الخاتمة ليلى وعمران
بعد فترة، انتهيا من صلاتهما.
ظلت ليلى جالسة في مكانها، مطرقة الرأس، تعبث بأصابعها في توتر، بينما كان عمران يراقبها بصمت.
مد يده إليها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة
_يلا يا حبيبتي… أنا هلكان وعايز أنام.
هزت رأسها سريعًا، وعيناها ما زالتا معلقتين بالأرض.
_بس أنا مش هلكانة… ولا عايزة أنام.
انحنى أمامها، مستندًا إلى ركبتيه، حتى أصبح في مستوى عينيها.
_ليلى… مش هيجيلي نوم وإنتِ مش في حضني. من ساعة ما نزلتي البلد وقعدتي هناك وأنا منمتش.
رفعت رأسها ببطء، والتقت عيناها بعينيه.
_شهر… منمتش؟
ابتسم ابتسامة مرهقة، وقال بمزاح خافت:
_آه… شهر كامل. بس محدش يقولي، علشان صورتي كرجل أعمال محترم هتضيع.
ضحكت رغم توترها.
مد يديه إليها، وسحبها برفق حتى وقفت، ثم أحاط خصرها بذراعه، واتجه بها نحو الفراش.
_آه… نوم وأكل وكله، بعد ما كنت عايش في الجنة.
ابتسمت بخجل، وما إن وصلا إلى الفراش حتى توقفت، تنظر إليه في تردد.
لاحظ عمران نظرتها.. فقال بهدوء:
_ليلى… إنتِ أول مرة تنامي في حضني؟
هزت رأسها نفيًا.
ابتسم، وأشار إلى الفراش.
_خلاص… هنام زي ما كنا بننام.
ثم اقترب منها خطوة، لكن هذه المرة لم يمد يده إليها.
ترك لها المسافة التي تحتاجها، وقال بصوت خافت يحمل كل ما في قلبه:
_متخافيش مني يا حبيبتي… عمري ما هأذيكي، ولا هقرب منك طول ما إنتِ مش عايزة.
رفعت عينيها إليه، وقالت بصراحة موجعة:
_مش موضوع مش عايزة يا عمران… معرفش مالي.
احتضن وجهها بين كفيه، ونظر إليها طويلًا.. لم يسألها أكثر.
لم يحاصرها بالأسئلة.
فقط قبّل شفتيها قبلة رقيقة، كأنه يطمئن قلبها لا يطلب منه شيئًا.
أغمضت ليلى عينيها، وشعرت بالتوتر ينسحب منها قليلًا، وكأن قلبها بدأ أخيرًا يصدق أن الرجل الذي أمامها ليس مصدر خوفها… بل ملجؤها.
ابتعد عمران عنها بهدوء وهمس:
_خلاص… مفيش حاجة مستعجلة.
ثم أشار إلى ملابسها.
_اخلعي الإسـدال يا حبيبتي، هتنامي بيه.
أومأت بخجل، ونزعته بهدوء، ثم وقفت للحظات لا تعرف أين تنظر.
أما عمران، فكان كل ما يراه أمامه امرأة أحبها طويلًا، وانتظرها أكثر مما ينبغي لقلب أن يحتمل… بتلك المنامة البيضاء الناعمة الشفافة، التي اظهرت جسدها امامه بوضوح، ولكن لم تكن ملابسها هي ما أسر عينيه…بل ارتباكها.خجلها.
وثقتها التي بدأت تمنحه إياها خطوة بعد أخرى.
استلقى على الفراش، ثم فتح ذراعيه لها.
_تعالي… نامي زي ما إنتِ متعودة.
ظلت للحظات مكانها، ثم اقتربت ببطء، وتمددت بجواره، وأعطته ظهرها.
أغمضت عينيها.
وبعد لحظات، شعرت بذراعه تحيط بها من الخلف، يسحبها إليه برفق حتى استقرت بين ذراعيه.
دفن وجهه بين خصلات شعرها، وأغمض عينيه.
كان قربها وحده كافيًا ليشعر للمرة الأولى منذ شهر أن صدره يستطيع التنفس.
أما هي، فارتفعت أنفاسها في البداية، مرتبكة من قربه، ومن ذلك الشعور الجديد الذي لم تعرف له اسمًا.
لكن عمران لم يفعل شيئًا سوى أن احتواها.
ظل يهمس بجوار أذنها بكلمات صغيرة، حانية، كلمات غزل ممزوجة بالعشق مع لمساته الناعمة، الذي كان يتحرك بها بهدوء، يخشى أن يخيفها منه، تسللت كلماته إلى قلبها ببطء.
كل كلمة كانت تمحو جزءًا من خوفها.
وكل لمسة حانية كانت تقول لها دون كلام:
أنتِ آمنة.
ومع مرور الدقائق، بدأ جسدها يسترخي بين ذراعيه.
لم تعد تسمع سوى صوته، ونبض قلبه القريب، وأنفاسهما التي بدأت تتناغم دون أن يشعر أي منهما.
حتى استدارت إليه من تلقاء نفسها.
فتح عمران عينيه.. وجدها تنظر إليه.
لم تكن تلك النظرة المرتجفة التي رأها منذ وصولهما… كانت نظرة مختلفة.
هادئة.. ممتلئة بالحب.
وممتزجة بخجل امرأة تقف أمام الرجل الذي اختاره قلبها أخيرًا دون خوف.. نظرة تقول له أنا لك أنا ملكك وحدك
لمعت عينا عمران.
وكأن شيئًا في داخله انكسر من شدة الفرح.
رفع يده، مررها برفق على وجنتها، ثم قال بصوت خافت:
_عارفة أنا مستنية اللحظة دي قد إيه؟
ارتعشت شفتاها بابتسامة صغيرة خجلة، وهي ترى نفسها في عينيه اجمل سيدة في الكون
اقترب بجبهته من جبهتها.
_ أنا استنيتك أكتر مما تتخيلي.
ظلّا للحظات هكذا…لا كلمات.. نعم
فكل ما عجزا عن قوله طوال الشهور الماضية، كانت عيونهما تقوله الآن.
تلاقى جبهتاهما، وتشابكت أيديهما، وكأن كل واحد منهما وجد أخيرًا المكان الذي ينتمي إليه.
لم تكن ليلتهما مجرد ليلة زفاف…
كانت نهاية خوف طويل.. ونهاية انتظار.
ونهاية طرقات كثيرة ظلا يسيران فيها حتى وصلا إلى بعضهما.
كانت ليلة انتصر فيها الحب على كل ما حاول أن يفرّق بينهما.
ليلة لم يكن أجمل ما فيها القرب…
بل ذلك الشعور الذي سبق القرب؛
أن تستند إلى قلب إنسان وأنت مطمئن أنك لن تُخذل.
أن تنظر إلى عينيه، فتجد نفسك فيهما.
أن تشعر أن كل السنوات التي أوجعتك كانت تقودك في النهاية إلى هذه اللحظة.
احتواها عمران، واحتضنته ليلى، واختفى العالم من حولهما.
ولم يبقَ في تلك الغرفة سوى قلبين…
قلب ظل طويلًا يبحث عن وطن،
وقلب كان ينتظر أن يصبح ذلك الوطن.
وفي تلك الليلة، لم يتقابل الجسدان فحسب، بل تقابلت الارواح، دقائق ربما ساعات لم يشعران بالوقت وهما يعيشان اجمل شعورا كان ينتظرنها، اخيرًا بعد فترة ليست بقليلة، هدأت الانفاس، وهدأ الجسد قليلا، لكن مازال القلب يعلن الحرب بالنبض
سحب الغطاء فوقهما، بعد قبلة طويلة ممزوجة بكل شعور الامتنان، ثم همس لها بانفاسه المتقطعة من الحالة التي مازالت طاغية به
_مبروك يانبض قلب عمران
دفنت رأسها بعنقه خجلا، لم تقو على النظر لعيناه التي تغرق بها عشقًا، مسد على شعرها بحنان
_ليلى انت كويسة.
هزت رأسها دون ان تنطق، ابتسم على خجلها، ثم قال
_شكرا حبيبتي لانك عيشتيني اجمل ليلة بحياتي كلها
رفعت كفيها على وجهه، ومازالت تختبأ بأحضانه، قبل يدها ثم غرق بنوما كأنه لم ينم من قبل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مضت الأشهر، وكان الحب بينهما يزداد يومًا بعد يوم، حتى بدا وكأن القدر، للمرة الأولى، قرر أن يبتلع كل ما آذاهما، ويمنحهما في المقابل شيئًا يستحق كل ذلك العناء.
صباح دافئ…
جلس عمران على طرف الفراش، يتأمل تلك العيون التي لم تفتح بعد، وكأن صباحه لا يبدأ إلا حين تشرق هي أمامه.
انحنى وطبع قبلة حانية بجوار شفتيها، ثم همس:
_ حبيبتي… اصحي، الساعة حداشر.
تململت ليلى تحت الغطاء، وأدارت وجهها للناحية الأخرى وهي تتمتم بنعاس:
_ بعد شوية يا حبيبي… عايزة أنام كمان شوية.
ابتسم، ومد أنامله يمررها برفق على وجنتها.
_ باباكي ومامتك تحت.
فتحت عينيها ببطء، وكأنها تقاوم النوم بكل ما أوتيت من قوة، ثم ابتسمت له:
_ صباح الخير.
_ صباح الورد يا ست الكل.
اعتدلت تجمع خصلات شعرها خلف أذنها، ثم راحت تنظر إليه بتدقيق قبل أن تسأله:
_ رايح الشغل ولا إيه؟
_ آه، عندي اجتماع ساعتين وراجع… ألاقيكي مجهزة نفسك.
قطبت حاجبيها باستغراب:
_ ليه؟ رايحين فين؟
ابتسم، وقبل رأسها قبل أن ينهض:
_ لما أجي هقولك.
وقبل أن يخطو خطوة، هبت من فوق الفراش:
_ استنى!
التفت إليها ضاحكًا:
_ مالك؟ مستعجل كده ليه؟
اقتربت منه وهي تعقد حاجبيها:
_ هتمشي من غير فطار؟
_ شربت قهوة يا حبيبتي، وهتأخر… وأنا مش جعان.
توقفت أمامه، ثم أمسكت برابطة عنقه وجذبته نحوها حتى اقترب وجهه من وجهها، ورفعت ذراعها تحيط عنقه بها.
_ تؤ… مش هتمشي غير لما تفطر.
ضحك على شقاوتها:
_ ليلى، سبيني أروح شغلي… لو قعدت هترجعي تندمي.
رفعت حاجبها بتحدٍّ:
_ أندم؟
صمت ينظر إليها، ثم هز رأسه بيأس مصطنع.
_ وبعد هالك… باباكي ومامتك تحت.
_ ميهمنيش.
_ ليلى!
_ ما هو مش هتخرج غير بمزاجي. إمبارح قولت عندك شغل النهاردة… لأ، قولت هنروح لمامتك. والصبح فجأة عرفت إن عندك شغل!
اقترب منها أكثر، وعيناه تضيقان بمكر:
_ أفهم من كلامك ده إيه يا ليلى؟
هزت كتفيها ببراءة مصطنعة:
_ معرفش… بس مش هتنزل وخلاص.
لم يمنحها فرصة للمزيد.
فجأة انحنى، وحملها بين ذراعيه، فصرخت وهي تنفجر في الضحك:
_ عمران! نزلني!
_ مش إنتِ اللي قولتي مش هنزل؟
_ كنت بهزر!
_ وأنا كمان… بهزر.
بعد قليل، وقف أمام المرآة يعدل رابطة عنقه، وهو يتحدث مع علي عبر الهاتف:
_ نص ساعة وأكون عندك. راحت عليَّ نومة. جهز العقود يا علي، وخلي بالك من البنود وافحصها كويس… أنا متأكد إن عمي بيرتب لي مصيبة.
جاءه صوت علي ساخرًا:
_ يا ابني مجهز كل حاجة، اخلص وتعالى. وبعدين والله ليلى دي هتبيعك اللي وراك واللي قدامك.
شهقت ليلى بخجل، فقد كانت تقف خلفه تستمع للمكالمة.
التقط عمران نظرتها من خلال المرآة، فابتسم:
_ اقفل يالا.
ثم أغلق الهاتف والتفت إليها:
_ اتأكدتي إني رايح الشغل يا شكاكة؟
رفعت ذقنها:
_ آه.
_ اصبري بس… لو مش مستعجل كنت عرفتك إزاي تلعبي معايا.
_ وأنا جيت جنبك؟ أنت اللي ملزق! كنت عايزاك تفطر بس.
ابتسم وهو يقترب منها:
_ يا حنينة.
نهضت على ركبتيها فوق الفراش، ثم زحفت نحوه، ورفعت كفيها تضبط رابطة عنقه بعناية، قبل أن تقول بلهجة آمرة:
_ عينك تروح كده ولا كده… هحط صوابع العشرة فيهم.
انفجر عمران ضاحكًا، ثم انحنى وقبل وجنتها بحنان.
_ خلي بالك من نفسك.
ابتسمت وهي تتابعه بعينيها حتى غادر.
بعد فترة، نزلت ليلى إلى الأسفل، فوجدت زوجة عمها منال تجلس مع والدتها وملك.
توقفت للحظات، وما إن التقت عيناها بعيني منال حتى تبدلت ملامحها قليلًا، قبل أن تتقدم وتلقي السلام ببرود:
_ إزيك يا مرات عمي؟
نهضت منال تستقبلها بابتسامة متكلفة:
_ ليلى حبيبتي… وحشتيني.
جلست ليلى، ثم نظرت إلى والدتها:
_ ليه ما قولتيليش يا ماما إنك جاية؟ كان عندي مشوار مع عمران.
أجابتها والدتها:
_ مرات عمك عايزاكي ضروري.
نهضت منال واقتربت منها
_ ليلى حبيبتي… عمران قال هيرجع البيت والأرض، ولسه ما رجعهمش.
رفعت ليلى عينيها إليها بهدوء:
_ لأنهم مش ملكه يا مرات عمي.
وضعت منال يدها على صدرها:
_ جوزك باع الأرض والبيت! ليه كده يا بنتي؟
نهضت ليلى ببطء، ثم وقفت أمامها، وعقدت ذراعيها:
_ لا… ما باعهمش.
تعلقت عينا منال بها:
_ أمال؟
التفتت ليلى إليها، وقالت بوضوح:
_ كتبهم باسمي… وقالي: مهرك، وإنتِ حرة فيه.
اتسعت ابتسامة منال، وكأنها لم تسمع سوى نصف الجملة الذي يناسبها:
_ يعني كده الأرض رجعت لعمك؟ يا مانت كريم يا رب!
تنهدت ليلى، ثم استدارت إليها بكامل جسدها:
_ فهمتيني غلط يا مرات عمي. بقولك كتبهم باسمي… مهري أنا، مش باسم عمي.
تبدلت ملامح منال:
_ وإنتِ مش… هترجعيهم لعمك؟
حدقت بها ليلى طويلًا، ثم اقتربت خطوة:
_ إنتِ عايزة أدي مهري لعمي؟
صمتت لحظة، قبل أن تخرج ضحكة قصيرة بلا فرح:
_ ليه؟ جوزي بيلاقي الفلوس دي في الأرض علشان أرجعها لست عقربة زيك… هي وبنتها؟
هزت منال رأسها سريعًا:
_ لا يا بنتي… أنا مش عايزة حاجة. بس عمك هيموت.
ردت ليلى ببرود:
_ ألف سلامة عليه.
ثم اقتربت أكثر، وغرست عينيها في عينيها:
_ وبالمناسبة… كنت عايزة أشكرك على فكرة.
تجمدت منال:
_ تشكريني؟
ابتسمت ليلى، وفي ابتسامتها انتصار طال انتظاره:
_ آه. لولا فضيحتك ليا، مكنتش اتجوزت عمران.
قالتها ثم التفتت ليلى إلى والدتها:
_ ماما… البيت ده مفتوح للناس كلها، إلا الست دي وابنها.
قالتها، ثم استدارت وصعدت الدرج دون أن تلتفت خلفها.
هوت منال على المقعد، والغضب يأكل ملامحها:
_ طول عمري أقول عليكي سماوية… وقلبك أسود يا بنت وفاء
نهضت وفاء وهي تقول بانزعاج:
_ قومي يا منال، خلينا نمشي. اتأخرنا… وعمرك ما هتتغيري.
استدارت منال إليها:
_ أمشي؟ مش لما جوز بنتك يرجع أرضي ويخرج ابني؟
توقفت وفاء أمامها:
_ منال… أنا كنت معاكي أصيلة للآخر، واللي عملتيه مش شوية. هتمشي،ولا امشي واسيبك؟
في اليوم التالي…
استقلت ليلى السيارة إلى جوار عمران، ولم تكن تعرف إلى أين يأخذها.
وحين توقفت السيارة أمام بوابة ضخمة، رفعت عينيها لتجد نفسها أمام كلية الهندسة.
قطبت جبينها باستغراب:
_ جايبني هنا ليه؟
ترجل عمران، ثم دار حول السيارة وفتح لها الباب، ومد يده إليها:
_ تعالي يا حبيبتي.
نظرت إليه، ثم إلى المكان.
_ عمران…
ابتسم:
_ مش كان حلمك تدخلي كلية الهندسة؟
اتسعت عيناها، وكأنها لم تستوعب كلماته.
_ قول والله!
ضحك:
_ والله.
ألقت بنفسها بين ذراعيه، فضحك وهو يحتضنها بقوة ويرفعها عن الأرض.
_ إنت أحلى حاجة حصلتلي في الدنيا!
ضمها إليه أكثر:
_ وإنتِ تستاهلي كل حاجة حلوة… مش هسمحلك تحلمي بحاجة وأقف أتفرج.
دفنت وجهها في صدره، وابتسامتها تكاد تشق قلبها من شدة الفرح.
مرت أسابيع أخرى، حتى جاء ذلك المساء…
دلف عمران إلى منزله، فاستقبله سكون غريب.
رفع عينيه إلى المكان، ثم صعد إلى غرفته.
وحين فتح الباب، توقف.
تجمدت خطواته.
كانت الغرفة مزينة ببساطة دافئة، والأنوار الخافتة تحيط بالمكان، وفي المنتصف وقفت ليلى بثوب أحمر أنيق، وعلى وجهها ابتسامة
_ ليلى…
اقتربت منه بخطوات هادئة، وعيناها لا تفارقان عينيه، حتى وقفت أمامه ورفعت نفسها تطبع قبلة حانية بجوار شفتيه.
_ حمد لله على السلامة يا حبيبي.
ظل ينظر إليها، ثم جالت عيناه في أرجاء الغرفة.
_ الله يسلمك… بس مفيش مناسبة يعني؟
ضحكت بخجل.
ثم أمسكت بكفيه.
وضعت يديه على بطنها.
تغيرت ملامحه في لحظة.
نظر إلى يديه، ثم رفع عينيه إليها، وكأن عقله رفض أن يصدق ما فهمه قلبه فورًا.
_ ليلى… إنتِ؟
اقتربت منه، وامتلأت عيناها بالدموع وهي تهمس:
_ هتبقى أحسن أب في الدنيا.
لم يحتج إلى كلمة أخرى.
في لحظة واحدة، انحنى نحوها، ورفعها بين ذراعيه، يدور بها في الغرفة، وضحكته تملأ المكان بسعادة لم يعرفها من قبل.
كانت تضحك وتبكي في الوقت نفسه، بينما ضمها إليه وكأن العالم كله اختُصر في هذه اللحظة.
_ أنا هبقى أب؟
هزت رأسها وهي تبكي:
_ أيوه…
توقف عن الدوران، وأسند جبهته إلى جبهتها، وعيناه تلمعان بدموع لم يستطع إخفاءها.
_ إنتِ عارفة عملتي فيا إيه؟
ضحكت وسط دموعها:
_ فرحتك؟
_ لأ…
احتضنها بقوة، وقبل رأسها طويلًا.
_ رجعتيلي قلبي من جديد.
أغمضت عينيها بين ذراعيه، وابتسمت.
وفي تلك اللحظة، احتضنها بنظراته
وكل مايراه هو طفل صغير سيأتي ليجمع قلبين ظلا طويلًا يحاربان العالم، حتى كافأهما القدر أخيرًا بأجمل هدية.