الله. لكن هي محتاجة وقت... وصبر... وأهم حاجة الأمان. حاول تبعدها تمامًا عن المكان والناس اللي ارتبطوا باللي حصل لها. وجودها في بيئة هادية وآمنة هيساعدها كتير. أومأ فريد، ثم مد يده وصافحه. — ربنا يكرمك يا دكتور. بعد عدة ساعات... كانت وفاء تجلس بجوار ابنتها، تدثرها بالغطاء، بينما دموعها تنساب بصمت. وفجأة، استيقظت ليلى مذعورة. خرجت منها شهقة حادة، ثم انفجرت في البكاء. بكاء مرتفع، متقطع، وكأنها تحاول الهرب من شيء لا يراه أحد سواها. شهقت وفاء، وانحنت عليها، تمسح على خصلات شعرها بحنان. — بعد الشر عليكي يا نور عيوني... أنا هنا، مفيش حاجة هتحصلك تاني. لكن ليلى لم تستطع الرد. كل ما استطاعت فعله أنها واصلت البكاء. بالخارج جلس فريد على أحد المقاعد، يمسح وجهه بعنف. كان حديث الطبيب يتردد داخل رأسه. هتحتاج علاج... ووقت... وصبر. رفع عينيه نحو باب الغرفة، على صرخات اخته، اتجه سريعًا اايها وقام بحقنها بالمحلول الذي يعلق بوريدها، توقف يراقب اخته الى أن هدأت، ثم زفر بحرقة. _هتفضل كدا يافريد، عايشة على المهدئات قبل أن يرد، ارتفع رنين هاتفه. نظر إلى الشاشة، فوجد مدحت. لم يرد في البداية. لكن الهاتف استمر في الرنين. أجاب أخيرًا: — أيوه يا مستر مدحت؟ جاءه صوت مدحت: — فريد، الساعة واحدة... ليه مجتش؟ امبارح كمان مجتش. الشغل ده لازم يتسلم في معاده. تنهد فريد بضيق. — اعذرني يا مستر مدحت، مش هعرف أجي. — مينفعش كده يا فريد، إحنا عندنا شغل والتزامات... قاطعه فريد: — عندي ظروفي يا مستر مدحت، ولازم أقفل دلوقتي. بعد إذنك. قالها وأغلق الهاتف. رفع مدحت عينيه إلى عمران الجالس أمامه. — بيقول عنده ظروف. تهكم عمران بسخرية، بعدما كان قد حسم في رأسه أن فريد يتغيب لزواج اخته،او ربما سجن هشام. فقال ببرود: — كلمه وقوله... استغنينا عن خدماته. اتسعت عينا مدحت. — إيه اللي بتقوله ده يا عمران بيه؟ نهض عمران من مكانه دون اكتراث. — ابعت له نهاية الخدمة. الواد ده مبقاش يلزمني. — بس يا عمران بيه... الواد عنده ظروف. التفت إليه عمران بنظرة حادة. — ما تيجي تقعد مكاني يا مدحت. صمت مدحت. أكمل عمران ببرود: — هو أنا فاتحها سبيل؟ الشغل شغل... واللي يغيب يتحمل نتيجة غيابه. ثم أضاف: — ابعت له خمسمية ألف. اتسعت عينا مدحت. — خمسمية ألف؟ — اللي تشوفه يا عمران بيه؟ ابتسم عمران ابتسامة باردة. — بالظبط... اللي أشوفه. إنت ما تشوفش. في منزل محمد... عم ليلى كانت منال تجلس وهي تلطم صدرها وتولول: — يا حبيبي يا ابني... يا ترى عامل إيه دلوقتي؟! كان وشها شؤم بنت وفاء... صاح محمد بضيق: — قومي يا منال، خلينا نروح نشوف الواد محبوس ليه. وقبل أن تتحرك، دخل محمود بعد أن نادى على أخيه: — لو جاهزين... يلا، هاجي معاكم. التفتت إليه منال باستنكار: — مش هتروح تشوف بنتك يا محمود؟ تجمدت ملامحه، ثم قال بجمود قاتل: — بنتي ماتت يا منال نظر إليه أخوه في صدمة. أما محمود، فتابع بصوت مكسور يخفي خلفه قسوة: — ماتت يوم ما وطّت راسي... يوم ما خلتني أبص في وش الناس بسببها. ثم اتجه نحو الباب. — يلا... هشام أهم دلوقتي. مساء ارتفع رنين جرس الباب، نهض فريد وفتحه _مستر مدحت _تسمح لي يابني ادخل اومأ وابتعد عن فتحة الباب _طبعًا اتفضل خرجت وفاء وعيناها متورمة بالبكاء حمحم مدحت _مساء الخير يامدام اومأت دون رد، اشار فريد الى مدحت _مستر مدحت ياماما رئيسي في الشغل _اهلا يااستاذ، قالتها بصوت مختنق _اهلا بيكي رفع فريد رأسه اليها _ماما اتنين قهوة مظبوطة حبيبتي _حاضر.... قالتها ودلفت للداخل راقبها مدحت الى اختفت داخل المطبخ صمت دام الى أن قال فريد _عارف ان حضرتك مضايق، بس انا مش هينفع اشتغل في الشركة دي تاني توسعت أعين مدحت من حديثه ورغم ذلك لم يعلق، عجز عن الحديث لبعض الدقائق ثم قال _والله يافريد مش عارف اقولك ايه، معرفش عمران بيه اصلا ماله بقاله يومين مش على بعضه، وعمال يرفض في الموظفين، وامر كل اللي مجاش الشغل النهاردة يترفض حزن فريد من كلماته، علم أن عمران رفضه لسبب خاص، ورغم ذلك قال _يعني أنا اترفضت قصدك، انا لسة قايلك، انا مكنتش هروح تاني _مش عارف اقولك ايه يابني _متقولش حاجة يامستر... كله نصيب انا اصلا بدور على شغل، فلو مفيهاش ازعاج لو تعرف شركة طالبة محاسبين هكون شاكر لحضرتك _هشوف لك يابني حاضر رفع حقيبة المال ووضعها أمامه على المنضدة _الفلوس دي صرفها عمران بيه لكل اللي اترفضوا نظر للفلوس، ثم الى مدحت _اسف مش هقدر اخدهم، انا مش بقالي سنين، اشكره، مش محتاجهم _بس يافريد قاطعه فريد _لو سمحت يامستر مدحت وصلت وفاء بالقهوة، وضعتها امامهم بصمت فجأة، ارتفع صوت نحيب ليلى بالداخل، ركضت وفاء للداخل وخلفها فريد. حاول تهدئتها، يضمها، ولكن بكاؤها اخترق الصدور. _ليلى حبيبتي، اهدي ياماما، اهدي حبيبتي ولكنها تبكي فقط حقنها فريد كالعادة، ظل لدقائق معدودة بالداخل ثم خرج معتذرا الى مدحت طالعه مدحت بااستفهام _فيه حاجة يابني _لا دي ليلى اختي تعبانة _سلامتها... ألف سلامة عليها، بس ليه صوت عياطها كدا، لو عايز مساعدة _شكر لحضرتك يامستر، اختي للاسف فقدت النطق والحركة وعايشة على المهدئات ذهل مدحت من كلماته، هل يحكي عن الفتاة التي تملأ الدنيا ضحك لقد حزن كثيرا عليها... بمنزل شهاب خرجت نيفين من المطبخ تحمل فنجان القهوة، واتجهت إلى الأريكة وجلست بجوار شهاب. — تفتكر عمران صدّق اللي حصل؟ مد شهاب ذراعه، وأحاط خصرها يقربها منه بلا اهتمام بما يدور داخل رأسها. — مش مهم صدّق ولا لأ... المهم إن البنت اتجوزت، وبعدت عنه. وبعدين على فكرة، عمران كان هيتسلى يومين بجواز عرفي، انا خفت تحمل منه هزت نيفين رأسها نافية، وقالت بنبرة واثقة: — لا يا شهاب... أنت مشفتوش ولا سمعته وهو معايا. ده كان واقع فيها ابتسم شهاب بسخرية. — خلاص انسي. أهم حاجة إن البنت بعدت، ومش هيتجوزها. وأنا مش عايز عمران يتجوز خالص يا نيفين... مش قبل ما ناخد كل حاجة. ارتشفت نيفين من قهوتها، لكن عقلها لم يكن مع شهاب. كانت قبلات عمران ما تزال عالقة في ذاكرتها... صوته، نظراته، ارتباكه، وطريقته التي جعلتها للحظات تنسى كل شيء حولها. لاحظ شهاب شرودها، فقال بضيق: — هتفضلي تشربي القهوة دي لحد الصبح؟ ما تقومي علشان ننام. وضعت الفنجان على الطاولة. — ماليش مزاج يا شهاب. في لحظة واحدة، امتدت يده وأطبقت على عنقها. شهقت نيفين، ورفعت كفيها تدفع يده بعيدًا وهي تحاول التقاط أنفاسها. — إيه؟! عايز تموتني؟ اقترب منها بعينين غاضبتين: — مالك من يوم ما الزفت قرب لك وإنتِ مش طايقة لمستي؟ دفعته عنها، تلهث وهي تحدق فيه بخوف. لكنه نهض، وعدّل ملابسه ببرود، ثم اتجه نحو الباب. — قبل ما أوصل الباب تكوني ورايا... سمعتي ولا لأ؟ تركها واقفة في مكانها، بينما ظلت تنظر إلى أثره بصمت. في اليوم التالي... بمكتب عمران كان جالسًا خلف مكتبه، يحاول أن يدفن عقله في العمل بعدما عجز طوال الليل عن إسكات أفكاره. دلف مدحت إلى المكتب. رفع عمران عينيه إليه. — حضرت المهندسين اللي هيقدموا العرض كويس يا مدحت؟ بالميزانية وكل حاجة؟ أومأ مدحت. — جهزت كل حاجة يا عمران بيه. رفع عمران رأسه عن الأوراق، وأسند ظهره إلى مقعده. — الاجتماع ده مهم أوي يا مدحت. إنت عارف ميزانية المشروع كام. عايزك تبقى فايق لكل رقم... غلطة واحدة ممكن تضيع علينا المشروع كله. وأنا دماغي مشغولة اليومين دول. — حضرتك مش هتحضر ولا إيه؟ رفع عمران حاجبه. — لا طبعًا هحضر. ده أهم مشروع السنة دي، ولو خسرناه الشركة هتغرق. — إن شاء الله يكون من نصيبنا. أنا حضرت كل حاجة، تحب تشوفها؟ أشار عمران بيده. — لا... وديها لعلي، هو يراجعها كويس. ثم وقعت عيناه على الحقيبة التي يحملها مدحت. — دي إيه؟ وضع مدحت الحقيبة أمامه. — الفلوس اللي حضرتك بعتهم لفريد... رفض ياخدهم. زم عمران شفتيه بسخرية. — هو حر. المهم... نزل إعلان عن محاسب كفء وأمين. ظل مدحت واقفًا مكانه. رفع عمران عينيه إليه بضيق. — مالك واقف كده ليه؟ تردد مدحت للحظات وهو ينظر الى عمران ثم قال — عايز أقول لحضرتك حاجة... بس متزعلش. — قول يا سيدي، مش فاضي. أخذ مدحت نفسًا. — أنا اتوسطت له في شركة المنشاوي. الواد صعب عليا... خصوصًا لما عرفت إنه بيدور على شغل علشان يعالج أخته المريضة. توقفت أنفاس عمران للحظة. اعتدل في جلسته. — هو... ليه أخت مريضة؟وبقلم سيلا وليد — أيوه. ثم أضاف مدحت: — حضرتك تعرفها. ثبت عمران عينيه عليه. — مين؟ — ليلى يا عمران بيه. توقف الزمن. مجرد سماع اسمها جعل قلبه يخفق بعنف مفاجئ. — ليلى؟ — أيوه... مش عارف حضرتك فاكرها ولا لأ، بس البنت حالتها اتغيرت جدًا. عرفت إنها فقدت الحركة والنطق. لم يستوعب عمران الجملة كاملة. فقدت الحركة والنطق؟ لماذا؟.. كيف؟ هل حدث لها ذلك بعد أن سُجن زوجها؟ زوجها... الكلمة وحدها كانت كفيلة بإشعال نار في صدره. وقبل أن يسأل، دلف علي إلى المكتب. — عمران، فاضي؟ فيه حاجة مهمة لازم تسمعها لم يرد.. اقترب علي، ثم نظر إلى مدحت. — سبنا شوية يا أستاذ مدحت. خرج مدحت، وأغلق الباب خلفه. ظل عمران جالسًا مكانه، كأنه تحول إلى تمثال. وجهه شاحب، وعيناه ثابتتان في نقطة لا يراها أحد. قال علي بحذر: — عمران... فيه حاجة لازم تسمعها. رفع عمران يده في وجهه. — علي... بعدين. — لا، لازم تسمع. الموضوع مهم. — مش عايز أسمع حاجة. اشتعلت عيناه فجأة، وانفجر: — سبني دلوقتي يا علي! لكن علي لم يتحرك. — مش هطلع. ولازم تسمعني يا بني آدم. وقبل أن يعترض عمران، فتح علي هاتفه. خرج صوت شهاب من التسجيل: — برافو يا نيفين... أنا لما عرفت اتجننت. ثم جاء صوت نيفين: — وأنا كمان. مضحكش عليك يا شهاب، متخيلتش عمران يحب واحدة كده. ثم صوت شهاب ساخرًا: — المهم اتخلصنا منها. عمران مش لازم يتجوز أبدًا. تجمد عمران. ثم جاء صوت نيفين: — تفتكر كان ممكن يتجوزها؟ — يتجوز مين؟ هو أنا كنت هسمح بكده؟ تتابعت الكلمات... كل كلمة كانت تسقط على عمران كطعنة. خطوبة مزيفة.. اتفاق ملفق.. زواج لم يتم. صور استُخدمت لخداعه. أغمض عمران عينيه، انقبض فكه. كان يشعر أن شيئًا ما يُنتزع من صدره بعنف. ثم جاء الصوت الأخطر: — البنت مكنتش مخطوبة برضاها.. دا كان اتفاق، بس ابن عمها استغل الاتفاق دا __ايه اللي عرفك __ماهو بعد مااسمعت كلام مرات عمها، وهي بتقول خطيبة ابني، امها قالت، ابنك ضحك على البت وفهمها انه بيساعدها، خطوبة ايه ياام خطوبة، والله لو هيموت قدامي مش هتتجوزه فتح عمران عينيه ببطء. استمع حتى النهاية. وعندما أغلق علي التسجيل، ظل الصمت يطبق على المكتب. رفع عمران عينيه إليه. كانت عيناه محمرتين، لكن صوته خرج هادئًا بشكل مخيف: — عايز أعرف إيه اللي حصل في بيت ليلى تنهد علي. — صعب أوي يا عمران. اقترب بجسده يحدق بعيني علي، — سمعتني قلت إيه؟ ابتلع علي ريقه. — هحاول. — مش هتحاول... هتعرف. __ليه مقولتليش ياصاحبي، مش يمكن مكنتش وصلت لكدا نهض علي والتقط هاتفه، فأوقفه عمران و قال: — عايز كل الكاميرات اللي في بيت شهاب. كل حاجة حصلت هناك، كله حتى لياليهم الحمرا حدق علي فيه. — إنت ناوي على إيه؟ رفع عمران عينيه إليه. لم يكن فيهما سوى وجع وغضب. — لما أعرف اللي حصل لها... هقرر. تحرك علي. وبمجرد خروجه، جلس عمران وحده. فتح التسجيل مرة أخرى.. ثم مرة ثانية. وعاشرة. كل مرة يسمع كلمة اتفاق، خطوبة، رفضاه، ضحك عليها، كان قلبه يزداد تمزقًا. كان يظن أنه خسرها لأنها اختارت رجلًا آخر. والآن اكتشف... لعبة ابنة عمه وابن خاله، ياالله، كيف تكون القرابة بهذا الانحطاط، ولقد وقع في فخهم ليلى، الفتاة البريئة التي جاءت تستنجد به، بينما هو كان يعاقبها على جري\مة لم ترتكبها. مرت ساعات.. دلفت السكرتيرة. — عمران بيه... الاجتماع بعد دقائق. رفع عينيه إليها.. نظر إلى ساعته. كانت السادسة مساءً. لم يكن لديه طاقة للحديث مع أحد، ولا حتى للوقوف.. لكنه تذكر كلمات شهاب.. بقلم سيلا وليد أشار إليها بيده. — خليهم يحضروا العربية. مرت ساعات أخرى... حتى جاء علي أخيرًا. وضع أمامه كل ما استطاع جمعه. استمع عمران لكل شيء. كل تفصيلة عن ليلى.. عن والدها. عن إجبارها.. عن الزواج الذي لم يتم. عن حالتها..اتهامات الناس،ورميها بالباطل، وعندما انتهى علي... ظل عمران صامتًا. ثم خرج السؤال من بين شفتيه كأن كل حرف يؤلمه: — يعني... ما كتبوش الكتاب؟ هز علي رأسه. — لأ. أطرق عمران رأسه. أغمض عينيه، وانسابت دمعة وحيدة على خده. همس: — وأنا... كنت فاكر إنها اختارت واحد غيري. رفع رأسه، ينظر بااركان المكتب، وكأنه يرى المشهد أمامه من جديد. ليلى وهي تأتي إليه...تستنجد باعترافه حتى تهرب اليه، وتطلب منه أن يحميها.وهو تركها وظن بها السوء. نهض بصعوبة.. استند إلى مكتبه للحظات. كان يشعر أن قدميه لا تحملانه. — هي جت لي... خرجت الجملة مبحوحة. — جت لي وأنا طردتها. نظر علي إليه بحزن، لكنه لم يجد ما يقوله. تحرك عمران نحو الباب. خطواته كانت ثقيلة، كأنه يحمل فوق ظهره جبالًا من الندم. وصل بعد دقائق أمام منزل فريد ورغم أن المسافة لم تكن طويلة، شعر عمران وكأن الطريق امتد بين الشرق والغرب. أوقف السيارة.. ظل للحظات يحدق في المنزل. هنا كان يوصلها...هنا كانت تضحك. وهنا كانت تودعه أحيانًا وهي تقول له أما الآن...فكل ذكرى أصبحت س\كينًا. أغمض عينيه بقهر، ثم ترجل. صعد الدرج بخطوات متثاقلة. بالداخل وضعت وفاء ذهبها أمام ابنها _خدهم بيعهم ياحبيبي، عارفة علاج اختك غالي، وقبل ان يرد استمع الى طرق الباب. بعد لحظات، فتح فريد. تجمد مكانه عندما رأى عمران. — عمران بيه؟ لم يرد. كانت عيناه تبحثان في أرجاء المكان بجنون. — فين ليلى؟ ارتبك فريد. — نعم؟ تقدم عمران خطوة. — ليلى فين؟ اشتعل الغضب في عيني فريد. — ليه؟ الوقت اللي كان بينكم مكنش كفاية؟ أنا مصدوم فيك... إزاي تبقى شخص منحط بالشكل ده؟ لم يرد عمران.. لم يسمع أصلًا. كل ما كان يسمعه داخله: ليلى. تحرك إلى الداخل. — اطلع برة يا عمران بيه! توقف أمام وفاء التي تطالعه بااستفهام، التفت الى فريد _فين ليلى _اطلع برة ياعمران بيه، لكنه، ظل يبحث عنها، فتح باب الغرفة الأولى حتى وصل إلى الغرفة التي كانت فيها. فتح الباب... وتوقف، انطفأ كل شيء داخله.كانت ممددة على الفراش. وجهها شاحب كأن الحياة انسحبت منه. جسدها الصغير ساكن بصورة موجعة. المحلول معلق بجوارها. والهدوء المحيط بها كان أشبه بهدوء القبور. لمعت الدموع في عيني عمران. — يا الله... خرجت منه كأنها استغاثة. اقترب منها، كل خطوة كانت تؤلمه. انحنى أمامها. مد يده المرتجفة إلى وجهها، لكنه توقف قبل أن يلمسها. — ليلى... همس باسمها. وكأن مجرد نطقه سيعيد إليها الحياة. صرخ فريد خلفه: — متقربش منها! لكن عمران لم يسمعه. اقترب أكثر، ثم نزع المحلول من يدها بحذر، وحملها بين ذراعيه. صرخت وفاء من الصدمة. — إنت بتعمل إيه؟! وقف فريد أمامه. — نزلها حالًا! رفع عمران عينيه إليه. كانت عيناه غارقتين في الدموع، لكن صوته خرج حاسمًا: — هاخدها أعالجها. اقترب فريد وحاول انتزاعها من بين ذراعيه. — مستغنين عن خدماتك! روح شوف لك ضحية تانية بعيد عن أختي... وياريت وإنت بتشوفها، تفتكر إن ليك أخت! شد عمران ذراعيه حول ليلى أكثر. — ابعد يا فريد... علشان متزعلش. صُدم فريد من رده. — أنا هتصل بالشرطة! توقف عمران لحظة. ثم قال ببرود: — اتصل. تحرك نحو الباب، ثم استدار إليه. — وهقولهم إن دي مراتي. شهق فريد. — إنت مجنون! —مادام انت عرفت،أنا مضيت ليلى على ورقة عرفي، يعني هي مراتي ثم نظر إلى ليلى بين ذراعيه. — دي مراتي اقترب فريد منه بغضب: بقلم سيلا وليد — إنت كذاب! رفع عمران رأسه اليه، وقال بصوت خافت لكنه قاطع: — اثبت... ثم أضاف: — ولولا إن ليلى بين إيديا... كنت عرفت المجنون ده ممكن يعمل فيك إيه. تحرك نحو الباب وهو يقول — الحقني، علشان أوثق جوازنا تجمد فريد.. وهو يرى اخته بين ذراع ذاك المجنون... استدار عمران اليه —متتأخرش علشان تكون وليّها...ماهي لسة تحت السن ضمها إلى صدره أكثر: — ولا أخدها بعقد عرفي...، مش هسيب مراتي لحظة بعد كدا بعيد عني ضربت وفاء صدرها وهي تبكي: — يا لهوي! ... إيه اللي بيحصل لبنتي؟! الراجل دا واخد بنتي فين؟! التفت إليها فريد سريعًا. — ماما اهدي... هجيبها. ثم نظر إلى عمران الذي غادر المنزل، بعينين مليئتين بالغضب والخوف. — الراجل ده شكله مش سهل. وكونه ييجي ياخدها كده... يبقى فعلًا ممكن يكون في ورقة ماضية عليها. — اخرس! قطع لسانك ولسانه! بنتي متربية وماتعملش كده! ارتدى فريد ملابسه على عجل. — بنتك عملت أكتر من كده يا ماما... ولازم ألحقها. — استنى! أنا مش هسيب بنتي... هاجي معاك. — ماما لو سمحتي، مش ناقص. خليكي هنا وأنا هتصرف. مصر كبيرة، وممكن تتوهي مني، وأنا مش عارف هو رايح بيها فين ولا ناوي يعمل إيه. عند عمران كان جالسًا في السيارة، وليلى بين ذراعيه. نظر إلى وجهها.. لم يستطع منع دموعه. مد يده، وأزاح خصلة شعر عن جبينها. وقال بصوتًا مكسورًا، وكأنه يعتذر لها عن كل ما حدث: — حبيبتي... ابتلع غصته. — أنا هنا. اقترب منها أكثر.. يهمس بجوار أذنيها — سامعاني يا ليلى؟ لم تجبه... ارتجفت شفتاه ومازال يهمس — افتحي عيونك بس... انحنى وقبل جبينها قبلة مرتعشة. — افتحيهم وقوليلي إنك زعلانة مني... اشتميني حتى.. أنا موافق مرر انامله على وجهها — متفضليش ساكتة كده. ضمها إلى صدره —آسف... عارف إنك زعلانة أغمض عينيه، وأسند جبهته إلى رأسها. — محدش هيأذيك تاني يا ليلى... ثم همس، بصوت محطم: — هرجعلك حقك.. حتى لو مني بعد دقائق قليلة، وقبل أن يصل فريد اليهم.. رفرفت أهدابها وفتحتهم ببطء كان يراقبها، ليبتسم وهو يمرر اصابعه على وجنتيها فتحت عيناها، لتلتقي بعيناه، حركت رأسها بعيدًا عن صدره، تستكشف المكان، تظن أنها تحلم. ولكنها وجدت نفسها بسيارته، وبين ذراعيه حاولت أن تتحدث، ولكن لم تقدر، كان يتابعها بعينًا لامعة بالدموع _وحشتيني يانبض قلب عمران.. اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك قدرا لايشبهه بقلم سيلا وليد — وحشتيني يا نبض قلب عمران... حرّكت ليلى شفتيها محاولةً أن تجيبه، لكن الكلمات خانتها، ولم تستطع أن تُخرج حرفًا واحدًا. فقط انهمرت دموعها بغزارة، وكأنها كانت تنتظر حضوره لتسمح لكل وجعها بالخروج. اقترب منها أكثر، ومسح دموعها بإبهامه، وخرج صوته هامسًا مرتجفًا: — ششش... اهدي، أنا هنا... خلاص، أنا هنا. لكنه بدلًا من أن تهدأ، ارتفع صوت بكائها، فضمّها إلى صدره بقوة. أغمض عينيه للحظة، وتجمعت الدموع في عينيه رغمًا عنه. أهذه حقًّا طفلته التي كانت تملأ حياته ضحكًا ومرحًا؟ أهذه ليلى التي كانت لا تعرف للحزن طريقًا، وأصبحت الآن ترتجف بين ذراعيه كطفلة فقدت أمانها؟ مرّر كفّه بحنان فوق خصلاتها، ثم انحنى وقبّل رأسها طويلًا. — حقك عليّا... خرجت منه الكلمة هامسة، لكنها حملت كل الندم عمّا فعله بها. في تلك اللحظة، وصل فريد إليهما، فتوقف أمام السيارة، ونظر إلى أخته بين ذراعي عمران، ثم قال بحدة حاول أن يخفي خلفها خوفه عليها: — ممكن آخد أختي جنبي، ولا ده كمان ممنوع؟ رفع عمران عينيه إليه، ورد دون تردد: — آه... ممنوع. ثم عاد بنظره إلى ليلى، وقاد السيارة، وما زالت ليلى بين ذراعيه، رأسها مستند إلى صدره، وأنفاسها بدأت تهدأ شيئًا فشيئًا، حتى غلبها الإرهاق وغفت مرة أخرى. ظل عمران ينظر إليها طويلًا، ثم رفع عينيه إلى الطريق. قطع فريد الصمت: — إحنا رايحين فين؟ أجابه عمران وهو يثبت عينيه أمامه: — هنعدّي على المأذون... نكتب الكتاب. رد فريد بصدمة: — أنتَ بجد عايز تتجوز ليلى؟ نظر عمران إلى ليلى، وابتسامة موجوعة مرت على شفتيه. — هي كان المفروض تبقى مراتي من زمان... بس هي اللي رفضت. ثم رفع عينيه إلى المرآة، والتقت عيناه بعيني فريد، بينما لم يهدأ غضبه. — أنا ماليش دعوة بكل ده يا عمران بيه... بس حضرتك فضحت أختي، ووطّيت راسنا قدام الناس. طيب هي صغيرة وغلبانة... حضرتك إيه؟ مش المفروض تكون أدرى منها؟ ولا علشان حبيتك، ضحكت عليها؟ تصلّب فك عمران، لكنه لم يقاطعه. تابع فريد، وصوته يحمل وجع أخ أكبر رأى أخته تنكسر أمام عينيه: — والله اعذرني إني بتدخل في حياتك الشخصية، بس دي أختي. ومش هكدب عليك، أنا غلطت... لأني اديتها حرية في مكان ماكانش ينفع أديها فيه الحرية دي. صمت لحظة، ثم أردف: — لكن هي دفعت تمن كل حاجة لوحدها... وحضرتك عايش حياتك بالطول والعرض. فرجاءً، لو سمحت، خلّيني آخد أختي وأرجع. كفاية وجع وخداع فيها. ابتلع عمران غصّة مؤلمة. ماذا يقول له؟ هل يخبره أنه لم يخدع ليلى يومًا؟ هل يخبره أنه طلب منها أكثر من مرة أن تصارح أهلها بحبه؟ هل يخبره أن امرأة أخرى استطاعت أن تستغل لحظة ضعفه، وأن تضعه في فخ جعل الجميع يراه خائنًا؟ كيف يشرح شيئًا هو نفسه ما زال عاجزًا عن فهمه؟ بقلم سيلا وليد ظل صامتًا، فاستغل فريد صمته وقال: — أنا مش موافق على جوازك من ليلى... لو سمحت. التفت إليه عمران بنظرة ثابتة، فتابع فريد: — حياتكم غير حياتنا يا عمران بيه. أنتَ عايش في عالم وهي عايشة في عالم تاني. فلو سمحت... كفاية لحد هنا. ارتجف صوته قليلًا، لكنه أكمل: — كفاية اللي ليلى جنته من حبك. للمرة الأولى، تغيرت ملامح عمران. التفت إلى ليلى، ثم قال بصوت هادئ، لكنه حاسم: — أنتَ مالكش رأي في جواز ليلى مني. صمت فريد، فتابع عمران: — ليلى مراتي... سواء أنتَ وافقت أو رفضت. ثم نظر إليها بحنان، ومد يده يمسح على شعرها. — ولو خايف عليها، وفعلًا عايز ترد اعتبارها وكرامتها... خلّيني أكتب كتابي عليها. رفع عينيه إلى فريد، واشتدت ملامحه وهو يكمل: — دي الحاجة الوحيدة اللي أقدر أعملها دلوقتي علشان أرد على كل واحد أذاها... وكل كلمة اتقالت عليها. ثم خفض صوته: — وأثبت لها قبل أي حد... إنها مش فضيحة. توقف لحظة، وكأن الكلمة خنقته. — هي مراتي... وهتفضل مراتي. قال فريد بهدوء: — عمران بيه... قطع جملته جينما توقفت السيارة. قال عمران دون أن يلتفت: — وصلنا يا فريد. وصل إليه علي، الذي كان ينتظره أمام منزله. ترجّل عمران من السيارة، ثم فتح الباب، وحمل ليلى بين ذراعيه بحذر شديد، وكأنها شيء ثمين يخشى أن يؤذيه مجرد لمس الهواء. رفع عينيه إلى علي، وتسأل: — كل حاجة جاهزة؟ أومأ علي ثم نظر إلى ليلى النائمة بين ذراعي عمران، قبل أن يقول بهدوء: — أيوه... وكلمت الدكتور، هيستنانا في العيادة. رفع عمران عينيه إليه، ثم ألقى نظرة سريعة على وجه ليلى الشاحب. لم تعجبه فكرة أن ينقلها إلى مكان آخر وهي في حالتها تلك، خصوصًا بعدما رأى بنفسه مدى إنهاكها. شدّ ذراعه حولها بحذر، وكأنه يخشى أن تشعر بأي ألم، ثم قال بحسم: — لا، خليه ييجي هنا. ولو احتاجت أي حاجة هعملها في بيتي. فهم علي من نبرة صوته أن عمران اتخذ قراره بالفعل، فلم يجادله، واكتفى بهز رأسه موافقًا: — تمام. نظر عمران إلى ليلى النائمة بين ذراعيه. كان جسدها ساكنًا تمامًا، لا تستجيب لأي محاولة للحركة. كانت الصدمة قد أنهكتها، والمهدئات التي وصفها لها الطبيب أثقلت جسدها أكثر، حتى فقدت قدرتها على الكلام والحركة، ولم يتبقَّ منها سوى أنفاس ضعيفة متقطعة. اتجه عمران إلى الصالون، ووضعها برفق فوق الأريكة، وأسند رأسها إلى الوسادة، ثم سحب الغطاء فوق جسدها. جلس بجوارها. ظل ينظر إلى وجهها طويلًا، ثم مد يده إلى خصلاتها وأبعدها عن جبينها. رفع عينيه إلى فريد، الذي كان واقفًا بالقرب منه. — هتكون وكيلها. عقد فريد ذراعيه دون حديث، بينما نهض عمران وتوقف أمامه. — أنا ممكن ماكتبش عليها رسمي، والمأذون أصلًا كان رافض يكتب الكتاب بسبب حالتها. فأنا أدخلت لأنّي بحبها يا فريد. فلو عايز حق أختك يجي، خلّينا نكمّل الجواز. صمت لحظة، ثم أضاف بثبات: — أنا مش خسران. وبعد قليل، تم عقد القران. حملها عمران وصعد بها إلى الأعلى، بينما هي كانت الغائبة الحاضرة لا تشعر بشيء. وصل الطبيب بعد دقائق، وبدأ يفحصها بعناية، يتابع نبضها وضغطها وحالتها العامة، بينما بدأت جفونها ترتعش ببطء، وكأنها تنتزع نفسها من قاع غيبوبة ثقيلة. فتحت عينيها أخيرًا... كانت الرؤية أمامها ضبابية في البداية، ثم بدأت الملامح تتضح شيئًا فشيئًا. أول من رأته كان فريد. جلس بجوارها، وأمسك كفها الصغير بين يديه، ورفعه إلى شفتيه يقبله بحنان، وعيناه تلمعان بدموع لم يستطع إخفاءها. — عاملة إيه يا حبيبتي؟ حاولت ليلى تحريك شفتيها، لكن صوتها ظل حبيسًا داخل حلقها. التفتت برأسها إلى الغرفة الغريبة عنها، فوقعت عيناها على عمران. كان واقفًا على بُعد خطوات، عاقدًا ذراعيه أمام صدره، يراقبها بصمت غريب... صمت يحمل بداخله عاصفة كاملة. رفع فريد عينيه إليه، ثم عاد ينظر إلى شقيقته، وقال بهدوء: — عمران بيه كتب كتابه عليكي. اتسعت عينا ليلى فجأة. التفتت إليه بصدمة، وحاولت رفع رأسها، ثم خرج صوتها ضعيفًا، مبحوحًا، كأنها لم تستخدمه منذ سنوات: — بتقول إيه؟ بقلم سيلا وليد اتسعت ابتسامة فريد، وانهمرت دموع الفرح من عينيه. — ليلى... حبيبتي، أنتِ اتكلمتي! ضمّها إليه بقوة، فاختبأت بين ذراعيه، بينما أغمضت عينيها للحظة، كأنها تحاول استيعاب كل ما يحدث. ابتعدت عن حضنه، ونظرت إلى عمران. — أنا... أنتَ... إزاي؟ اقترب فريد منها، وقبّل جبينها بحنان، ثم مرّر يده فوق شعرها في محاولة لطمأنتها، قبل أن يرفع عينيه إلى عمران. كان عمران واقفًا في مكانه، يتابع المشهد بصمت، وعيناه لا تفارقان ليلى. لم يكن في ملامحه غضب، لكن نظراته كانت تحمل الكثير من الكلام الذي لم يرد قوله أمام فريد. ظل الصمت يخيّم على الغرفة للحظات، حتى قطع عمران ذلك الصمت بصوت هادئ، لكنه حاسم: — سبنا لوحدنا. تردد فريد للحظة، ونظر إلى أخته وكأنه لا يريد تركها وهي بهذه الحالة، لكن نظرة عمران أخبرته أن وجوده لم يعد له مكان في هذه اللحظة. انحنى فريد وقبّل جبين ليلى مرة أخرى، ثم قال لها بهدوء: — أنا برا، لو احتاجتي حاجة نادي عليّا. ثم خرج وأغلق الباب خلفه. ساد الصمت بينهما. صمت ثقيل، لم يكسره سوى أنفاس ليلى المرتبكة. أدارت وجهها بعيدًا عنه، وكأنها تخشى أن تلتقي عيناها بعينيه. لكن عمران لم يمنحها فرصة للهروب. خطا نحوها ببطء، حتى وصل إلى الفراش، وجلس بجوارها. ظل يطالعها طويلًا، وكأنه يحاول أن يحفظ ملامحها من جديد، ثم أسند مرفقيه إلى الوسادة بجوار رأسها، وقال بصوت خافت يحمل من الوجع أكثر مما يحمل من الغضب: — من أول ما هزّيتيني... وأنا بتمنى أشوفك هنا، قدامي، على السرير ده. أغمضت عينيها بقوة. لم تكن مستعدة لسماع صوته... ولا لهذه النظرة التي تعرفها جيدًا. مد يده، ومرر أصابعه بين خصلاتها بحنان، وقال: — نوّرتي حياتي... يا كل حياتي. انسابت دموعها رغمًا عنها، وسقطت على وجنتيها في صمت، بينما حاولت أن تخفي ارتباكها بإدارة وجهها بعيدًا عنه. ارتجف جسدها، فاقترب أكثر، ووضع رأسه فوق رأسها للحظة، ثم أمسك كفها الصغير بين يديه، وكأنه يخشى أن تبتعد عنه مرة أخرى. تراجع قليلًا، ومد يده إلى الكمودينو، والتقط الخاتم الموضوع فوقه. عاد إليها، وأمسك يدها، ثم وضع الخاتم في إصبعها ببطء، متعمدًا أن يفعلها أمام عينيها وكأنه يذكّرها بوعد قطعه على نفسه منذ وقت طويل. رفع كفها إلى شفتيه وقبّله، ثم رفع عينيه إليها. — وعدتك إنك هتكوني مراتي... ونفذت وعدي. حدقت في الخاتم للحظات، وكأنها تراه للمرة الأولى، ثم تبدلت ملامحها فجأة، وسحبت يدها بعنف. — أنا مش مرات حد! نزعت الخاتم من إصبعها، وألقته على الأرض، فارتطم بها ارتطامًا خافتًا، لكنه كان كافيًا ليجعل عمران يثبت عينيه عليها. — أنا عايزة أرجع بيتي... أنتَ إزاي تجيبني هنا؟ ثبت عمران عينيه عليها، ولم يجب فورًا. كان يستطيع أن يغضب، أن يرفع صوته، أن يجادلها... لكنه اختار الهدوء، وكأن شيئًا بداخله كان يخبره أن غضبها ليس سوى خوف وألم. ثم قال بهدوء أربكها أكثر من غضبه: — ده بيتك. توقفت أنفاسها للحظة، ورفعت عينيها إليه بعدم تصديق. بينما هو اقترب قليلًا، وأكمل: — وأنتِ دلوقتي مراتي... وأنا جوزك. فاهمة؟ هزت رأسها بعناد، وكأنها تحاول أن تتمسك بآخر شيء تملكه في هذه اللحظة: رفضها. — لأ. تنهد، وأغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما عليها من جديد. كان يعرف أنها متعبة، وأن كل ما حدث أكبر من قدرتها على الاستيعاب، لذلك ابتلع غضبه وقال: — ورمي الخاتم المرة دي هقبله... علشان أنتِ تعبانة. مش علشان أنا زعلان. اقترب من وجهها، وخفض صوته حتى صار همسًا: — لكن الزعل... هنتحاسب عليه لما تخفّي. أنا عمري ما اتعودت آخد حقي من حد ضعيف. رمقته بغضب، وكأن كلماته أشعلت بداخلها كل ما حاولت دفنه، وكل ما عجزت عن مواجهته منذ أن استيقظت. — وأنا مش معترفة بيك كزوج! ارتجف صوتها، لكنها أكملت، وكأنها وجدت في الكلمات وسيلتها الوحيدة للدفاع عن نفسها: — والجواز ده باطل! أنا المفروض أتجوز ابن عمي... خطيبي. معرفش أنتَ عملت إيه، ولا إزاي حصل اللي حصل، بس أنتَ مش جوزي... هو اللي كان المفروض يكون ج... توقفت كلماتها فجأة. لم يمهلها عمران لتكمل. اقترب منها في لحظة، وأمسك وجهها بيديه، ثم اندفع نحو شفتيها في لحظة غضب أفقدته السيطرة على نفسه. وما إن ابتعد عنها حتى كانت عيناه تشتعلان، وأنفاسه متلاحقة، كأنه هو نفسه لم يستوعب ما فعله. رفع نصف جسدها برفق إلى حضنه، وثبّت عينيه بعينيها، محاولًا أن يستعيد هدوءه، لكن الغيرة والوجع كانا أوضح من أن يخفيهما. — أوعي تفتكري إني هطبطب عليكي وخلاص. ابتلعت ريقها بصعوبة، وظلت عيناها معلقتين به، لا تعرف هل تخشاه أم تحاول فهم الرجل الذي أمامها. — أنا هاخد حق وجع قلبي... ونار غيرتي منك. اقترب أكثر، وهتف بصوت يحمل غضب عاشق خائف: — وهعاقبك على كل لحظة عشتها وأنا فاكر إنك اخترتي غيري... على كل مرة تخيلتك مع راجل تاني، وأنا بموت من جوايا. ارتعشت عيناها وهي تنظر إليه بذهول، وكأن كلماته كشفت لها للمرة الأولى حجم العذاب الذي عاشه بعيدًا عنها. لكنه لم يتوقف، وكأن ما بداخله ظل محبوسًا طويلًا، وحان وقت خروجه دفعة واحدة. — وهعاقبك على كذبك عليّا... وعلى إنك سمحتي لهم يستضعفوكي، ويكسروا عينك، ويتهموكي بحاجة عمرك ما عملتيها. ثم ضمّها إلى صدره، وأحاط جسدها بذراعيه، ودفن وجهه في خصلات شعرها، وكأن غضبه كله ذاب للحظة أمام خوفه عليها. خرج صوته مبحوحًا، مثقلًا بوجع الأيام الماضية: — هاخد حق الليلة اللي كنت بموت فيها... وأنا بتخيلك مع راجل تاني. للحظة... رفرف قلب ليلى. رغم غضبها، ورغم كل ما حدث، شعرت بسعادة خفية تسللت إلى قلبها. كان يحبها... كانت متأكدة. لكن تلك السعادة لم تدم طويلًا... ظهرت نيفين في ذاكرتها. قربها منه... وقبلاته لها، وكل ما رأته بعينيها. تبدلت ملامح ليلى في لحظة، وكأن تلك الذكريات انتزعتها من دفء اللحظة وأعادتها دفعة واحدة إلى واقعها المؤلم. دفعت عمران بعيدًا عنها بقوة جعلته يرتد قليلًا. — ابعد عني! حدقت فيه بعينين ممتلئتين بالدموع، بينما راحت أنفاسها تتسارع، وكأنها تحاول أن تبني بينهما مسافة تحمي بها قلبها من جديد. — فاكر إنك هتضحك عليّا تاني؟ لأ... ليلى الهبلة فاقت من غيبوبة الحب. مسحت دموعها بعناد، ورفعت ذقنها محاولةً أن تبدو أقوى مما تشعر. — أنا مش عايزاك... ومش بحبك. سمعتني؟ ثم أشاحت بوجهها عنه، رافضةً أن تمنحه فرصة لرؤية الانكسار الذي تخفيه خلف كلماتها. — ودلوقتي عايزة أرجع عند فريد. تغيرت ملامح عمران فور سماع كلماتها، وانطفأت ابتسامته تمامًا. ظل يحدق فيها للحظات، وكأن جملة واحدة منها استطاعت أن تستفز كل ما بداخله من خوف وغيرة وغضب. اقترب منها حتى أمسك بخصلات شعرها وجذبها نحوه، ثم همس بجوار أذنها بصوت منخفض: — خليكي صعبانة عليّا يا ليلى... ثم ابتعد قليلًا ونظر في عينيها، وكأنه يتعمد أن يجعلها ترى التحذير في نظراته قبل أن تسمعه في كلماته. — علشان لو مصعبتيش عليّا... صدقيني هتزعلي. دفعته بعيدًا وهي تصرخ، وقد فاض بها الخوف والغضب معًا: — ابعد عني! أنا مش مراتك! رفع إصبعه أمام شفتيها، محاولًا إسكاتها، لكنها أدارت وجهها بعيدًا عنه بعناد. لم يتراجع، فأمسك بكتفيها وأعادها إليه، وقال بنبرة تحمل تحديًا واضحًا: — عارفة لو أنتِ مش تعبانة... كنت عرّفتك بنفسي إنك مراتي ولا لأ. اتسعت عيناها، وتوقفت للحظة وكأنها تبحث عن رد مناسب، لكن قبل أن تجيبه، استمع إلى طرقات على باب الغرفة. ابتعد عمران فورًا، والتفت ناحية الباب. دخلت الخادمة، فتحدث إليها بنبرة حاسمة: — خليكي مع المدام لحد ما أرجع. أومأت الخادمة في هدوء، بينما عاد عمران بنظره إلى ليلى. ثم انحنى، وطبع قبلة سريعة بجوار شفتيها، فارتبكت ليلى وارتفعت أنفاسها رغمًا عنها. رفع رأسه ببطء، ولاحظ ارتباكها الذي حاولت إخفاءه، فارتسمت ابتسامة مشاغبة على شفتيه. — شوفتي حبيبتي؟ قولت لها المدام إزاي؟ زمّ شفتيه في عبث، ثم قرص وجنتها بخفة، وكأنه يستمتع باستفزازها رغم كل التوتر الذي يملأ الغرفة. — خليكي هادية يا نبض عمران... علشان متبقيش مدام بجد الليلة. دفعت يده عنها، ورمقته بغضب، وقد اشتعلت عيناها بالغيرة رغم محاولتها إنكارها: — مش متفاجئة على فكرة... ماهو أنتَ بتاع ستات! يا بتاع نيفين. ساد الصمت لثانية واحدة. ثم انفجر عمران بالضحك، وكأن غيرتها التي حاولت إخفاءها خلف كلماتها أسعدته أكثر مما أغضبته. سحبها إلى حضنه رغم اعتراضها، بينما حاولت الإفلات منه دون جدوى. — كنت هموت لو فضلت يوم واحد كمان من غير صوتك. ثم نظر إليها بعينين ممتلئتين بالحب، وكأن مجرد سماع صوتها من جديد كان كافيًا ليعيد إليه شيئًا افتقده بشدة: — ليلى والخرساء... مايمشوش مع بعض. نظرت إليه من بين غضبها ودموعها، وقالت بتحدٍّ: — والخرساء دي... هتعرفك هتعمل فيك إيه يا بتاع الستات. ارتسمت ابتسامة أوسع على شفتي عمران، وتعلقت عيناه بعينيها للحظات. اقترب منها بخطوات بطيئة، وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة، حتى امتلأت الغرفة بضحكته التي زادت ارتباكها. انحنى قليلًا نحوها، وقال بنبرة مستفزة: — تعرفي خرسائي هعمل فيكي إيه؟ رمقته ليلى بنظرة غاضبة، رغم الارتجافة التي فضحت خوفها، وردت بتحدٍّ: — أعلى ما في خيلك اعمله. توقفت عيناه عند شفتيها المرتجفتين وهي تتحدث، وكأن صوتها أعاد إليه فجأة كل ما حاول دفنه داخله... ذكريات قربها، وكلماتها، وقبلته الأولى لها. تغيرت ملامحه شيئًا فشيئًا، واختفت السخرية من عينيه، وحل محلها شيء أكثر غموضًا. رفع يده ببطء، ثم مرر إبهامه فوق شفتيها، فتجمدت في مكانها. — أنتِ مراتي دلوقتي... فاهمة يعني إيه؟ اهتز جسدها بعنف، وأبعدت وجهها عنه سريعًا، بينما انهمرت دموعها دون قدرة على إيقافها. خرج صوتها مكسورًا: — بسببك عجزت... وبسببك خسرت سمعتي... وبسببك أنا... قاطعها وهو يضغط بإصبعه على شفتيها: — اسكتي يا ليلى... اسكتي. ثم ابتعد خطوة، وكأنه يخشى أن يفقد السيطرة على غضبه أكثر. أخذ نفسًا عميقًا، ومرر يده على وجهه، محاولًا أن يستعيد هدوءه. — أنا بمسك نفسي عنك بالعافية. رفعت عينيها إليه، والدموع تغرق وجهها، بينما بقيت الكلمات عالقة في حلقها. اقترب مرة أخرى، لكن هذه المرة لم تكن في عينيه السخرية، بل وجع مكتوم وغضب لا يعرف أين يوجهه. — أنتِ ضحكتي عليّا... وخدعتيني. بدت الكلمات وكأنها خرجت منه بصعوبة. فابتعد عنها فجأة، ثم التفت إلى الخادمة الواقفة عند الباب، وقال بصرامة: — شغلتك المدام وبس. إياكي تبعدي عنها، وإياكي تسيبيها لوحدها. شهقت ليلى، وكأن الكلمة أصابتها في أكثر موضع يؤلمها. رفعت عينيها إليه بسرعة، وقالت بصوت مختنق بالرفض: — أنا مش مدام حد! استدار عمران إليها بسرعة، وتبدلت ملامحه تمامًا بعدما التقطت الخادمة كلماتها. ثبت عينيه عليها بغضب، وقال بصوت منخفض لكنه حاد: — ليلى... ارتجفت شفتاها، لكنها لم تجبه. ابتلعت بقية كلماتها، بينما راحت دموعها تنساب بصمت. لم يكن غضبه منها وحدها... كان غاضبًا من كل شيء؛ منها، ومن نفسه، ومن الحقيقة التي أصبح عاجزًا عن الهروب منها. أما هي، فكانت تنظر إليه بقلب مكسور، غير قادرة على معرفة أيهما يؤلمها أكثر... أن يكون زوجها رغمًا عنها، أم أن الرجل الذي أحبته كان في أحضان أخرى. خرج عمران من الغرفة بخطوات ثقيلة، وأغلق الباب خلفه، ثم اتجه إلى فريد الذي كان يقف أمام النافذة، شاردًا فيما حدث، بينما كان علي يتحدث في هاتفه على بُعد خطوات منه. توقف عمران أمامهما للحظات، وكأن شيئًا ما استقر في رأسه فجأة، ثم رفع عينيه نحو علي وناداه: — علي! أنهى علي مكالمته سريعًا، ثم وضع هاتفه جانبًا واقترب منه، منتظرًا ما سيطلبه منه. نظر إليه عمران لحظات، قبل أن يقول بحسم: — تنزل بلد ليلى بنفسك... وتشوف قطعة أرض في مكان كويس، وتبني عليها بيت. مش بيت عادي... عايزه يبقى أحسن بيت في المحافظة كلها. أحدث طراز، وكل حاجة فيه تتعمل على أعلى مستوى. والحساب مفتوح عندك، ماتبصّش للتكلفة. التفت فريد إليه بدهشة، وقد انعقد حاجباه، وكأنه لم يستوعب بعد سبب هذا القرار المفاجئ. — إيه؟ أجابه عمران دون تردد، وكأن الأمر بالنسبة إليه محسوم منذ اللحظة التي اتخذه فيها: — مراتي لازم يبقى ليها بيت في البلد اللي اتهموها فيها. صمت لحظة، ثم تابع بصوت امتلأ بالغضب المكتوم، وكانت نبرته تزداد حدة مع كل كلمة: — عايزها ترجع هناك قدام الكل، مرفوعة الراس، معززة مكرمة. عايز كل واحد مدّ لسانه عليها يعرف إنه اتكلم على مرات عمران الزيني. ثم ابتسم ابتسامة باردة لا تحمل أي مرح، وإنما تحمل وعدًا واضحًا بأن ما حدث لليلى لن يمر دون حساب. — ومش بس كده... أنا هفهمهم يعني إيه يخوضوا في عرض مراتي. أومأ علي بثقة، وقد فهم من نبرة عمران أن الأمر ليس مجرد رغبة في تعويض ليلى، بل رسالة يريد أن تصل إلى الجميع. — تمام. بكرة الصبح أنزل بنفسي. وقبل أن يتحرك، اقترب فريد من عمران، وكأنه تردد للحظة قبل أن يتحدث، ثم قال بصوت خافت: — ماما مش هترتاح وليلى بعيدة وتعبانة بالشكل ده. سبني آخدها معايا لحد ما تخف، وبعدها تبقى تاخدها. رفع عمران عينيه إليه، وظل ينظر له لثوانٍ، قبل أن يرد بهدوء حاسم لا يحتمل النقاش: — والدتك تيجي تقعد جنبها هنا... لكن ليلى ما تروحش لحد. قطب فريد جبينه، ولم يعجبه الرد، فتقدم خطوة نحوه: — يعني إيه يا عمران بيه؟ تنهد عمران، ومسح جبينه بإرهاق، فقد كان آخر ما يريده الآن الدخول في جدال جديد، بينما عقله ما زال معلقًا بما حدث بينهم داخل الغرفة. — فريد... أنا مصدّع ومش ناقص جدال. لو عندك حاجة جديدة قولها، لو مفيش... روح. وبكرة الصبح هبعت السواق يجيب والدتك. ظل فريد واقفًا مكانه، يطالعه بصمت. كان يريد أن يقول شيئًا، أن يعترض، أن يأخذ أخته معه، لكن الكلمات توقفت في حلقه. لم يكن يستطيع أن يترك أخته، حتى وإن كان يعرف أن عمران لن يؤذيها. قرأ عمران التردد والخوف في عينيه، وفهم ما يدور داخله دون أن يحتاج إلى سؤال. اقترب منه وربت على كتفه بحنان لم يتوقعه فريد، ثم قال بصوت هادئ، لكنه صادق: — أختك أغلى من روحي يا فريد. رفع فريد عينيه إليه، وظل ينظر إليه للحظات، وكأنه يحاول أن يزن صدق كلماته. تابع عمران بصدق، دون ذرة تردد: — ويوم ما أفرّط فيها... يبقى موتني قبلها. تأمله فريد طويلًا، ثم انخفضت عيناه قليلًا. لأول مرة، شعر أن خوف عمران عليها ليس مجرد كلام، وأن الرجل الذي أمامه لا يتحدث عن ليلى كزوجة فحسب، بل كشيء أصبح جزءًا من حياته. لذا استدار وغادر دون أن يضيف شيئًا. ظل عمران يتابعه بعينيه حتى ابتعد، ثم أطلق زفيرًا طويلًا، قبل أن يتجه إلى الأريكة ويجلس عليها بإرهاق. مرر يده على وجهه، ثم تذكر شيئًا آخر، فرفع عينيه إلى علي وأشار إليه. — الأرض اللي حاولوا يبيعوا ليلى بيها... رفع علي حاجبه، منتظرًا بقية كلامه. — أيوه؟ رفع عمران عينيه إليه، وقال بنبرة حاسمة: — تشتريها كلها... بأي تمن. اتسعت عينا علي، واعتدل في وقفته من شدة المفاجأة. — كلها؟ دي أرض زراعية يا عمران! ظل عمران صامتًا للحظات، وكأنه كان قد اتخذ قراره بالفعل ولا يرى فيه ما يستحق النقاش. تطلع علي إليه باستغراب أكبر، ثم قال: — بس هنعمل بيها إيه؟ رفع عمران عينيه إليه، وقال بنبرة هادئة تحمل ثقة غامضة: — مش مهم دلوقتي هنعمل بيها إيه... هييجي وقتها. ثم أضاف بشرود، وكأنه وجد أخيرًا اسمًا مناسبًا لكل ما يفعله من أجلها: — اعتبرها مهر مراتي يا علي... أنا اتجوزتها من غير مهر. ظل علي يحدق فيه لثوانٍ، قبل أن ترتسم ابتسامة غير مصدقة على وجهه. ابتسم علي قائلًا: — معقول اللي قدامي ده عمران الزيني؟ ظل عمران صامتًا، وعيناه معلقتان في الفراغ. هو نفسه لم يكن يعرف نفسه. ماذا حدث له؟ لماذا كان يريد أن يعوضها عن كل شيء بهذه الطريقة؟ ربما لأنه شعر، للمرة الأولى، أن ما حدث لها بسببه أكبر من مجرد اعتذار. لم يكن المال بالنسبة إليه كافيًا، ولا الاعتذار قادرًا على محو ما تعرضت له. كان يريد أن يعيد إليها شيئًا من كرامتها، أن يمنحها بيتًا تختاره هي، وتعود إليه يومًا دون أن تشعر بأنها مكسورة أمام أهل بلدها. شعر علي بحالته، فتوقف عن المزاح تمامًا، وقال: — حاضر يا عمران. ثم اقترب قليلًا وأضاف بنبرة تحذير، وكأنه يريد أن يذكره بالخطر الذي ينتظره خلف كل خطوة: — بس خد بالك... شهاب لما يعرف، مش هيسكت. رفع عمران عينيه إليه، وظهرت على وجهه ابتسامة باردة، لم تحمل أي أثر للخوف. — مستنيه... متقلقش. ثم تغيرت ملامحه فجأة، وكأن شيئًا آخر شغل تفكيره، وقال بجدية: — المهم عيونك على ملك يا علي. تغيرت ملامح علي هو الآخر، وعاد ينتبه إليه باهتمام. — ملك؟ — أيوه. عايزك تعرف لي مين الواد اللي رموه قدامها. صمت لحظة، ثم قال بلهجة لا تقبل النقاش: — ملك أهم حاجة عندي دلوقتي... فاهم؟ أومأ علي، وقد فهم أن الأمر هذه المرة مختلف تمامًا، فقال بثقة: — متقلقش، أنا واخد بالي منها كويس. نهض من مكانه، واتجه نحو الباب، ثم توقف والتفت إليه بابتسامة خفيفة، محاولًا أن يخفف قليلًا من ثقل الأجواء التي خيمت على المكان. — يلا... تصبح على خير يا عريس. ابتسم عمران، ولم يجبه. ظل جالسًا مكانه، يتابع الباب الذي خرج منه علي حتى اختفى من أمامه. لكن ابتسامته اختفت سريعًا، وعاد بصره إلى الأعلى، إلى باب الغرفة التي ترك فيها ليلى. ظل يحدق فيه طويلًا. زوجته... الكلمة التي ما زالت غريبة على لسانه، لكنها بدأت تستقر في قلبه رغمًا عنه. عند هشام في الحجز... جلس هشام على المقعد الحديدي، شاحب الوجه، وقد بدا عليه الإرهاق والخوف، بينما جلست والدته أمامه، وزوجها إلى جوارها. قال هشام بسرعة، يدافع عن نفسه أمامهم : — والله ما عملت حاجة! كنت قاعد مع صحابي عادي... وبنشرب نفسين، يعني إيه اللي حصل؟ لكزته والدته في كتفه بعصبية: — نفسين إيه يا ابن منال؟! الناس تقول علينا إيه دلوقتي؟! يوم فرحك رايح يشرب تفاريح... وياريت كان فرح! رفع هشام صوته بضيق: — ياما، أنا ما عملتش حاجة غلط! كل الشباب بتشرب... إيه يعني؟! حدقت فيه والدته بغيظ: — كل الشباب؟! هو كل الشباب بتدخل الحجز ليلة فرحها؟! إنت فاكر نفسك في الشارع؟ ده أنت لوحدك مش عارف مصيرك إيه! ابتلعت بقية كلماتها، ثم التفتت إلى زوجها، وكأن فكرة خطيرة خطرت ببالها: — تفتكر وفاء هي اللي بلّغت؟ وقبل أن يجيب زوجها، هز هشام رأسه سريعًا: — أيوه... هي. نظر إليه والده بغضب: — وفاء مين اللي هتبلغ عليك؟! ما سمعتش كلام عمك امبارح؟! سافرت مع فريد علشان يكشفوا على ليلى.. غير انها مش فايقة رد هشام بتوتر: — ما هي تلاقيها بلغت قبل ما تمشي! ضرب محمد كفًا بكف: — منال! ده كلام يتقال؟! وفاء أصلًا مراقباه علشان تعرف هو فين، وإيه اللي بيحصل حواليها... حك محمد ذقنه، وشرد بعينين قلقتين. — طب مين له مصلحة في كده؟ فجأة، جاء صوت العسكري من خلف الباب: — الزيارة انتهت. انتفض هشام من مكانه، وأمسك يد والدته بقوة، وقد انهارت كل محاولات التظاهر بالشجاعة: — امه... ما تسبونيش هنا ياما. المكان وحش أوي... أنا مش قادر! تغير وجه منال، وحاولت أن تخفي دموعها أمامه، ثم ربتت على كتفه: — متقلقش يا ابني... أبوك وعمك قوموا لك محامي، وإن شاء الله ربنا يفرجها وتطلع. لكنه ظل ممسكًا بيدها: — أوعديني ياما ما تسيبونيش. — مش هنسيبك. أبعد العسكري هشام عن والدته، وظل يلتفت إليها حتى اختفى خلف الباب. خرجت منال وهي تمسح دموعها بطرف حجابها، وما إن ابتعدت عن باب الحجز حتى انفجرت باكية: — تتصرف وتطلع الواد يا محمد! سمعتني؟! أنا ابني هيفضل هنا لحد إمتى؟! تنهد محمد بضيق: — هنعمل اللي نقدر عليه. صرخت فيه: — تعمل إيه؟! لازم تشوف محامي كويس رد عليها مختنقا _المحامي عايز مية ألف جنيه تحت الحساب! الق\ضية مش مجرد خناقة وانتهت. هشام اتضبط وهو بيتعاطى، وممكن الموضوع يطول لو ما عرفناش نتصرف شهقت منال: — يعني إيه يطول؟! نظر إليها محمد، ثم أشاح بوجهه: — يعني مش يومين ولا تلاتة يا منال... حسب التهمة والتحقيقات، ممكن تبقى قدامه سنين لو ثبتت عليه تهمة، المحامي قال كدا ضربت منال على صدرها: — يامصيبتي، يامصيبتي ؟! ابني؟! اقترب منها محمد وقال بحذر: — اهدي يامنال، هكلم المحامي تاني جلست منال على أقرب مقعد، وأجهشت بالبكاء: — يا حسرة قلبي...بدل ماينزف بفرحه اتسجن __كنتي بتجهزي تقهري بنت وفاء، ورحتي خطبتي له علشان تجوزيه تاني يوم على فرحه، علشان تفضحي البت، اهو ابنك اللي اتفصح هبت من مكانها وهتفت بنبرة عدائية __ابن مين االي اتفضح ان شاءلله، هو كان بيتبسط مع صحابه، مش ماشي مع واحدة في الحرام زي بنت اخوك تحرك وتركها حين وجد الجدال يخنقه اوقفته صائحة وهي تمسك ذراعيه بغضب __تتصرف وتطلع الواد، انا مش هستنى لما تيجي وفاء تشمت فيا __يادي وفاء، اقول ايه عليكي دلوقتي __تطلع الواد يامحمد، سمعتني حتى لو هنبيع اللي حيلتنا. رفع عينيه إليها سريعًا: —وايه اللي حيلتنا؟ — الأرض. سكت محمد لحظات، ثم قال بصوت مختنق: — الأرض؟! صمتت تضرب على صدرها _يامري... اعمل ايه ياربي، معقول ابيع الارض أجابها وهو ينظر أمامه: — ما إحنا ما عندناش غيرها. __بيعها مش مهم، وكدا كدا هيخرج من السجن ويتجوز المزغودة بنت اخوك، وتضغط على اخوك انه يكتب الارض باسم هشام علشان يستر على بنته شرد في حديثها __تفتكري هيوافق رمقته غاضبة __يوافق، مايوافقش ليه إن شاءلله، هو هيلاقي لبنته بتاعة الرجال حد يرضى بيها، المهم تطلع هشام، وسيب اخوك علي بفيلا عمران كانت ملك تتحدث بهاتفها وتضحك، فجأة دلف عليها عمران دون استئذان _ابيه عمران _سمعت صوت ضحكك، لدرجة فكرت حد معاكي ارتبكت قليلا وقالت _لا... دي واحدة صاحبتي حاول السيطرة على غضبه، نظر لعيناها البريئة وتذكر زوجته، هنا تذكر خروجه مع ليلى ومقابلتهم دون رابط رسمي، حدث نفسه، هل مايفعل مع ملك، لما أنا فعلته من قبل، ولكني احببت ليلى، ولم افكر مرة قط ان اتلاعب بمشاعرها نهضت ملك بعدما اغلقت الهاتف تراقب وقوف اخيها الشارد _فيه حاجة ياابيه نظر لعيناها، اقسم انه يرى بها زوجته، اقترب منها. حاوط وجهها بين راحتيه _فيه اني واثق في اختي، ومتأكد مش هتخوني ثقتي، صح ياملوكة صمتت تنظر للارض، ثم اومأت برأسها دون أن تنظر اليه قبل جبينها. استدار. غادر دون ان ينطق بشيئا نزل لوالدته التي تجلس أمام المسبح بشرود _مساء الخير ياماما، اسف معرفتش اجي لك امبارح رفعت عيناها اليه ثم عادت تنظر أمامها _معرفش ليه قررت تقعد في بيتك ياعمران، طيب عمك مش موجود _ماما... سبيني على، راحتي، المهم كنتي عايزاني في ايه استدارت اليه بكامل جسدها _كنت عايزاك تبعد عن نيفين ياعمران، البت دي متفعكش، مش كنت بتقول بتحب واحدة تانية _ماما ممكن لو سمحتي ماتدخليش في حياتي، على فكرة أنا كلمتها ترجع الفيلا تاني _من غير ماتاخد رأيي نهض واقترب يقبل رأسها _حبيبتي أنا عارف بعمل ايه _طيب طمن قلبي، مش نفين صح لمعت عيناه وهز رأسه _لا ياماما مش هي، اطمني، ممكن بقى امشي توقفت بمقابلته تنظر بساعة يدها _الساعة عشرة، ماتبات هنا ياحبيبي، حتى تقعد مع اختك شوية _اسف ياماما، النهاردة مش هينفع، عندي شغل مهم، وسفرية الصبح، اهتمي بملك وخلي بالك منها قالها واستدار للمغادرة، تراجع بجسده _لو نيفين جت حاولي تعامليها عادي، خلي عدوك تحت نظرك ياثريا هانم ابتسمت واومأت له دون حديث بعد قليل وصل الى منزله، وهو يتحدث مع الطبيب بالهاتف _طيب ماتقوله يجي يكشف عليها في البيت رد الطبيب على الجانب الاخر _لا لا.. دا مابيرحش، بيوت عنده مستشفى كبيرة هو وابن عمه، شاطر، هيكشف ويقولك محتاجة علاج طبيعي، ولا مجرد اعصاب _تمام يادكتور، ابعتي لي عنوانه واسمه قالها عمران وهو يصعد الى غرفته رد الطبيب على الجانب الآخر _اسمه بلال ارسلان الشافعي، مستشفى مستشفى الشافعي التخصصي للطوارئ والرعاية الطبية والجراحية _فين دي _مش بعيدة عنك، في التجمع الخامس برضو _شكرا يادكتور صعد عمران إلى غرفته، وما إن فتح الباب حتى وقعت عيناه عليها. كانت ما تزال غافية بفعل المهدئات، مستلقية بهدوء فوق فراشه، وملامحها ساكنة كملامح طفلة أنهكها البكاء. توقف عند الباب للحظات، يحدق فيها بسعادة لم يستطع إخفاءها. — معقول... الملاك ده بقى مراتي؟ اقترب منها ببطء، وجلس على حافة الفراش. مد يده، ومرر أنامله برفق على وجهها، فتسللت قشعريرة إلى قلبه. مال برأسه بجوار رأسها، يستنشق رائحتها بهدوء، ثم ابتسم هامسًا: — إزاي لطفلة زيك توقع قلبي بالشكل ده؟ أغمض عينيه للحظات — بحبك أوي يا ليلى... نهض واتجه إلى خزانة ملابسه، وأخرج أحد قمصانه، ثم عاد إليها. توقف حين رأى خصلاتها المتمردة فوق وسادته، وكفيها الصغيرتين متشبثتين بغطائه. ابتسم رغمًا عنه. كان المشهد بسيطًا... لكنه هز شيئًا عميقًا بداخله. انحنى وأزاح خصلات شعرها عن وجهها، ثم تراجع قليلًا حين أدرك كم هو متعلّق بها. تنهد بضيق وهمس لنفسه: — دي علشان اغيرلها لازم اكون اعمى البصر والبصيرة ابتسم واغلق الاضاءة، ثم جلس بجوارها ونزع بهدوء كنزتها العلوية، تجمد جسده للحظات حين لامست انامله جسدها، ابتلع ريقه بصعوبة ينظر لوجهها القريب، وقعت عيناه على شفتيها المضمومة، ثم اغمض عيناه محاولا السيطرة على مشاعره، انهى عمله سريعا، ثم قبل رأسها وتمدد يسحبها لأحضانه وغفى كما لم يغفو لسنوات في صباح اليوم التالي... فتحت ليلى عينيها ببطء، وما إن استعادت وعيها حتى شعرت بثقل جسدها. حاولت التحرك، فوجدت نفسها عاجزة عن النهوض. التفتت بصعوبة، لتجد عمران نائمًا إلى جوارها، يحتضنها وكأنه يخشى أن تهرب من بين يديه. تجمدت للحظة، حاولت تحريك ساقيها مرة أخرى... ولكن لم تقدر انهمرت دموعها بصمت. حاولت أن تستند إلى الفراش، لكن جسدها خانها، فارتفعت شهقاتها: — ماما... استيقظ عمران على صوتها، واعتدل في مكانه مذعورًا: — ليلى؟! اهدي... إيه اللي حصل؟ نظرت إليه بعينين غارقتين في الدموع: — عايزة ماما... امشي اطلع برة. مش عايزاك. خرجت الكلمات من بين شهقاتها: — أنت السبب... عايزة أروح لأمي. تغير وجه عمران، وضاق صدره من كلماتها، فقال بعصبية لم يستطع السيطرة عليها: — كفاية يا ليلى! إنتِ مش طفلة... واقتنعي إنك مراتي، سمعتي؟ نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بصوت ضعيف كسر كل غضبه: — عايزة أروح الحمام يا عمران بيه... صمتت لحظة، ثم أضافت: — ولو هموت... مش هخليك تساعدني. تجمد عمران.. لم يتحرك. وكأن الجملة اخترقت صدره مباشرة. تابعت وهي تبكي: — والطفلة بتقولك عايزة أمها علشان تساعدها... بعد ما فقدت الحركة بسببك. ظل ينظر إليها عاجزًا عن الرد. كانت كلمة «بسببك» تتردد في رأسه كأنها حكم لا يستطيع الهروب منه. نهض ببطء، واتجه نحو الباب. وكل خطوة كان يبتعد بها عنها كانت كلماتها تلاحقه: _لو هموت... مش هخليك تساعدني. خرج من الغرفة، ثم نادى الخادمة بصوت حاول أن يخفي ارتباكه: — اطلعي للمدام فورًا... وساعديها في كل اللي تحتاجه. ثم وقف لحظات أمام الباب، واضعًا يده على مقبضه، لكنه لم يستطع العودة. بعد فترة... كانت الخادمة تساعد ليلى في ارتداء بعض الملابس. وقعت عينا ليلى على القميص الذي يغطي جسدها إلى ما دون ركبتيها، فعقدت حاجبيها.. عرفته فورًا. كان قميص عمران.نظرت إلى الفستان الموضوع أمامها، ثم عادت بعينيها إلى القميص، وتذكرت أنها لم تكن ترتديه حين نامت. سألت بقلق: — إنتِ اللي غيرتي هدومي؟ هزت الخادمة رأسها سريعًا: — لا يا هانم... البيه هو اللي... لم تكمل. جزّت ليلى على شفتيها، واحمر وجهها من الغضب والحرج: — قليل الأدب! بعد فترة... ترجل عمران من سيارته، ثم اتجه إلى الجهة الأخرى وفتح الباب. وقبل أن تتمكن ليلى من الاعتراض، انحنى وحملها بين ذراعيه. اعترضت بضيق: — مش تشيلني... شوف لي كرسي. لكنه لم يلتفت إلى اعتراضها، واستمر في طريقه. — عمران، نزلني بقولك! توقف فجأة، وأنزلها قليلًا بكف واحدة، فوجدها تتعلق بعنقه خوفًا من السقوط. ضحك بصوت منخفض: — مش بتقولي نزلني؟ نظرت إليه بغيظ، ثم دفنت وجهها في صدره دون أن تشعر ابتسم عمران بانتصار صغير، وضمها إليه أكثر وهو يدخل بها إلى المستشفى. — أهو نزلتك... بس إنتِ اللي مسكتي فيا. لم تجبه. كان قلبها يخفق بقوة، بينما هو يمشي بها وكأنه لا يرى أحدًا حوله. صعد بها إلى مكتب بلال. بعد دقائق، كانت ليلى تجلس أمام بلال، بينما وقف عمران إلى جوارها.. يحيط مقعدها ابتسم بلال لها وقال: — طيب يا ليلى، أنا عايز أسمع منك إنتِ الأول... إيه اللي حصل من وقت ما بدأتِ تحسي بالتعب؟ لكن عمران تدخل فورًا: — أنا هقولك. نظر إليه بلال بضيق: — عمران بيه، أنا بكلم المريضة. — وأنا كنت معاها. رفع بلال حاجبه: — وأنا الدكتور ، فخليني أسمع منها. نظر عمران إليه لحظة، ثم جلس مرغَمًا. بدأ بلال يفحصها بعينيه قبل أن يسأل: — تقدري تحركي إيديكِ كويس؟ حركت ليلى أصابعها، ثم قالت: — أيوه. — بتحسي بلمسي؟ — أيوه. انتقل إلى ساقيها، وطلب منها أن تحاول تحريك قدمها. حاولت... لكن الحركة كانت ضعيفة للغاية. — بتحسي باللمس هنا؟ أومأت: — أيوه. — وفي تنميل؟ حرقان؟ ألم زي الكهرباء؟ — أوقات بحس بتنميل... ورجلي تقيلة أوي. أومأ بلال بتفهم، ثم نظر إلى عمران: — وموضوع الكلام؟ أجابه عمران: — لسانها تقل فجأة، ومبقتش قادرة تتكلم كويس. وبعدها رجع كلامها تدريجيًا. قالت ليلى: — أيوه يا دكتور... دلوقتي الحمد لله بتكلم، بس رجلي مش قادرة أتحكم فيها. وضع بلال يده على ذقنه، ثم قال بهدوء: — بصوا، اللي عندها محتاج تقييم عصبي كامل قبل ما نقول السبب أو نتوقع مدة التحسن. فقدان الحركة مع وجود الإحساس، خصوصًا بعد صدمة نفسية شديدة ، ممكن يكون له أكثر من تفسير، ومينفعش ننسبه للصدمة النفسية قبل ما نستبعد أي سبب عضوي. سأل عمران بقلق: — يعني ممكن يكون عندها مشكلة في الأعصاب؟ — ممكن، وعلشان كده لازم نستبعدها. هنعمل فحص عصبي دقيق: قوة العضلات، المنعكسات، الإحساس، والتناسق، وكمان هنراجع ضغطها ونبضها ونسبة الأكسجين وتأثير الأدوية اللي أخدتها. سأل عمران: — والعلاج؟ أجابه بلال بحزم: — العلاج مش دواء واحد. لو الفحوصات استبعدت وجود إصابة عصبية أو مشكلة في الحبل الشوكي، هنبدأ تأهيل تدريجي. علاج طبيعي لتحريك المفاصل والحفاظ على قوة العضلات، وتمارين تدريجية لاستعادة الحركة والتوازن، ومتابعة مع طبيب أعصاب وتأهيل. ثم نظر إلى ليلى مباشرة: — والأهم... ممنوع تحاولي تقفي أو تمشي لوحدك دلوقتي. أي محاولة من غير مساعدة ممكن تعرضك للسقوط. تنفست ليلى بقلق: — يعني هتحسن؟ ابتسم بلال مطمئنًا: — عندك مؤشرات كويسة؛ رجوع الكلام ووجود الإحساس في الساقين حاجات مطمئنة، لكن ما ينفعش أوعدك بمدة محددة قبل ما نعرف السبب. المهم إننا نتحرك بدري وبشكل صحيح. أومأت ليلى، بينما كان عمران يراقب الحوار بصمت. ثم قالت له ليلى: — يعني أقدر أبدأ العلاج؟ أجاب بلال: — طبعًا، بس خطوة خطوة. وهنا لاحظ بلال نظرات عمران المتوترة، فقال.. خير إن شاءلله رد عمران ببرود: — خير ازاي وماقولتش هتمشي ولا لا — مش فاهم؟! — عايزها تمشي النهارده. ضحك بلال: — وأنا عايز أعالجها صح، مش أعمل معجزة. ظل عمران صامتًا. وبعد دقائق من الحديث، نهض بلال، ثم قال: — خلصنا كلام... ممكن تقعد علشان أقولك المطلوب؟ نظر إليه عمران بضيق: — لا والله، كتر خيرك إنك شاركتني الحديث. انفلتت ضحكة من بلال، فقد التقط أخيرًا سر نظرات غيرته التي لم تفارق زوجته مر الوقت سريعًا. خرج عمران من مكتب بلال دون أن ينطق بحرف.. كان غاضبًا حد الجحيم كانت ليلى تراقبه من مكانها، وقد أربكتها حالته؛ غضبه لم يكن عاديًا، وكأنه يحمل بداخله شيئًا لا يريد أن يظهره. أوصلها إلى غرفتها، ثم نادى الخادمة. هرولت إليه: — نعم يا بيه؟ قال بصرامة: — ما تسيبيش الهانم مهما حصل. ممنوع البيت يتفتح لحد. حتى لو خبطوا أو حاولوا يدخلوا، تستني لحد ما أنا أرجع. قدامي تلات أربع ساعات. أومأت بسرعة: — حاضر. دلف عمران إلى غرفة الملابس لدقائق، ثم وقف أمام المرآة يعدل ملابسه ويرتب شعره. كانت ليلى تراقبه في صمت، ثم خرج السؤال منها دون تفكير: — متشيك ورايح فين كده إن شاء الله؟ النهارده الجمعة. التفت إليها، ثم عاد ينظر إلى المرآة: — مشوار. قطبت جبينها: — مشوار إيه؟ عايزة أعرف رايح فين... مش من حقي؟ استدار إليها ببطء: — حقك؟ — أيوه... أنا مراتك يا أستاذ. توقفت أنفاسها لحظة حين اقترب منها، وعلى وجهه ابتسامة خبيثة. أمسك إحدى خصلات شعرها ولفها حول إصبعه، ثم قال بهدوء: — ما أنا عارف إنك مراتي. ارتبكت من بروده أكثر من لو كان غاضبًا. قالت وهي تراقبه: — رايح فين بقى يا جوز مراتك؟ رن هاتفه. ابتعد عنها وأجاب: — أيوه يا علي... تمام، نازل. هدأت ملامحها قليلًا، وقد علمت أنه ذاهب إلى العمل. اقترب منها عمران، وانحنى وقبّل رأسها، ثم همس: — بحبك. وقبل أن تستوعب كلماته، كان قد غادر. بعد فترة... كان عمران يجلس داخل مكتب الضابط المسؤول عن حجز هشام. رفع الضابط عينيه إليه وقال باحترام: — هسيبك شوية معاه يا عمران بيه. فتح الباب. دخل هشام، وكفاه مصفدتان بالحديد، وملامحه شاحبة بعدما قضى وقتًا خلف القضبان. رفع عينيه... فوجد عمران أمامه... حاول أن يتذكر اين رآه، ولكنه لم يتذكر أما عمران، فنهض ببطء من مقعده، وثبت عينيه عليه. لم يكن في وجهه غضب كان هناك شيء أشد هدوء... هدوء رجل جاء لينتقم بنفسه اللهم استرنا فوق الارض وتحت الأرض ويوم العرض عليك" قبل ماابدأ في الفصل القصة دي مجرد فكرة عن بناتنا اللي بفترة المراهقة، بيمشوا خلف احاسيسهم الحياشة، فيه منهم عارف الصح من الغلط، والحلال من الحرام، بس مشاعرهم في الوقت دا هي اللي بتقودهم غير طبعا وسائل التواصل اللي اصبحت اكبر نقمة ربنا يحفظ بناتنا يارب العالمين بقلم سيلا وليد توقف هشام أمام عمران، يرمقه بنظرات مستفزة، قبل أن يسأله باستخفاف: — إنت مين؟ نهض عمران ببطء شديد، حتى استقام أمامه بكامل طوله. كانت عيناه مشتعلة بنيران لم يرَ هشام مثلها من قبل، تلتهمان ملامحه كأنهما تحفظان وجه الرجل الذي تجرأ على النطق باسم زوجته بسوء. وللحظة، كره عمران عينيه... لأنها جعلته يرى ليلى في هذا المكان، قريبة من هذا الوغد. خرج صوته منخفضًا، لكنه حمل تهديدًا أخطر من الصراخ: — أنا قدرك الأسود. رمش هشام بسخرية: — إنت بتقول إيه يا جدع إنت؟ في لحظة، اندفعت يد عمران إلى عنقه، وأطبقت عليه بقوة جعلته يتراجع خطوة، بينما اقترب عمران من وجهه وهمس بين أسنانه: — هعرفك أنا مين... بس كل حاجة بوقتها. ثم شد قبضته أكثر، وقال بصرامة: — اسمعني كويس، قدامك حل واحد بس. حاول هشام الإفلات من قبضته، فتابع عمران، وعيناه تقدحان شررًا: — أمك العقربة دي... عايزها تلف على كل بيت في البلد. بيت بيت، وناس ناس، وتقول لهم بالنص إن ليلى بريئة... وإنها بنت متربية ومحترمة. توقف لحظة، ثم أضاف بصوت قاطع: — وإن الصور اللي اتنشرت كانت متلفقة، وإن ابني هو اللي عمل كل ده علشان يضغط على أبوها ويتجوزها. ابعده عنه مشمئزًا __سمعتني يلا اتسعت ابتسامة هشام حين أدرك هويته، فقال باستخفاف: — إنت بقى المصراوي... اللي قضّاها معاها؟ ثانية واحدة فقط...قبل أن تهوي يد عمران على وجهه بصفعة عنيفة، ارتد جسد هشام إلى الخلف، ولم يمنحه فرصة ليستوعب ما حدث... بقلم سيلا وليد أمسكه من ملابسه وسحبه إليه بعنف، ثم قبض على عنقه من جديد، ووجهه صار أقرب إلى وجهه، ونبرته خرجت مرعبة من شدة الغضب: — اسمعني كويس يلا... إنت لسه مش فاهم إنت بتتكلم عن مين. اقترب أكثر، ثم دفعه للخلف بعنف حتى اصطدم ظهره بالحائط. — لسانك اللي جاب سيرتها بسوء... هخليك تندم إنك فتحته. اقترب منه خطوة، وعيناه لا تعرفان الرحمة: — وعينيك اللي اترفعت عليها، هتتمنى لو إنك نزلت من بطن أمك أعمى ثم أشار إليه بإصبع غاضب: — وإيدك اللي اتمدت عليها... دي بالذات، إنت محظوظ إني لسه سايبها مكانها. ارتجف هشام، لكن عمران لم يتراجع. قال ببطء، وكأنه يحفر كل كلمة في رأسه: — قدامك أربعة وعشرين ساعة. ثم أمسكه من مقدمة ملابسه وجذبه نحوه: — عايز كل بيت في البلد يعرف حقيقة ليلى. عايز الناس كلها تحلف بأخلاقها وتعرف إنها اتظلمت، وإن الصور كانت لعبة قذرة من ابنك.. سحبه من عنقه من الخلف يضغط عليها __ماشي ياهشومة، قالها ثم تركه فجأة، فتراجع هشام وهو يلتقط أنفاسه. استدار عمران، لكنه توقف عند الباب، ثم التفت إليه بنظرة باردة أخطر من غضبه: — ولو بعد أربعة وعشرين ساعة مانفذتش صمت لحظة، ثم قال: — ساعتها خلي ابوك يجدد قبرك خرج عمران، تاركًا خلفه هشام واقفًا أمام الحائط، عاجزًا حتى عن ابتلاع ريقه. أما عمران، فما إن ابتعد خطوات حتى رفع هاتفه __خلصت __أيوة، اشتريت الأرض كلها، هم كانو عايزين يبعيوا نصها بس أنا رفضت، وطبعا السعر أغراهم __تمام... سجل الأرض باسم ليلى صمت قليلا، ثم تسائل __أبوها دا فين دلوقتي __معرفش.. لو عايزه، اشوفه لك __لا.. لازم أرجع، هيجي وقته بمنزل شهاب جلس شهاب أمام شاكر، والد نيفين، يتحدثان مع بعضهما البعض زفر شهاب بضيق، ثم مرر يده على وجهه قائلًا: ـ والله يا عمي إحنا بنحاول... بس عمران كالعادة سابقنا بخطوة. كل ما نخطط لحاجة، نلاقيه سبقنا وعارفها، لدرجة إني بدأت أشك إنه بيراقبنا. طالعته نيفين وهي تتابع الحديث بصمت، ورسمت على شفتيها ابتسامة تحمل انتصارًا ـ النهارده هرجع الفيلا... أخيرًا اقتنع بيا بعد موضوع البت دي. رفع شاكر عينيه إليها، والقلق لم يفارق ملامحه، وقال بجدية: ـ أهو الموضوع ده بالذات أكتر حاجة مقلقاني. عمران زي أبوه... مستحيل يسامح في حد أساء له، خصوصًا لو اكتشف الحقيقة. اختفت ابتسامة نيفين للحظة، ثم أسرعت قائلة وكأنها تحاول طمأنته: ـ بس هو ما يعرفش حاجة يا بابا. لما كلمني، وحتى لما قرب مني، ما جابش سيرة القهوة خالص... والبت الشغالة لسه في البيت، يعني لو كان شك في حاجة كان زمانه اتصرف. صمت شاكر لحظات، ثم تبادل نظرة ثقيلة مع شهاب. ـ يمكن يا نيفين عمران مختلف عن اللي إحنا فاكرينه... بس خدي بالك. ما نستعجلش، ونشوف آخرتها إيه. ضحك شهاب وقال: ـ عمران ممكن يسكت... ممكن يتغاضى... لكن لو عرف إن حد لعب عليه، ساعتها محدش هيقدر يوقفه. حدق شاكر في شهاب حين قال: ـ معرفش خالتو رفضت تتجوز حضرتك ليه... كنا زمانا مرتاحين، وكل حاجة كانت هتبقى في إيدنا. رد علي ـ خافت من عمران. رفع شاكر حاجبه باستغراب: ـ عمران؟ هز شهاب رأسه ببطء، وقال بصوت خافت: ـ أيوه.... عمران كان متعلق باابوه ابتلع ريقه، ثم أضاف: ـ وعشان كده خافت، مش علشان أنا مش عاجبها _لا طبعا ياعمي ماقصدش، حضرتك تعجب أي حد طالعته نيفين _بس اللي اعرفه ان حضرتك حاولت معاه بعد رفضها، وكمان هددتها _مين اللي قالك كدا، محصلش _لا حصل يابابا، انا سمعتك وانت بتقولها لو ماوافقتش على الجواز ممكن تأذي عمران او ملك، علشان كدا سلمتك الشركة اللي فلست توسعت أعين شهاب _معقول هددتها _أيوة، امال فاكرين اخدنا الشركة اللي برة ازاي، ماهي بعد مارفضت الجواز مكنش قدامي حل _غلطت ياعمو، لو صبرت كنا اقنعناها _مكنتش هتقتنع، علشان كدا كان لازم اضعط عليها _واستفادنا ايه، خسرنا الشركة _خلاص بقى انت وهي عند ليلى وصلت وفاء إلى منزل عمران بعدما أرسل لها سيارة خاصة لتقلّها. ما إن وطئت قدماها المكان حتى توقفت للحظات، تتأمل المنزل الفخم من حولها في صمت. لم تكن تحتاج إلى كثير من الذكاء لتدرك أن ابنتها أصبحت زوجة لرجل يملك من المال ما يفوق خيالها. تحركت خلف الخادمة بخطوات مترددة، حتى توقفت أمام غرفة ليلى. طرقت الخادمة الباب، ثم فتحته، لتظهر ليلى جالسة على الفراش، وبجوارها المرافقة التي خصصها عمران لها. ما إن وقعت عينا ليلى على والدتها حتى تبدلت ملامحها بالكامل. ـ ماما... خرجت الكلمة همسًا مكسورًا، وانهمرت دموعها في اللحظة نفسها. اندفعت وفاء إليها واحتضنتها بقوة، كأنها تريد أن تتأكد بيديها أنها ابنتها، وأنها ما زالت بخير. ـ يا حبيبتي... يا بنتي، عاملة إيه؟ أبعدتها قليلًا، وأمسكت وجهها بين كفيها، تتفحصه بعينين مرتجفتين. ـ إنتِ كويسة؟ حد أذاكي؟ عمران عمل فيكي حاجة؟ هزت ليلى رأسها بالنفي، وهي تبكي. ثم رفعت عينيها إلى المرافقة. ـ انزلي تحت... ماما هتبقى معايا. ردت المرافقة بحرج: ـ بس البيه قالي ما أتحركش من جنبك. استدارت ليلى إليها بعصبية: ـ وأنا بقولك انزلي! خدي اوامرك من البيه بتاعك بعيد عني ـ ليلى... ـ تمتمت بها والدتها حين التقطت عصبيتها الزائدة _فين تليفوني؟ بدأت تبحث بعينيها حتى وقع بصرها على الهاتف فوق الطاولة. _ناوليني ياماما التليفون دا التقطته، وقالت وفاء: ـ اهدي يا بنتي. ـ هاتي تليفوني يا ماما... لما أشوف البيه فين، ييجي يلم بلاويه. وقبل أن تتمكن وفاء من الرد، كانت ليلى قد اتصلت به. لم يستغرق الأمر سوى ثوانٍ حتى جاء صوته: ـ ليلى؟ فيه حاجة؟ تجمدت للحظة أمام لهفته، لكنها سرعان ما أخفت ارتباكها خلف غضبها. ـ إنت فين يا بيه وسايب بلاويك لي؟ كان عمران يقود سيارته عائدًا إلى القاهرة، فابتسم رغمًا عنه. ـ إنتِ كويسة الأول؟ ـ قول لاستكشاف والاستطلاع بتاعتك تطلع بره أوضتي! ضحك عمران، والتقط الكلمة الأخيرة منها، فقال بمشاكسة: ـ أوضتك؟ صمتت. ـ هي فين أوضتك دي يا خرساي؟ ازداد احمرار وجهها. فأضاف، بنبرة تحمل انتصارًا صغيرًا: ـ قصدك أوضتنا... أنا ومراتي حبيبتي. أغلقت ليلى الهاتف في وجهه وهي تتمتم غاضبة: ـ قليل الأدب! بقلم سيلا وليد كانت وفاء تراقبها بصمت. وبعد لحظات، رن هاتف المرافقة. ـ نعم يا بيه؟ جاءها صوت عمران: ـ سيبي المدام براحتها، مادام والدتها جت... مش هي جت علشان تقعد معاها؟ ـ أيوه يا بيه. وقبل أن تنهي المرافقة المكالمة،، قالت ليلى دون أن تنتبه: ـ هو البيه معاه رقم تليفونك؟ وياترى على الخاص كمان؟ توقفت المرافقة، بينما جاء صوت عمران من الهاتف : ـ انزلي تحت. تحركت المرافقة فورًا دون كلمة. لكن وفاء ظلت تنظر إلى ابنتها. كانت نظرتها مختلفة هذه المرة... نظرة أم رأت في عيني ابنتها شيئًا لم تستطع أن تتجاهله.. طريقتها، هل ابنتها بالفعل كما قالوا، رغم مارأته من صورها، الا انها كانت تكذب كل شيئا، وتقول، انا بنتي متربية، ولكن اليوم رأت شخصًا بعيد عن ابنتها التي ربتها اقتربت منها ببطء. ـ ليلى... رفعت ليلى عينيها إليها. فقالت وفاء بصوت مكسور: ـ عملت إيه يا بنتي علشان تعملي في أمك كده؟ عقدت ليلى حاجبيها. ـ تقصدي إيه يا ماما؟ انكسرت ملامح وفاء، وقالت: ـ من إمتى وإنتِ على علاقة بالراجل ده؟ صمتت ليلى. ـ دي تربيتي ليكي يا ليلى؟ كده تكسري عين أمك قدام الناس؟ ـ ماما... ـ أنا كذبتهم كلهم علشانك! كل واحد كان يجيب سيرتك كنت أقول: مستحيل... بنتي ما تعملش كده. بنتي اتربت على الحلال والحرام. انسابت دموع ليلى بغزارة، وارتجف جسدها. ـ حبيت يا ماما... توقفت وفاء عن الكلام.. فتابعت ليلى ـ عارفة إني غلطت... بس والله ما كان قصدي أوطي راسكم. ما كانش قصدي أخليكم تسمعوا كلام من حد بسببي. رفعت عينيها إليها، وقالت بصوتًا مرتجف: ـ أنا حبيت عمران أوي يا ماما... عارفة إني غلطت، وأهو ربنا عاقبني على غلطي. احتضنت وفاء وجهها، ومسحت دموعها بإبهامها، لكن عينيها ظلتا ممتلئتين بالعتاب. ـ يا بنتي... الحب مش هو المشكلة. نظرت إليها ليلى. ـ المشكلة إنك تصدقي إن الحب لوحده يخلي أي حاجة صح. سكتت لحظة، ثم تابعت: ـ إنتِ لسه صغيرة يا ليلى، ومش كل واحد يقول كلام حلو يبقى أمان. ومش كل اهتمام يبقى حب، ومش كل راجل يقولك "أنا بحبك" يبقى ناوي يصونك. شهقت ليلى وهي تبكي: ـ غصب عني يا ماما... حاولت أبعد، بس مقدرتش. والله ما قدرت. عمران كان حنين عليا أوي... حسسني إني أهم حاجة عنده. كنت معاه بحس إني أميرة. ابتسمت وفاء بحزن شديد. ـ عارفة ليه الكلام ده خطر يا بنتي؟ هزت ليلى رأسها. ـ لأن البنت وهي محتاجة للحب والاحتواء، ممكن تخلط بين الحنية والأمان. وضعت يدها على قلب ابنتها. ـ ممكن كلمة حلوة تخلينا نثق، ونظرة تخلينا تطمن، واهتمام يخلينا نسلم قلبنا كله... وبعدها نكتشف إنها كانت كذبة وسراب، مش كل كلمة حلوة وحنية بيكون حب، فيه ديابة بشرية بتنهش يابنت وفاء، فيه حلال بين وحرام بين _ماما بقولك حسسني اني أميرة صرخت وفاء : _اميرة بالغلط والحرام ياليلى، بقى دي ليلى االي ربتها على الحلال والحرام دا اهل البلد كلهت مكنوش بيصدقوا انك انتي ونور ولاد عم _ماما لو سمحت _لو سمحت، لو سمحت ايه يابنت بطني، دا اخوكي اللي هو ولد معملش كدا هزت رأسها بانهيار _اسفة... عارفة اني غلطانة، انا والله كنت هقولك، بس خفت بابا يعرف ويجوزني هشام ويحرمني من عمران _يحرمك... وهو كان ايه علشان يحرمك، وازاي تامني يابنتي لراجل غريب كدا اقتربت منها تنظر لعيناها بحزن _ازاي تخليه يقرب منك يابنت وفاء، ازاي ماتعرفيش تفرقي بين الحلال والحرام انا مش كنت قايلة لك الجواز العرفي دا حرام وزنا طالعتها ليلى بجهل _مش فاهمة حضرتك ياماما ولكن وفاء تابعت وقلبها يغلي بنيران خيبة الأمل ـ اللي بيحبك بجد مش هيطلب منك حاجة تخليكي تخافي من أهلك، ولا حاجة تضطري تخبيها، ولا حاجة تحسسك بعدها إنك مذنبة أو مكسورة. اللي عايزك بالحلال، ييجي من بابه. انخفضت عينا ليلى.. فصاحت متناسية مرضها ـ مش عارفة الغلط والحرام يا ليلى؟ دي ليلى اللي ربيتها على إن كرامتها أغلى من أي حد؟ ـ ماما، أنا... ـ أنا مش بقولك الكلام ده علشان أذلك، ولا أقسى عليكي علشان أكرهك. أنا أمك، ووجعي عليكي هو اللي بيتكلم. ضمتها إلى صدرها. ـ وإنتِ مهما غلطتي، هتفضلي بنتي. بس لازم تعرفي إن الاعتراف بالغلط مش نهاية الدنيا... والخيبة يابنتي إنك تعرفي إنك غلطانة وتكملي. ظلت ليلى تبكي في حضنها. لكن وفاء ابتعدت عنها فجأة، وكأن شيئًا تذكرته. ـ بس أنا مش فاهمة حاجة. نظرت إليها ليلى. ـ إنتِ اتجوزتيه عرفي؟ قطبت ليلى جبينها بدهشة حقيقية. ـ جواز إيه يا ماما؟ ـ عمران قال لفريد إنه مضاكي على ورقة عرفي، وإنه لو ما حضرش كتب الكتاب هياخدك بيته بالورقة دي. شهقت ليلى: ـ محصلش! ـ يعني إيه محصلش؟ ـ عمران عمره ما مسكني قلم أصلًا! إزاي مضاني على ورقة؟ اقتربت وفاء منها، وقالت بصوتًا مرتجف: ـ يعني كان بيضحك علينا؟ هزت ليلى رأسها، والدموع تغرق وجهها. ـ وكان بيضحك عليا أنا كمان يا ماما... ـ ليه؟ ـ أنا حبيته... وهو كسر قلبي. سكتت وفاء. ـ يعني ايه وبين شهقاتها، بدأت ليلى تحكي لها كل ما حدث، من لحظة معرفتها بعمران، إلى ما رأته من فيديوهاته، وحتى المواجهة الأخيرة بينهما. استمعت وفاء إليها حتى النهاية دون مقاطعة. ثم سألتها: ـ وهو قالك إيه لما واجهتيه؟ أجابت ليلى بصوت مبحوح: ـ ولا حاجة... واجهني بخطوبتتي من هشام. ظلت وفاء تنظر إلى ابنتها طويلًا. ـ اسمعيني يا ليلى... مهما كان اللي حصل، ما تسمحيش لنفسك تضيعي وسط الغضب والحب والندم. الغلط بيتصلح، لكن لازم الواحد يبقى شجاع ويواجهه.. ولو عمل كدا فعلا خدي حقك منه بس بهدوء ثم مسحت على شعرها: ـ وأنا زعلانة منك... أيوه، زعلانة جدًا. رفعت ليلى عينيها بدموعها. ـ بس عمري ما هسيبك لوحدك.. اتمنى يابنتي توقفي مع نفسك، وتعاتبيها، وتقعدي تلومي نفسك على الغلط دا، انا مش هعاقبك، لان كفاية عليكي كسرة عينك قدام نفسك انهارت ليلى في حضنها من جديد، بينما أغمضت وفاء عينيها، وضمت ابنتها بقوة... فهي لم تأتِ إلى القاهرة لتجلد ابنتها. أتت لأنها أم... والأم قد تغضب من ابنتها، وقد تعاتبها، لكنها حين تسقط ابنتها، تكون أول يد تمتد إليها. في تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة، ودلف عمران. توقف فور أن رأى وفاء، فبدت على ملامحه لمحة ارتباك قبل أن يقول باحترام: ـ آسف لحضرتك... نسيت إنك موجودة. استدارت وفاء إليه، وكانت عيناها تحملان عتاب أمٍ لم يعد بداخلها مكان للصمت. ـ ليه ضحكت علينا يا ابني؟ علشان إحنا غلابة تلعب بينا؟ يا ابني إحنا مش حيلتنا غير شرفنا، وإنت... رفع عمران يده بهدوء يوقف اندفاع كلماتها. ـ وإنتوا أشرف ناس يا طنط... متقوليش الكلام ده تاني. ثم اتجه ببصره إلى ليلى، التي كانت تجلس على الفراش، ووجهها غارق في الدموع. ـ ليلى أنضف بنت في الدنيا كلها. تنفس بعمق، ثم تابع: ـ وأنا اضطريت أقول الكلام ده علشان كان الحل الوحيد وقتها إني أتجوزها. فريد كان غضبان، وحقه، ومكنش ينفع أتجوزها من غير وكيل. ومنكرش إني دفعت فلوس للمأذون علشان يوثق جوازنا، لأن ليلى وقتها مكنتش بحالتها... بس وجود فريد كان أهم حاجة عندي. تعلقت عيناه بليلى. ـ عملت كده علشان بحب بنتك وعايزها، مش علشان ألعب بيها. ثم تغيرت نبرته، وظهر الألم خلف غضبه: ـ أنا مغلطتش في النقطة دي. بنتك هي اللي غلطت. أنا طلبت منها كتير نروح لباباها، أو أكلم فريد، وهي كل مرة كانت بتتحجج. التقت عيناه بعيني ليلى. ـ مكنتش أعرف إنها بتغدر بيا... وإنها مخطوبة لغيري. وأنا الوقت اللي كنت بسعى فيه علشان يبقى بينا رابط حقيقي، بنتك كانت بتألف قصص علشان تبعدني عن الحقيقة. نظرت وفاء إلى ابنتها بعتاب. خفضت ليلى عينيها، وهمست بصوت مختنق: ـ كنت خايفة من بابا يا ماما... إنتِ عارفة بابا، آخر حاجة عنده راحتي. ثم رفعت عينيها إلى عمران، والدموع تسبق كلماتها: ـ أنا مغدرتش بيك... أنا حبيتك. وخبيت علشان كنت عارفة إن بابا وقتها كان ممكن يحكم عليّ بالإعدام. ارتعش صوتها: ـ إنت اللي غدرت بيا يا عمران... ضحكت على قلبي وكسرته. ظل ينظر إليها للحظات. كان في عينيه شيء جعل وفاء تدرك أن وجودها بينهما لم يعد له معنى، فانسحبت بهدوء، وأغلقت الباب خلفها. اقترب عمران من ليلى، وجلس على حافة الفراش. مد يده، ومسح دموعها برفق. ـ معرفش هتصدقي ولا لأ... بس مفيش حاجة بيني وبين نيفين. انتفضت ليلى كأن كلماته أشعلت النار داخل صدرها. ـ كداب! شهقت، والدموع تنساب من عينيها. ـ أنا شوفتك بعيني... شوفتك وإنت... توقفت. لم تستطع إكمال الجملة. أغمضت عينيها، وعادت الصور تطاردها من جديد. ـ كأنك بتحبها بجنون... ملهوف عليها... ضحكت وسط بكائها ضحكة موجوعة. ـ طيب ما تروح لها! جاي لي أنا ليه؟ أهي شبهك... ثم هزت رأسها بعنف. ـ أنا مش طايقاك على فكرة... أنا... لم يدعها تكمل. اقترب منها، وجذبها إليه، ووضع قبلة هادئة على شفتيها، لا تحمل إلا محاولة لإسكات الألم الذي يعصف بها، وكأنه يريد أن يقول لها ما عجز عن قوله بالكلمات. تجمدت للحظات. ثم أغمضت عينيها، وغلبها قلبها قبل عقلها. ابتعد عنها قليلًا، وضمها إليه. ـ شوفتيني كده، صح؟ لم تجبه. ـ وأنا كمان... وقتها شوفتها زي ما شوفتك دلوقتي. مكنتش شايف غيرك يا ليلى. لكن بدل أن تطمئن، اشتعلت الغيرة في قلبها أكثر. دفعت صدره بكفيها الصغيرتين، وهي تصرخ: ـ يعني قربت منها! ارتفع صوتها بالبكاء. ـ يعني الفيديو حقيقي! حاول عمران تهدئتها: ـ ليلى، اسمعيني... ـ لا! دفعته مرة أخرى، تحاول الابتعاد عنه، لكن سافيها خانتها، ولم تستطع أن تهرب منه... من صوته...من عينيه... من كل شيء يذكرها بأنه الرجل الذي أحبته حتى صار جزءًا من نبضها. فالغيرة يااعزائي ليست مجرد خوف من أن يأخذك أحد ممن تحبين... الغيرة نارٌ ونيران... نارٌ تشتعل في القلب حين ترى من أحببت يقترب من غيرك، ونيرانٌ تحرق الروح حين تتخيل أن أحدًا قد يشاركك مكانًا ظننته يومًا لك وحدك. هي نارٌ لا تُرى، لكن لهيبها يفضحها في ارتجافة الصوت، وانكسار النظرات، ودمعةٍ تسقط رغمًا عن صاحبها. فتأكد ياصديقي، أن الغيرة حين يسكنها الحب... لا تحرق القلب فحسب، بل تحرق كل شيءٍ حوله، حتى تجعل العاشق يعادي من يحب، وهو في الحقيقة لا يريد سوى أن يطمئن أنه ما زال الوحيد في قلبه.. وهذا ماجعل ليلى تثير بجنون نيران الغيرة، حتى اصبحت أن تدعي أن يصيبها الله بالعمى... وتتمتم بكلمات غير مفهومة، اقترب منها ولكنها كانت تردد بين شهقاتها: ـ خاين... حاول الاقتراب منها مرة اخرى دفعته بقوة: ـ خاين وبتاع ستات! ثم وضعت كفيها على وجهها، وانفجرت في البكاء. ـ ابعد عني... شهقت، وكأن مجرد قربه أصبح يؤلمها. ـ إياك تلمسني! توقف عمران مكانه. ظل ينظر إليها وهي تختبئ خلف كفيها، وجسدها يرتجف من البكاء. وللمرة الأولى، أدرك أن الغيرة لم تكن غضبًا منها...كانت حبًا موجوعًا. اتجه الى الحمام وصدره يرتفع ويهبط بألمًا من حالتها، رغم غضبه منها، إلا أنه اقسم أن يأخذ ثأره من كل من حاول تشويهها خرج عمران بعد قليل، ثم عاد بنظره إليها. كانت ليلى مستندة برأسها إلى ظهر الفراش، تحدق في سقف الغرفة بشرود لم يقل شيئًا. اتجه إلى خزانة الملابس، أخرج لها ثيابًا أنيقة وحجابًا، ووضعهما بهدوء على الفراش. ـ هبعت والدتك علشان تجهزي... عندك موعد مع الدكتور. لم تجبه، ولم تحرك عينيها عن السقف. ظل واقفًا لحظة، وكأنه كان ينتظر منها كلمة واحدة... لكنها لم تأتِ. خرج دون إضافة. بعد فترة، كانت تجلس إلى جواره في السيارة. كانت تجلس بصمتًا ثقيلًا، يخشى عمران أن تفقد صوتها من جديد حاول أن يستفز منها أي حديث. ـ تعرفي إن ملك أختي قدك؟ لم تجبه. تابع وهو يقود: ـ إمبارح عديت عليها، أول ما شوفتها افتكرتك. استدارت إليه ببطء، وقالت: ـ خاف عليها... قطب حاجبيه. ـ ليه؟ قالت بمرارة: ـ علشان هيترد لك اللي عملته فيا. نظر إليها للحظات. ـ إنتِ شايفة كده؟ تهكمت من سؤاله، ثم أدارت وجهها نحو النافذة. ـ أنا مش شايفة غير إنك إنسان مش كويس. ضغط عمران على الفرامل فجأة، فتوقفت السيارة بعنف، وكادت سيارة خلفهما تصطدم بهما. التفت إليها، والغضب يشتعل في عينيه. ـ غلط... مش هسمحلك. صمت لحظة، ثم قال: ـ أنا بحبك، آه. اقترب منها قليلًا، وصوته انخفض، لكنه ازداد حدة: ـ بس اللي مش كويس ده، لو كان فعلًا مش كويس، كان زمانه قاعد حاطط رجل على رجل، وقاضي وقته مع كل واحدة شوية. كان زمانه مش فارق معاه تعيشي ولا تموتي، تتفضحي ولا لأ. اشتد انفعال صوته: ـ لكن أنا؟ أنا واحد غبي... حبيت واحدة غبية. ارتجفت عيناها. ـ لو كنتِ قلتيلي الحقيقة من الأول، مكناش وصلنا لكده. أمسك ذراعيها، ثم انتبه إلى خوفها فخفف قبضته. ـ إنتِ كنتِ مخطوبة لراجل تاني يا هانم... عارفة معنى الكلام ده بالنسبة لي؟ نظر في عينيها مباشرة. ـ معناه إني بقيت راجل بحب واحدة مرتبطة بغيره، كان قريب منك وبيقعد معاكي ترك ذراعيها، وعاد إلى مقعده خلف المقود. ـ أنا مش ببرر لنفسي... أنا بقولك أنا وصلت لإيه بسببك... وبسبب غبائي. أدار السيارة من جديد. بعد قليل، كانت ليلى تجلس أمام جهاز الحركة داخل غرفة العلاج. وقف بلال، طبيب المخ والأعصاب، أمامها بهدوء. كان يعرف أن التعامل معها يحتاج إلى صبر أكثر من القوة. اقترب من ساقها، وقال بنبرة مشجعة: ـ طيب يا مدام ليلى... هنبدأ بهدوء. مش عايزين منك مجهود كبير. أنا هطلب منك تحاولي تحركي رجلك، حتى لو حركة بسيطة جدًا. نظرت إليه دون رد. وضع يده بطريقة مهنية على ساقها، ثم طلب منها: ـ بصيلي... مش للساق. ركزي معايا. انتظر لحظات. ـ حاولي تحركي صوابع رجلك. لم يحدث شيء.. كرر بهدوء: ـ مرة تانية... خدي نفس، ومتستعجليش. حاولت.. مرة...ثم مرة ثانية. وعمران يراقب من بعيد، صامتًا، وعيناه لا تفارقانها. قال بلال: ـ كويس... حتى لو مفيش حركة ظاهرة، أنا عايزك تحاولي. المخ والجسم محتاجين وقت علشان يرجعوا يتعاونوا مع بعض. اومأت مبتسمة، وحاولت، رفع بلال ساقيها بهدوء هنا رفع عمران عينيه إليه. ـ هو مفيش حد تاني يعمل لها الجلسات دي؟ نظر بلال إليه، ثم عاد إلى ليلى. ـ يلا يا مدام ليلى، مرة كمان. ثم قال لعمران بهدوء: ـ مفيش علامة واضحة عندي على إصابة عصبية تفسر فقدان الحركة بالشكل ده، وده شيء مطمئن. لكن ده مش معناه إن الموضوع وهم أو إنها بتعمل نفسها. سكت لحظة. ـ الصدمة النفسية أحيانًا ممكن تأثر على الحركة فعلًا، والجسم يدخل في حالة تعطّل وظيفي. علشان كده العلاج محتاج صبر، وتدريب، وأمان نفسي. ظل عمران صامتًا. أمسك بلال ساق ليلى بحذر مرة اخرى، وطلب منها أن تحاول. ـ ركزي... حاولي تدفعي رجلك ناحية إيدي. حاولت. ظهر ارتعاش بسيط. ابتسم بلال ـ أهو... شوفتي؟ رفعت عينيها إليه.. وهزت رأسها بسعادة ـ ده مهم جدًا. مش لازم نستنى حركة كاملة من أول جلسة. أي استجابةeven لو بسيطة مكسب. بدأ يحاورها في بعض الأمور، تأفف عمران ورفع حاجبه. ـ بس أنا عايز دكتورة بعد كده. أكيد مستشفى كبيرة زي دي مفيهاش غيرك. رفع بلال عينيه إليه ببطء. ـ حضرتك عايز دكتورة؟ ـ أيوه.. ايه مفيش ـ دور بنفسك على دكتورة بالمواصفات اللي في دماغك. عاد إلى مقعده، ثم قال للممرضة: ـ حاولي معاها مرة كمان، وخليها هي اللي تبذل المجهود... ما تعمليش الحركة بدلها. ثم نظر إلى عمران: ـ وبالمناسبة، الثقة مهمة جدًا في العلاج. لو حضرتك مش واثق في الطبيب، ده هيأثر على المريضة قبل ما يأثر عليا. ابتسم بسخرية خفيفة. ـ ولا أقولك... عالجها إنت مادام مفيش ثقة بينك وبين الطبيب. ثم أشار للممرضة: ـ هاتي عصير بارد للأستاذ... شكل المدام مأثرة على أعصابه. فتح عمران فمه ليرد، لكن صوت ليلى جاء خافتًا: ـ عمران... التفت إليها فورًا. ـ نعم؟ رفعت يدها نحوه، تحاول أن تتحرك. ـ تعالى... ساعدني. عايزة أقف. تجمد عمران للحظة. أما بلال فصفق مرة واحدة بحماس واقترب منها. ـ برافو يا مدام ليلى! ثم نظر إلى عمران وأشار إليه. ـ اتفضل... ساعدها. اقترب عمران منها، ومد يده. وضعت ليلى كفها في يده. كانت ساقاها ترتجفان، وجسدها لا يزال يرفض الاستجابة كما تريد. لكنها حاولت.. مرة...ثم مرة أخرى. وبلال يكرر بهدوء: ـ براحة... متخافيش من الفشل. إحنا مش مستعجلين. شد عمران على يدها دون أن يتكلم. فتوقفت أخيرًا بين ذراعيه، ابتسم عمران ولف ذراعيه حول جسدها _وقفتي!! هزت راسها باابتسامة، ثم اتجهت بنظرها الى بلال _مش عارفة اشكر حضرتك ازاي _لا... الاولى تشكري جوزك، عنده مناعة تخليكي تجري مش توقفي رفع عمران حاجبه ينظر اليه بسخرية _لا حضرتك اللي شاطر زيادة عن اللزوم _طبعا، انا مش منتظر حضرتك تقيمني، بدليل وجودك في عيادتي انحنى عمران وحمل ليلى _ياله نمشي، قبل ماارتكب جناية، وانا لسة عريس جديد ضحك بلال واراد استفزازه _لسة عريس وقعدتها على كرسي، امال لما تعدي كام سنة تحرك عمران وفهم أنه يداعبه بالحديث حتى يسعد ليلى، تحرك بها يضمها _ايه رأيك نتغدى برة النهاردة _لا... عايزة اروح عند فريد وحشني وضعها بالسيارة دون جدال بمنزل محمد والد هشام _المحامي اخد الفلوس كلها يامحمد، يامصيبتي مش كان بيقول ميت الف بس، ازاي ياخد المبلغ دا _الشرطة لقيت بانجو مع ابنك، وهو قالي هيشوف حد يشيل القض\ية ويقول هو اللي حطها من غير ماياخد باله ضربت على صدرها _يامصيبتي... يامصيبتي دخلت ابنتها بحقيبة ملابسها تبكي رفعت عيناها اليها _نور... ايه اللي حصل _مجدي طلقني ياماما... ومضاني على كل القايمة _الحقوني ياناس، ياهو، هموت خرج محمود والد ليلى _محمد... يامحمد فيه ايه _تعالى، يامحمود دلف ينظر الى التي تبكي بنحيب _مالك يابت يانور _اطلقت ياعمي... قاطعهم رنين الهاتف رفعه محمد واجاب _بابا... كويس انك رديت، اديني ماما بسرعة تلقت الهاتف _خلاص ياهشام بكرة المحامي قال هيطلعك _مش هطلع يما، الراجل اللي مصاحباه ليلى جه هنا وهددني، لو مالفتيش على بيوت البلد هفضل طول عمري محبوس _لا لا... بيضحك عليك، المحامي قال لابوك واحد هيعترف ويقول انه هو اللي حط المخدرات _المحامي سافر برة يما، بيضحك عليكوا، انا طلبت من الظابط اقابله علشان احكي له، طلبه المكتب بتاعه قال سافر من ساعتين، ضحك عليكوا يما اطلقت منال صرخة اهتزت لها الجدران ثم سقطت مغشيا عليها بغرفة ملك توقفت تنهي زينتها، دلفت نيفين _خلصتي ياملوكة هزت راسها وقالت _خايفة ماما تزعل يانيفين ربتت على كتفها وقالت _مالكيش دعوة بماما انت، يلا علشان تلحقي صحباتك قبلتها ملك واتجهت الى الباب الخلفي، وخرجت من الفيلا، وحدت سيارة سوداء باانتظارها، خرج من السيارة يفتح ذراعيه اليها، لتركض اليه وتلقي نفسها بين أحضانه عند ليلى سحبت هاتفه وهو داخل الحمام، وظلت تفتش على رقم نيفين حتى وجدته _هعرفك يابتاع نيفين هعمل فيك ايه ارسلت إليها رسالة _نيفين حبيبتي، انا مستنيكي في بيتي وحشتيني اوي، واسف لو زعلانة مني، ومتنسيش القميص الاحمر بتكوني فيه جنان ارسلت الرسالة واغلقت الهاتف نهائيا، ثم وضعته على الكمودينو، وجلست تتصنع انشغالها بهاتفها، خرج من الحمام، وجسده يقطر بالمياه، رفعت عيناها اليه، ظلت تراقب وقوفه أمام المرآة، نظر اليها _عايزة حاجة اومأت له ونزلت ببصرها بخجل _اه... كنت قولت لك مش عايزاك تنام معايا، غيرت رأيي، مش عايزة أنام لوحدي نزع المنشفة من حول عنقه وألقاها _وانا كنت هسمع كلامك اصلًا، انت مالكيش رأي عندي _ياسلام، ليه إن شاء الله مش مراتك اقترب منها وعلى وجهه ابتسامة خبيثة، ثم انحنى فتراجعت برأسها للخلف _ششش... ابعد، ناقص ضحك ثم سحبها من عنقها _بموت فيكي _وبعد ماتموت اخد حقي، من مين، يااستاذ يابتاع نفين تجمد جسده للحظات، ثم غمز اليها _طيب مافيكي ابقى بتاع ليلى تيجي نجرب توسعت عيناها تدفعه بعيدًا _ابعد كدا وانت عامل زي الحيطة، جتك نيلة في عضلاتك دي تذكرت ملامسة نيفين اليه، ظلت تتابعه بعيونا لمعت بالدموع _عمران انت بتحبني بجد، ولا بتمثل علي نظر إليها وقال _بلاش تسألي أسئلة تخليني اشيلك ارميكي من الشباك _عندي حل احسن تأفف ولم يكترث لحديثها، فاستندت عليه وقالت _عايزة اشوف انت جايب لي هدوم ايه، مش انت جوزي وبتحبني قطب جبينه مستفهما، اشارت الى غرفة الملابس _عايزة أشوف حاجتي مش من حقي انحنى ليحملها، ولكنها رفضت، واستندت تنقل ساقيها بصعوبة، حتى وصلت الى خزانة الملابس... تفحصتها جيدًا، إلى أن وقع عيناها على قميصًا أحمر شفاف، رفعت نظرها له، ثم قالت _ممكن تطلع برة، عايزة اغير هدومي _ممكن توقعي _متخافش علي، مابيوقعش الا الشاطر، وانا شاطرة اوي بدليل وقعتك في حبي. قبل رأسها وسحب الكرسي _ارتاحي عليه، أنا مش هضغط عليكي قالها وخرج، بينما نظرت هي للقميص _والله لاعرفك يابتاع نيفين هعمل فيك ايه...