الخاتمة ليلى وعمران
ومع مرور الوقت، انقضت فقرات الحفل سريعًا، وكأن الساعات قررت أن تركض في ليلة انتظروها طويلًا.
حتى حان وقت الرحيل.
خرج عمران بصحبة ليلى من القاعة، ويدها داخل يده، بينما كانت أصوات التهاني والدعوات تلاحقهما حتى الباب.
توقفا أمام السيارة التي ستقلهما إلى المطار، فاقتربت ثريا منهما.
وقفت أمام ابنها، تنظر إليه طويلًا، والسعادة تلمع في عينيها، قبل أن تقول بصوت مرتجف من فرط فرحتها:
_لو قلتلك إن النهاردة أحسن يوم في حياتي، هتصدقني؟ أنا سعيدة أوي بفرحك يا ابني… سعيدة إني شايفاك واقف قدامي بالشكل ده.
ابتسم عمران، وانحنى يقبل رأسها:
_حبيبتي يا ماما… ربنا يخليكي ليا، ودعواتك بس.
وضعت كفها على كتفه:
_ربنا يكمل فرحتك يا حبيبي، ويهنيك معاها، ويجعل أيامكم كلها سعادة وراحة
شد عمران على يد ليلى، ثم نظر إليها للحظة، وكأن دعاء والدته لم يكن لها وحدها، بل لهما معًا.
وقال من قلبه:
_اللهم آمين… يا رب العالمين.
خفضت ليلى عينيها في خجل، ابتسامتها تفضح سعادتها.
اقتربت ثريا منها واحتضنتها بحنان، وهمست:
_خدي بالك منه، واوعي قلبك يكون لسة شايل
لا حضرتك أنا نسيت كل حاجة
رفعت عيناها الى عمران، وقالت
_المهم انا فين دلوقتي
ضم عمران كفها إلى كفه أكثر، ثم فتح لها باب السيارة بنفسه.
وقبل أن تصعد، توقف للحظة، نظر إليها نظرة طويلة، وقال بصوت لا يسمعه سواها:
_جاهزة يا ليلتي
رفعت عينيها إليه، وابتسمت رغم ارتجاف قلبها:
_جاهزة… قالتها وصعدت السيارة
أغلق الباب خلفها، ثم دار إلى الجهة الأخرى، وقبل أن يستقل السيارة، ألقى نظرة أخيرة على والدته ومن يقفون مودعين.
لوّح لهم بابتسامة، ثم جلس إلى جوار ليلى، وأمسك يدها فورًا.
تحركت السيارة نحو المطار…
وكانت ليلى تنظر من النافذة، وقلبها ممتلئ بشعور لم تعرف كيف تصفه.
لم تكن تعرف ماذا ينتظرها في الأيام القادمة…
لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط.
أنها الآن إلى جوار الرجل الذي اختاره قلبها.
وأن أجمل فصل في حكايتهما…
قد بدأ للتو.
بعد ساعات من الطريق، وصلا أخيرًا تركيا و الفندق الذي اختارته ليلى ليكون محطتهما في تركيا.
ترجّل عمران من السيارة، ثم دار حولها وفتح لها الباب، ومد يده إليها في هدوء.
تعلّقت عينا ليلى بكفّه الممدودة للحظات…
لم تكن تعرف لماذا ارتجف جسدها فجأة، وكأنها تراه للمرة الأولى، وكأن لمسة يده التي اعتادتها طوال الأشهر الماضية أصبحت الآن شيئًا جديدًا يخيفها.
وضعت كفها في كفه.
شعر عمران ببرودة أصابعها، فانقبض قلبه.
ضم يدها بين يديه، ورفعها إلى شفتيه، قبّلها بحنان، ثم رفع عينيه إليها.
كانت تحاول الهرب بنظراتها بعيدًا عنه، لكنه أدار ذقنها برفق حتى استقرت عيناها المرتجفتان بعينيه.
_مالكِ حبيبتي؟ إيدك باردة كده ليه؟
ابتلعت ريقها بصعوبة، وكأن الكلمات علقت في حلقها.
_ليلى…بقلم سيلا وليد
خرج اسمها من بين شفتيه هامسًا، فاقترب منها أكثر، ورفع ذقنها بحنان.
_مالك؟ إيه اللي حصل؟
لمعت عيناها بطبقة من الدموع، قبل أن تهز رأسها فجأة وتقول بصوت مختنق:
_مش عايزة… عايزة أرجع مصر، تعالى نرجع.
ساد الصمت لثوانٍ.
لم يسألها لماذا، ولم يضغط عليها، فقط نظر إليها طويلًا، وكأنه يحاول أن يفهم خوفًا عجزت هي نفسها عن تفسيره.
ثم نظر إلى ساعته وقال بهدوء:
_تحت أمرك يا حبيبتي… بس دلوقتي للأسف مفيش طيران. تعالي نبات للصبح، وأنا هتصل بالمطار وأشوف أول طيارة نازلة مصر، ونرجع على طول.
رفعت عينيها إليه بدهشة.
_بجد يا عمران؟
ابتسم، واحتضن وجهها بين كفيه، ثم قرّب جبهته من جبهتها.
_بجد يا نبض قلب عمران.
أغمضت عينيها للحظة.
كانت تشعر بالغضب من نفسها… كيف قابلته بهذا الخوف، وهو الرجل الذي لم يفعل طوال الوقت إلا أن يحاول إسعادها، ويطمئن قلبها، ويحترم كل خطوة تخطوها نحوه؟
فتحت عينيها، واغرورقتا بالدموع.
_والله أنا بحبك أوي.
ابتسم عمران، وكأن تلك الجملة وحدها كانت كافية لتمحو كل شيء.
سحبها من خصرها إليه وقال:
_عارف يا حبيبتي… يلا علشان نطلع، مش واخدة بالك إننا لسه واقفين في الشارع؟
نظرت حولها، فضحكت بخجل وسط دموعها، وتحركت معه.
وبعد دقائق، كانا داخل جناحهما.
اتسعت عينا ليلى وهي تتجه نحو الشرفة.
كان الجناح يطل على البحر مباشرة، والمشهد أمامها ساحرًا… مياه تمتد تحت ضوء الليل، ونسيم بارد يتسلل من الشرفة، ومنظر يكفي وحده ليطيب القلب ويفرح الروح.
اقتربت من الزجاج، تحمل طرف فستانها بيدها، وهمست بانبهار:
_المنظر هنا حلو أوي…
اقترب عمران منها من الخلف، وأحاط جسدها بذراعيه في هدوء.
_ده البوسفور… من أشهر الأماكن في تركيا.
التفتت إليه بحماس طفولي، وكأن خوفها منذ دقائق أصبح ذكرى بعيدة.
_كان نفسي أجي تركيا أوي… أنا أصلًا مدمنة مسلسلات تركي!
ابتسم عمران وهو يستمع إليها.
رفعت أصابعها، وبدأت تعد أسماء الممثلين بحماس:
_بحب مراد يلدريم أوي… شوفته في مسلسل رامو؟ خطير يا عمران!
استند عمران إلى الجدار، وعقد ذراعيه أمام صدره، يراقبها بابتسامة مستمتعة.
_وبحب كمان أراس في مسلسل الحفرة…
رفعت إصبعًا آخر:
_وأووه… وبحب كمان إنجين في أرطغرل! ده بقى ولا أجمد ممثل! بجد نفسي أشوفهم أوي… وبحب…
اقترب منها عمران في لحظة، ووضع إصبعه برفق على شفتيها.
توقفت عن الكلام، واتسعت عيناها.
اقترب منها أكثر حتى لمس ثغرها وقال بمشاكسة:
_عمران بس يا ليلتي… سبتك للحماس، بس حرف الباء والحاء دول لغير عمران، هقطع لسانك العسل ده يا روحي.
عبست، وقاطبت جبينها.
_يعني بح… إزاي؟
انفجرت ضحكته، وسحبها إلى أحضانه.
_بطلي لؤم يا لولة.
مرر أنامله بحنان على وجنتيها، لكنها ابتعدت سريعًا وهي تحمل فستانها.
_عايزة أغير الفستان.
أومأ بتفهم، وأشار إلى غرفة النوم.
_ادخلي غيري براحتك يا حبيبتي، وأنا هغير هنا.
دلفت ليلى إلى الغرفة…
لكنها توقفت فجأة.. وشهقت بصوت خافت.
كانت الغرفة مختلفة تمامًا عن بقية الجناح.
غرفة نوم واسعة، أُعدّت بعناية لليلتهما؛ شموع موزعة في أركانها، ورائحة عطرة تملأ المكان، وزهور ملونة متناثرة حول الفراش، وفي منتصفه قلب كبير صُنع من الورد، كُتب بداخله:
«نبض وقلب عمران».
اقتربت ببطء، وكأن قدميها لا تحملانها.
مدت يدها، والتقطت وردة من فوق الفراش، قربتها من أنفها واستنشقت عطرها، ثم مررت أطراف أصابعها فوق نعومة الغطاء.
جلست على طرف الفراش.
كانت عيناها تدوران في المكان، بينما قلبها يخفق بعنف.
همست لنفسها:
_إيه يا ليلى؟ مش ده الراجل اللي بتعشقيه؟ مالك قلبتي متخلفة كده ليه؟
مسحت دمعة هاربة من عينها.
_أكيد مش هيأذيكي… اهدَي. نسيتي إنك قعدتي معاه أربع شهور؟ نسيتي قد إيه استناكي؟ وقد إيه كان بيتحمل خوفك وترددك؟
وضعت كفها فوق قلبها.
_هو عمران… عمران اللي بتحبيه.
في تلك اللحظة، جاء طرق خفيف على الباب.
_ليلى… خلصتي؟
لم تجب.
حاولت أن تتماسك، ثم مدت يدها إلى سحاب فستانها، تحاول فتحه، لكنه استعصى عليها.
حاولت مرة أخرى…وفشلت.
ارتعشت شفتاها، وفجأة انهمرت دموعها.
جلست على طرف الفراش، تبكي بصمت، عاجزة حتى عن تفسير سبب بكائها.
جاء طرق آخر.
_ليلى؟
لم تجب.. مرّت ثوانٍ.
ثم جاء صوته أكثر قلقًا:
_ليلى، بقالك ساعة… أنا هدخل.
فتح الباب بهدوء.
وما إن وقعت عيناه عليها حتى تجمد للحظة.
كانت جالسة فوق الفراش، منكسة الرأس، ودموعها تنساب بصمت.
اقترب منها سريعًا وجلس إلى جوارها.
_ليلى… إيه اللي حصل؟
رفعت رأسها إليه، وقالت وسط بكائها كطفلة عجزت عن حل أبسط مشكلة:
_مش عارفة أخلع الفستان…
تنفس عمران براحة، ثم سحبها إليه بحنان.
_كده تخضيني! أقولك إيه بس؟
نظر إلى الفستان، ثم عاد بعينيه إليها.
كانت تحدق في الأرض، تفرك أصابعها بتوتر.
توقف للحظة، ثم أمسك يدها وأوقف ارتجاف أصابعها، وضمها إليه.
_اهدي… مفيش حاجة تستاهل كل الخوف ده.
ثم ساعدها بهدوء، وأخذت أصابعه تفك الأربطة الموجودة في ظهر الفستان واحدة تلو الأخرى، دون استعجال، حتى وصل إلى آخر رباط.
همس لها وهو يمسك طرف الفستان من الأعلى:
_فكّيته… لو سبته هيقع على الأرض.
تشبثت ليلى بالفستان، وابتعدت قليلًا، وقد احمر وجهها من الخجل.
_هروح الحمام.
نظر إليها لحظة، ثم ابتسم وكأنه فهم كل ما لم تستطع قوله.
_استني
نهض واتجه نحو الباب، ثم التفت إليها:
_هخرج بره… خدي وقتك براحتك، ومتستعجليش.
ثم أضاف بصوت هادئ دافئ:
_بس متتأخريش علشان نصلي.
رفعت عينيها إليه.
ابتسم لها وقال:
_عايزين نبدأ حياتنا الجديدة بحاجة حلوة… نصلي سوا، ونطلب من ربنا يبارك لنا في اللي جاي.
لم تستطع ليلى منع ابتسامتها رغم دموعها.
هزت رأسها في هدوء.
_حاضر.
خرج عمران وأغلق الباب خلفه.
ظلت ليلى تنظر إلى الباب للحظات…
ثم وضعت يدها فوق قلبها، وهمست:
_يا رب… أنا خايفة، بس أنا واثقة فيه.
وأغمضت عينيها، تحاول أن تهدأ