"اللهم استرنا فوق الارض وتحت الارض ويوم العرض عليك" انتهت الرقصة، فضمَّ كفها بين أصابعه وسحبها معه إلى مكانهما، ثم ساعدها على الجلوس برفق، وانحنى قليلًا نحوها، يبتسم لها تلك الابتسامة التي لم تعد تعرف كيف تقاومها، وهمس: _دقيقتين وراجعلك يا حبيبتي. أومأت له بابتسامة خجولة، تتابعه بعينيها وهو يبتعد، حتى وقعت عيناها على بعض رجال الأعمال الذين بدأوا يتوافدون إلى القاعة. ارتجف قلبها بشعور غريب من السعادة والرهبة معًا. ها هي .زوجته. وها هي الليلة التي انتظرتها طويلًا، تقف فيها إلى جواره، بثوبها الأبيض، واسمها صار مقترنًا باسمه. كأن كل ما مرّت به من خوف وانتظار ودموع، كان مجرد طريق أوصلها إلى هذه اللحظة. اقتربت منها ملك، وجلست إلى جوارها وهي تبتسم بسعادة: _مبروك يا لولة. ضحكت ليلى بخجل، ومدت يدها تمسك بكفها: _الله يبارك فيكي... عقبالك يا ملوكة. هزت ملك رأسها وهي تضحك: _لا، لسه بدري... وبعدين أنا لسه مالقيتش اللي يخطف قلبي. ابتسمت ليلى، ثم ألقت نظرة سريعة إلى عمران، الذي كان يقف على بُعد خطوات يتحدث مع بعض أصدقائه، فقالت بعفوية: _ربنا يرزقك براجل زي عمران يارب. انفجرت ملك ضاحكة: _عمران أخويا يا بنتي! لا، مظنش... عمران واحد بس. ضحكت ليلى، لكن عينيها عادتا إليه من جديد. كان يقف هناك بكامل أناقته، واثقًا وهادئًا، وبين لحظة وأخرى يلتفت نحوها وحين التقت عيناه بعينيها، ابتسم لها. فقط ابتسامة واحدة... لكنها كانت كافية لأن تشعر أن قلبها يرفرف داخل صدرها من شدة السعادة. اقترب فريد منها، وانحنى أمامها بابتسامة واسعة: _مبروك يا حبيبتي. رفعت عينيها إليه، واتسعت ابتسامتها: _الله يبارك فيك يا حبيبي... عقبالك يارب. انحنى وطبع قبلة حانية على رأسها، ثم مد يده إليها: _ممكن ليالي ترقص مع أخوها؟ ضحكت ليلى، ووضعت كفها في كفه: _أنا أطول. سحبها معه إلى ساحة الرقص، وبدأت الموسيقى تعزف من جديد، بينما كانت ليلى تضحك من قلبها، وتدور معه كطفلة نسيت كل شيء إلا أنها سعيدة. وفي الجهة الأخرى، كان عمران يتابعها بعينين ممتلئتين بالحب والفخر. تلك الفتاة التي عانت كثيرًا... تضحك الآن. يشعر بالفخر لأنه هو السبب في تلك الابتسامة. بينما في الجانب الاخر، كان هناك قلبًا يراقب احداهن، ولكن عقله يطعنه بقوة، انها لم تكن له، تنهد واتجه بنظراته الى اخته وزوجها اقتربت ملك وتوقفت بجواره _عقبالك يافريد. التفت اليها مبتسمًا _انت الأول. _لا... أنا ايه، مش بفكر خالص، وبعدين لسة قدامي سنين الكلية ومالقتش اللي يملا قلبي _ليه هما عمي، علشان مايعجبوش بالجمال دا رفعت عيناها، لتلتقي بعينه، شعور، تسرب لكل منهما الاخر سحب نظراته وعاد الى عمران وليلى بعدما فضحه قليه التقطت عيني عمران نظراتهما لبعضهما اتجه لليلى التي تتحدث مع والدتها _ليلى التفت اليه، امال برأسه وقال _أنا رجعت فريد الشغل، عايزك تدليلي عليه _مااظنش هيوافق، هو مرتاح في شغله _كلميه بس حبيتي، هو يستاهل يكون في مكان تاني، وبعدين دا مال اخته صمتت تنظر، اليه. . ثم قالت _بس أنا معنديش مال ياعمران دنا منها برأسه _انا ومالي ملكك ياليلى، متقوليش كدا تاني احتضنت ذراعه تدفن رأسها بصدره وقعت عيناه على منال التي تتنقل من مكان لاخر، ثم قال _مرات عمك دي جشعة، وعايزها تختفي من حياتنا رفعت رأسها تنظر اليها ثم قالت _متقلقش هتختفي ومع مرور الوقت، انقضت فقرات الحفل سريعًا، وكأن الساعات قررت أن تركض في ليلة انتظروها طويلًا. حتى حان وقت الرحيل. خرج عمران بصحبة ليلى من القاعة، ويدها داخل يده، بينما كانت أصوات التهاني والدعوات تلاحقهما حتى الباب. توقفا أمام السيارة التي ستقلهما إلى المطار، فاقتربت ثريا منهما. وقفت أمام ابنها، تنظر إليه طويلًا، والسعادة تلمع في عينيها، قبل أن تقول بصوت مرتجف من فرط فرحتها: _لو قلتلك إن النهاردة أحسن يوم في حياتي، هتصدقني؟ أنا سعيدة أوي بفرحك يا ابني... سعيدة إني شايفاك واقف قدامي بالشكل ده. ابتسم عمران، وانحنى يقبل رأسها: _حبيبتي يا ماما... ربنا يخليكي ليا، ودعواتك بس. وضعت كفها على كتفه: _ربنا يكمل فرحتك يا حبيبي، ويهنيك معاها، ويجعل أيامكم كلها سعادة وراحة شد عمران على يد ليلى، ثم نظر إليها للحظة، وكأن دعاء والدته لم يكن لها وحدها، بل لهما معًا. وقال من قلبه: _اللهم آمين... يا رب العالمين. خفضت ليلى عينيها في خجل، ابتسامتها تفضح سعادتها. اقتربت ثريا منها واحتضنتها بحنان، وهمست: _خدي بالك منه، واوعي قلبك يكون لسة شايل لا حضرتك أنا نسيت كل حاجة رفعت عيناها الى عمران، وقالت _المهم انا فين دلوقتي ضم عمران كفها إلى كفه أكثر، ثم فتح لها باب السيارة بنفسه. وقبل أن تصعد، توقف للحظة، نظر إليها نظرة طويلة، وقال بصوت لا يسمعه سواها: _جاهزة يا ليلتي رفعت عينيها إليه، وابتسمت رغم ارتجاف قلبها: _جاهزة... قالتها وصعدت السيارة أغلق الباب خلفها، ثم دار إلى الجهة الأخرى، وقبل أن يستقل السيارة، ألقى نظرة أخيرة على والدته ومن يقفون مودعين. لوّح لهم بابتسامة، ثم جلس إلى جوار ليلى، وأمسك يدها فورًا. تحركت السيارة نحو المطار... وكانت ليلى تنظر من النافذة، وقلبها ممتلئ بشعور لم تعرف كيف تصفه. لم تكن تعرف ماذا ينتظرها في الأيام القادمة... لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط. أنها الآن إلى جوار الرجل الذي اختاره قلبها. وأن أجمل فصل في حكايتهما... قد بدأ للتو. بعد ساعات من الطريق، وصلا أخيرًا تركيا و الفندق الذي اختارته ليلى ليكون محطتهما في تركيا. ترجّل عمران من السيارة، ثم دار حولها وفتح لها الباب، ومد يده إليها في هدوء. تعلّقت عينا ليلى بكفّه الممدودة للحظات... لم تكن تعرف لماذا ارتجف جسدها فجأة، وكأنها تراه للمرة الأولى، وكأن لمسة يده التي اعتادتها طوال الأشهر الماضية أصبحت الآن شيئًا جديدًا يخيفها. وضعت كفها في كفه. شعر عمران ببرودة أصابعها، فانقبض قلبه. ضم يدها بين يديه، ورفعها إلى شفتيه، قبّلها بحنان، ثم رفع عينيه إليها. كانت تحاول الهرب بنظراتها بعيدًا عنه، لكنه أدار ذقنها برفق حتى استقرت عيناها المرتجفتان بعينيه. _مالكِ حبيبتي؟ إيدك باردة كده ليه؟ ابتلعت ريقها بصعوبة، وكأن الكلمات علقت في حلقها. _ليلى...بقلم سيلا وليد خرج اسمها من بين شفتيه هامسًا، فاقترب منها أكثر، ورفع ذقنها بحنان. _مالك؟ إيه اللي حصل؟ لمعت عيناها بطبقة من الدموع، قبل أن تهز رأسها فجأة وتقول بصوت مختنق: _مش عايزة... عايزة أرجع مصر، تعالى نرجع. ساد الصمت لثوانٍ. لم يسألها لماذا، ولم يضغط عليها، فقط نظر إليها طويلًا، وكأنه يحاول أن يفهم خوفًا عجزت هي نفسها عن تفسيره. ثم نظر إلى ساعته وقال بهدوء: _تحت أمرك يا حبيبتي... بس دلوقتي للأسف مفيش طيران. تعالي نبات للصبح، وأنا هتصل بالمطار وأشوف أول طيارة نازلة مصر، ونرجع على طول. رفعت عينيها إليه بدهشة. _بجد يا عمران؟ ابتسم، واحتضن وجهها بين كفيه، ثم قرّب جبهته من جبهتها. _بجد يا نبض قلب عمران. أغمضت عينيها للحظة. كانت تشعر بالغضب من نفسها... كيف قابلته بهذا الخوف، وهو الرجل الذي لم يفعل طوال الوقت إلا أن يحاول إسعادها، ويطمئن قلبها، ويحترم كل خطوة تخطوها نحوه؟ فتحت عينيها، واغرورقتا بالدموع. _والله أنا بحبك أوي. ابتسم عمران، وكأن تلك الجملة وحدها كانت كافية لتمحو كل شيء. سحبها من خصرها إليه وقال: _عارف يا حبيبتي... يلا علشان نطلع، مش واخدة بالك إننا لسه واقفين في الشارع؟ نظرت حولها، فضحكت بخجل وسط دموعها، وتحركت معه. وبعد دقائق، كانا داخل جناحهما. اتسعت عينا ليلى وهي تتجه نحو الشرفة. كان الجناح يطل على البحر مباشرة، والمشهد أمامها ساحرًا... مياه تمتد تحت ضوء الليل، ونسيم بارد يتسلل من الشرفة، ومنظر يكفي وحده ليطيب القلب ويفرح الروح. اقتربت من الزجاج، تحمل طرف فستانها بيدها، وهمست بانبهار: _المنظر هنا حلو أوي... اقترب عمران منها من الخلف، وأحاط جسدها بذراعيه في هدوء. _ده البوسفور... من أشهر الأماكن في تركيا. التفتت إليه بحماس طفولي، وكأن خوفها منذ دقائق أصبح ذكرى بعيدة. _كان نفسي أجي تركيا أوي... أنا أصلًا مدمنة مسلسلات تركي! ابتسم عمران وهو يستمع إليها. رفعت أصابعها، وبدأت تعد أسماء الممثلين بحماس: _بحب مراد يلدريم أوي... شوفته في مسلسل رامو؟ خطير يا عمران! استند عمران إلى الجدار، وعقد ذراعيه أمام صدره، يراقبها بابتسامة مستمتعة. _وبحب كمان أراس في مسلسل الحفرة... رفعت إصبعًا آخر: _وأووه... وبحب كمان إنجين في أرطغرل! ده بقى ولا أجمد ممثل! بجد نفسي أشوفهم أوي... وبحب... اقترب منها عمران في لحظة، ووضع إصبعه برفق على شفتيها. توقفت عن الكلام، واتسعت عيناها. اقترب منها أكثر حتى لمس ثغرها وقال بمشاكسة: _عمران بس يا ليلتي... سبتك للحماس، بس حرف الباء والحاء دول لغير عمران، هقطع لسانك العسل ده يا روحي. عبست، وقاطبت جبينها. _يعني بح... إزاي؟ انفجرت ضحكته، وسحبها إلى أحضانه. _بطلي لؤم يا لولة. مرر أنامله بحنان على وجنتيها، لكنها ابتعدت سريعًا وهي تحمل فستانها. _عايزة أغير الفستان. أومأ بتفهم، وأشار إلى غرفة النوم. _ادخلي غيري براحتك يا حبيبتي، وأنا هغير هنا. دلفت ليلى إلى الغرفة... لكنها توقفت فجأة.. وشهقت بصوت خافت. كانت الغرفة مختلفة تمامًا عن بقية الجناح. غرفة نوم واسعة، أُعدّت بعناية لليلتهما؛ شموع موزعة في أركانها، ورائحة عطرة تملأ المكان، وزهور ملونة متناثرة حول الفراش، وفي منتصفه قلب كبير صُنع من الورد، كُتب بداخله: «نبض وقلب عمران». اقتربت ببطء، وكأن قدميها لا تحملانها. مدت يدها، والتقطت وردة من فوق الفراش، قربتها من أنفها واستنشقت عطرها، ثم مررت أطراف أصابعها فوق نعومة الغطاء. جلست على طرف الفراش. كانت عيناها تدوران في المكان، بينما قلبها يخفق بعنف. همست لنفسها: _إيه يا ليلى؟ مش ده الراجل اللي بتعشقيه؟ مالك قلبتي متخلفة كده ليه؟ مسحت دمعة هاربة من عينها. _أكيد مش هيأذيكي... اهدَي. نسيتي إنك قعدتي معاه أربع شهور؟ نسيتي قد إيه استناكي؟ وقد إيه كان بيتحمل خوفك وترددك؟ وضعت كفها فوق قلبها. _هو عمران... عمران اللي بتحبيه. في تلك اللحظة، جاء طرق خفيف على الباب. _ليلى... خلصتي؟ لم تجب. حاولت أن تتماسك، ثم مدت يدها إلى سحاب فستانها، تحاول فتحه، لكنه استعصى عليها. حاولت مرة أخرى...وفشلت. ارتعشت شفتاها، وفجأة انهمرت دموعها. جلست على طرف الفراش، تبكي بصمت، عاجزة حتى عن تفسير سبب بكائها. جاء طرق آخر. _ليلى؟ لم تجب.. مرّت ثوانٍ. ثم جاء صوته أكثر قلقًا: _ليلى، بقالك ساعة... أنا هدخل. فتح الباب بهدوء. وما إن وقعت عيناه عليها حتى تجمد للحظة. كانت جالسة فوق الفراش، منكسة الرأس، ودموعها تنساب بصمت. اقترب منها سريعًا وجلس إلى جوارها. _ليلى... إيه اللي حصل؟ رفعت رأسها إليه، وقالت وسط بكائها كطفلة عجزت عن حل أبسط مشكلة: _مش عارفة أخلع الفستان... تنفس عمران براحة، ثم سحبها إليه بحنان. _كده تخضيني! أقولك إيه بس؟ نظر إلى الفستان، ثم عاد بعينيه إليها. كانت تحدق في الأرض، تفرك أصابعها بتوتر. توقف للحظة، ثم أمسك يدها وأوقف ارتجاف أصابعها، وضمها إليه. _اهدي... مفيش حاجة تستاهل كل الخوف ده. ثم ساعدها بهدوء، وأخذت أصابعه تفك الأربطة الموجودة في ظهر الفستان واحدة تلو الأخرى، دون استعجال، حتى وصل إلى آخر رباط. همس لها وهو يمسك طرف الفستان من الأعلى: _فكّيته... لو سبته هيقع على الأرض. تشبثت ليلى بالفستان، وابتعدت قليلًا، وقد احمر وجهها من الخجل. _هروح الحمام. نظر إليها لحظة، ثم ابتسم وكأنه فهم كل ما لم تستطع قوله. _استني نهض واتجه نحو الباب، ثم التفت إليها: _هخرج بره... خدي وقتك براحتك، ومتستعجليش. ثم أضاف بصوت هادئ دافئ: _بس متتأخريش علشان نصلي. رفعت عينيها إليه. ابتسم لها وقال: _عايزين نبدأ حياتنا الجديدة بحاجة حلوة... نصلي سوا، ونطلب من ربنا يبارك لنا في اللي جاي. لم تستطع ليلى منع ابتسامتها رغم دموعها. هزت رأسها في هدوء. _حاضر. خرج عمران وأغلق الباب خلفه. ظلت ليلى تنظر إلى الباب للحظات... ثم وضعت يدها فوق قلبها، وهمست: _يا رب... أنا خايفة، بس أنا واثقة فيه. وأغمضت عينيها، تحاول أن تهدأ بعد فترة، انتهيا من صلاتهما. ظلت ليلى جالسة في مكانها، مطرقة الرأس، تعبث بأصابعها في توتر، بينما كان عمران يراقبها بصمت. مد يده إليها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة _يلا يا حبيبتي... أنا هلكان وعايز أنام. هزت رأسها سريعًا، وعيناها ما زالتا معلقتين بالأرض. _بس أنا مش هلكانة... ولا عايزة أنام. انحنى أمامها، مستندًا إلى ركبتيه، حتى أصبح في مستوى عينيها. _ليلى... مش هيجيلي نوم وإنتِ مش في حضني. من ساعة ما نزلتي البلد وقعدتي هناك وأنا منمتش. رفعت رأسها ببطء، والتقت عيناها بعينيه. _شهر... منمتش؟ ابتسم ابتسامة مرهقة، وقال بمزاح خافت: _آه... شهر كامل. بس محدش يقولي، علشان صورتي كرجل أعمال محترم هتضيع. ضحكت رغم توترها. مد يديه إليها، وسحبها برفق حتى وقفت، ثم أحاط خصرها بذراعه، واتجه بها نحو الفراش. _آه... نوم وأكل وكله، بعد ما كنت عايش في الجنة. ابتسمت بخجل، وما إن وصلا إلى الفراش حتى توقفت، تنظر إليه في تردد. لاحظ عمران نظرتها.. فقال بهدوء: _ليلى... إنتِ أول مرة تنامي في حضني؟ هزت رأسها نفيًا. ابتسم، وأشار إلى الفراش. _خلاص... هنام زي ما كنا بننام. ثم اقترب منها خطوة، لكن هذه المرة لم يمد يده إليها. ترك لها المسافة التي تحتاجها، وقال بصوت خافت يحمل كل ما في قلبه: _متخافيش مني يا حبيبتي... عمري ما هأذيكي، ولا هقرب منك طول ما إنتِ مش عايزة. رفعت عينيها إليه، وقالت بصراحة موجعة: _مش موضوع مش عايزة يا عمران... معرفش مالي. احتضن وجهها بين كفيه، ونظر إليها طويلًا.. لم يسألها أكثر. لم يحاصرها بالأسئلة. فقط قبّل شفتيها قبلة رقيقة، كأنه يطمئن قلبها لا يطلب منه شيئًا. أغمضت ليلى عينيها، وشعرت بالتوتر ينسحب منها قليلًا، وكأن قلبها بدأ أخيرًا يصدق أن الرجل الذي أمامها ليس مصدر خوفها... بل ملجؤها. ابتعد عمران عنها بهدوء وهمس: _خلاص... مفيش حاجة مستعجلة. ثم أشار إلى ملابسها. _اخلعي الإسـدال يا حبيبتي، هتنامي بيه. أومأت بخجل، ونزعته بهدوء، ثم وقفت للحظات لا تعرف أين تنظر. أما عمران، فكان كل ما يراه أمامه امرأة أحبها طويلًا، وانتظرها أكثر مما ينبغي لقلب أن يحتمل... بتلك المنامة البيضاء الناعمة الشفافة، التي اظهرت جسدها امامه بوضوح، ولكن لم تكن ملابسها هي ما أسر عينيه...بل ارتباكها.خجلها. وثقتها التي بدأت تمنحه إياها خطوة بعد أخرى. استلقى على الفراش، ثم فتح ذراعيه لها. _تعالي... نامي زي ما إنتِ متعودة. ظلت للحظات مكانها، ثم اقتربت ببطء، وتمددت بجواره، وأعطته ظهرها. أغمضت عينيها. وبعد لحظات، شعرت بذراعه تحيط بها من الخلف، يسحبها إليه برفق حتى استقرت بين ذراعيه. دفن وجهه بين خصلات شعرها، وأغمض عينيه. كان قربها وحده كافيًا ليشعر للمرة الأولى منذ شهر أن صدره يستطيع التنفس. أما هي، فارتفعت أنفاسها في البداية، مرتبكة من قربه، ومن ذلك الشعور الجديد الذي لم تعرف له اسمًا. لكن عمران لم يفعل شيئًا سوى أن احتواها. ظل يهمس بجوار أذنها بكلمات صغيرة، حانية، كلمات غزل ممزوجة بالعشق مع لمساته الناعمة، الذي كان يتحرك بها بهدوء، يخشى أن يخيفها منه، تسللت كلماته إلى قلبها ببطء. كل كلمة كانت تمحو جزءًا من خوفها. وكل لمسة حانية كانت تقول لها دون كلام: أنتِ آمنة. ومع مرور الدقائق، بدأ جسدها يسترخي بين ذراعيه. لم تعد تسمع سوى صوته، ونبض قلبه القريب، وأنفاسهما التي بدأت تتناغم دون أن يشعر أي منهما. حتى استدارت إليه من تلقاء نفسها. فتح عمران عينيه.. وجدها تنظر إليه. لم تكن تلك النظرة المرتجفة التي رأها منذ وصولهما... كانت نظرة مختلفة. هادئة.. ممتلئة بالحب. وممتزجة بخجل امرأة تقف أمام الرجل الذي اختاره قلبها أخيرًا دون خوف.. نظرة تقول له أنا لك أنا ملكك وحدك لمعت عينا عمران. وكأن شيئًا في داخله انكسر من شدة الفرح. رفع يده، مررها برفق على وجنتها، ثم قال بصوت خافت: _عارفة أنا مستنية اللحظة دي قد إيه؟ ارتعشت شفتاها بابتسامة صغيرة خجلة، وهي ترى نفسها في عينيه اجمل سيدة في الكون اقترب بجبهته من جبهتها. _ أنا استنيتك أكتر مما تتخيلي. ظلّا للحظات هكذا...لا كلمات.. نعم فكل ما عجزا عن قوله طوال الشهور الماضية، كانت عيونهما تقوله الآن. تلاقى جبهتاهما، وتشابكت أيديهما، وكأن كل واحد منهما وجد أخيرًا المكان الذي ينتمي إليه. لم تكن ليلتهما مجرد ليلة زفاف... كانت نهاية خوف طويل.. ونهاية انتظار. ونهاية طرقات كثيرة ظلا يسيران فيها حتى وصلا إلى بعضهما. كانت ليلة انتصر فيها الحب على كل ما حاول أن يفرّق بينهما. ليلة لم يكن أجمل ما فيها القرب... بل ذلك الشعور الذي سبق القرب؛ أن تستند إلى قلب إنسان وأنت مطمئن أنك لن تُخذل. أن تنظر إلى عينيه، فتجد نفسك فيهما. أن تشعر أن كل السنوات التي أوجعتك كانت تقودك في النهاية إلى هذه اللحظة. احتواها عمران، واحتضنته ليلى، واختفى العالم من حولهما. ولم يبقَ في تلك الغرفة سوى قلبين... قلب ظل طويلًا يبحث عن وطن، وقلب كان ينتظر أن يصبح ذلك الوطن. وفي تلك الليلة، لم يتقابل الجسدان فحسب، بل تقابلت الارواح، دقائق ربما ساعات لم يشعران بالوقت وهما يعيشان اجمل شعورا كان ينتظرنها، اخيرًا بعد فترة ليست بقليلة، هدأت الانفاس، وهدأ الجسد قليلا، لكن مازال القلب يعلن الحرب بالنبض سحب الغطاء فوقهما، بعد قبلة طويلة ممزوجة بكل شعور الامتنان، ثم همس لها بانفاسه المتقطعة من الحالة التي مازالت طاغية به _مبروك يانبض قلب عمران دفنت رأسها بعنقه خجلا، لم تقو على النظر لعيناه التي تغرق بها عشقًا، مسد على شعرها بحنان _ليلى انت كويسة. هزت رأسها دون ان تنطق، ابتسم على خجلها، ثم قال _شكرا حبيبتي لانك عيشتيني اجمل ليلة بحياتي كلها رفعت كفيها على وجهه، ومازالت تختبأ بأحضانه، قبل يدها ثم غرق بنوما كأنه لم ينم من قبل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مضت الأشهر، وكان الحب بينهما يزداد يومًا بعد يوم، حتى بدا وكأن القدر، للمرة الأولى، قرر أن يبتلع كل ما آذاهما، ويمنحهما في المقابل شيئًا يستحق كل ذلك العناء. صباح دافئ... جلس عمران على طرف الفراش، يتأمل تلك العيون التي لم تفتح بعد، وكأن صباحه لا يبدأ إلا حين تشرق هي أمامه. انحنى وطبع قبلة حانية بجوار شفتيها، ثم همس: _ حبيبتي... اصحي، الساعة حداشر. تململت ليلى تحت الغطاء، وأدارت وجهها للناحية الأخرى وهي تتمتم بنعاس: _ بعد شوية يا حبيبي... عايزة أنام كمان شوية. ابتسم، ومد أنامله يمررها برفق على وجنتها. _ باباكي ومامتك تحت. فتحت عينيها ببطء، وكأنها تقاوم النوم بكل ما أوتيت من قوة، ثم ابتسمت له: _ صباح الخير. _ صباح الورد يا ست الكل. اعتدلت تجمع خصلات شعرها خلف أذنها، ثم راحت تنظر إليه بتدقيق قبل أن تسأله: _ رايح الشغل ولا إيه؟ _ آه، عندي اجتماع ساعتين وراجع... ألاقيكي مجهزة نفسك. قطبت حاجبيها باستغراب: _ ليه؟ رايحين فين؟ ابتسم، وقبل رأسها قبل أن ينهض: _ لما أجي هقولك. وقبل أن يخطو خطوة، هبت من فوق الفراش: _ استنى! التفت إليها ضاحكًا: _ مالك؟ مستعجل كده ليه؟ اقتربت منه وهي تعقد حاجبيها: _ هتمشي من غير فطار؟ _ شربت قهوة يا حبيبتي، وهتأخر... وأنا مش جعان. توقفت أمامه، ثم أمسكت برابطة عنقه وجذبته نحوها حتى اقترب وجهه من وجهها، ورفعت ذراعها تحيط عنقه بها. _ تؤ... مش هتمشي غير لما تفطر. ضحك على شقاوتها: _ ليلى، سبيني أروح شغلي... لو قعدت هترجعي تندمي. رفعت حاجبها بتحدٍّ: _ أندم؟ صمت ينظر إليها، ثم هز رأسه بيأس مصطنع. _ وبعد هالك... باباكي ومامتك تحت. _ ميهمنيش. _ ليلى! _ ما هو مش هتخرج غير بمزاجي. إمبارح قولت عندك شغل النهاردة... لأ، قولت هنروح لمامتك. والصبح فجأة عرفت إن عندك شغل! اقترب منها أكثر، وعيناه تضيقان بمكر: _ أفهم من كلامك ده إيه يا ليلى؟ هزت كتفيها ببراءة مصطنعة: _ معرفش... بس مش هتنزل وخلاص. لم يمنحها فرصة للمزيد. فجأة انحنى، وحملها بين ذراعيه، فصرخت وهي تنفجر في الضحك: _ عمران! نزلني! _ مش إنتِ اللي قولتي مش هنزل؟ _ كنت بهزر! _ وأنا كمان... بهزر. بعد قليل، وقف أمام المرآة يعدل رابطة عنقه، وهو يتحدث مع علي عبر الهاتف: _ نص ساعة وأكون عندك. راحت عليَّ نومة. جهز العقود يا علي، وخلي بالك من البنود وافحصها كويس... أنا متأكد إن عمي بيرتب لي مصيبة. جاءه صوت علي ساخرًا: _ يا ابني مجهز كل حاجة، اخلص وتعالى. وبعدين والله ليلى دي هتبيعك اللي وراك واللي قدامك. شهقت ليلى بخجل، فقد كانت تقف خلفه تستمع للمكالمة. التقط عمران نظرتها من خلال المرآة، فابتسم: _ اقفل يالا. ثم أغلق الهاتف والتفت إليها: _ اتأكدتي إني رايح الشغل يا شكاكة؟ رفعت ذقنها: _ آه. _ اصبري بس... لو مش مستعجل كنت عرفتك إزاي تلعبي معايا. _ وأنا جيت جنبك؟ أنت اللي ملزق! كنت عايزاك تفطر بس. ابتسم وهو يقترب منها: _ يا حنينة. نهضت على ركبتيها فوق الفراش، ثم زحفت نحوه، ورفعت كفيها تضبط رابطة عنقه بعناية، قبل أن تقول بلهجة آمرة: _ عينك تروح كده ولا كده... هحط صوابع العشرة فيهم. انفجر عمران ضاحكًا، ثم انحنى وقبل وجنتها بحنان. _ خلي بالك من نفسك. ابتسمت وهي تتابعه بعينيها حتى غادر. بعد فترة، نزلت ليلى إلى الأسفل، فوجدت زوجة عمها منال تجلس مع والدتها وملك. توقفت للحظات، وما إن التقت عيناها بعيني منال حتى تبدلت ملامحها قليلًا، قبل أن تتقدم وتلقي السلام ببرود: _ إزيك يا مرات عمي؟ نهضت منال تستقبلها بابتسامة متكلفة: _ ليلى حبيبتي... وحشتيني. جلست ليلى، ثم نظرت إلى والدتها: _ ليه ما قولتيليش يا ماما إنك جاية؟ كان عندي مشوار مع عمران. أجابتها والدتها: _ مرات عمك عايزاكي ضروري. نهضت منال واقتربت منها _ ليلى حبيبتي... عمران قال هيرجع البيت والأرض، ولسه ما رجعهمش. رفعت ليلى عينيها إليها بهدوء: _ لأنهم مش ملكه يا مرات عمي. وضعت منال يدها على صدرها: _ جوزك باع الأرض والبيت! ليه كده يا بنتي؟ نهضت ليلى ببطء، ثم وقفت أمامها، وعقدت ذراعيها: _ لا... ما باعهمش. تعلقت عينا منال بها: _ أمال؟ التفتت ليلى إليها، وقالت بوضوح: _ كتبهم باسمي... وقالي: مهرك، وإنتِ حرة فيه. اتسعت ابتسامة منال، وكأنها لم تسمع سوى نصف الجملة الذي يناسبها: _ يعني كده الأرض رجعت لعمك؟ يا مانت كريم يا رب! تنهدت ليلى، ثم استدارت إليها بكامل جسدها: _ فهمتيني غلط يا مرات عمي. بقولك كتبهم باسمي... مهري أنا، مش باسم عمي. تبدلت ملامح منال: _ وإنتِ مش... هترجعيهم لعمك؟ حدقت بها ليلى طويلًا، ثم اقتربت خطوة: _ إنتِ عايزة أدي مهري لعمي؟ صمتت لحظة، قبل أن تخرج ضحكة قصيرة بلا فرح: _ ليه؟ جوزي بيلاقي الفلوس دي في الأرض علشان أرجعها لست عقربة زيك... هي وبنتها؟ هزت منال رأسها سريعًا: _ لا يا بنتي... أنا مش عايزة حاجة. بس عمك هيموت. ردت ليلى ببرود: _ ألف سلامة عليه. ثم اقتربت أكثر، وغرست عينيها في عينيها: _ وبالمناسبة... كنت عايزة أشكرك على فكرة. تجمدت منال: _ تشكريني؟ ابتسمت ليلى، وفي ابتسامتها انتصار طال انتظاره: _ آه. لولا فضيحتك ليا، مكنتش اتجوزت عمران. قالتها ثم التفتت ليلى إلى والدتها: _ ماما... البيت ده مفتوح للناس كلها، إلا الست دي وابنها. قالتها، ثم استدارت وصعدت الدرج دون أن تلتفت خلفها. هوت منال على المقعد، والغضب يأكل ملامحها: _ طول عمري أقول عليكي سماوية... وقلبك أسود يا بنت وفاء نهضت وفاء وهي تقول بانزعاج: _ قومي يا منال، خلينا نمشي. اتأخرنا... وعمرك ما هتتغيري. استدارت منال إليها: _ أمشي؟ مش لما جوز بنتك يرجع أرضي ويخرج ابني؟ توقفت وفاء أمامها: _ منال... أنا كنت معاكي أصيلة للآخر، واللي عملتيه مش شوية. هتمشي،ولا امشي واسيبك؟ في اليوم التالي... استقلت ليلى السيارة إلى جوار عمران، ولم تكن تعرف إلى أين يأخذها. وحين توقفت السيارة أمام بوابة ضخمة، رفعت عينيها لتجد نفسها أمام كلية الهندسة. قطبت جبينها باستغراب: _ جايبني هنا ليه؟ ترجل عمران، ثم دار حول السيارة وفتح لها الباب، ومد يده إليها: _ تعالي يا حبيبتي. نظرت إليه، ثم إلى المكان. _ عمران... ابتسم: _ مش كان حلمك تدخلي كلية الهندسة؟ اتسعت عيناها، وكأنها لم تستوعب كلماته. _ قول والله! ضحك: _ والله. ألقت بنفسها بين ذراعيه، فضحك وهو يحتضنها بقوة ويرفعها عن الأرض. _ إنت أحلى حاجة حصلتلي في الدنيا! ضمها إليه أكثر: _ وإنتِ تستاهلي كل حاجة حلوة... مش هسمحلك تحلمي بحاجة وأقف أتفرج. دفنت وجهها في صدره، وابتسامتها تكاد تشق قلبها من شدة الفرح. مرت أسابيع أخرى، حتى جاء ذلك المساء... دلف عمران إلى منزله، فاستقبله سكون غريب. رفع عينيه إلى المكان، ثم صعد إلى غرفته. وحين فتح الباب، توقف. تجمدت خطواته. كانت الغرفة مزينة ببساطة دافئة، والأنوار الخافتة تحيط بالمكان، وفي المنتصف وقفت ليلى بثوب أحمر أنيق، وعلى وجهها ابتسامة _ ليلى... اقتربت منه بخطوات هادئة، وعيناها لا تفارقان عينيه، حتى وقفت أمامه ورفعت نفسها تطبع قبلة حانية بجوار شفتيه. _ حمد لله على السلامة يا حبيبي. ظل ينظر إليها، ثم جالت عيناه في أرجاء الغرفة. _ الله يسلمك... بس مفيش مناسبة يعني؟ ضحكت بخجل. ثم أمسكت بكفيه. وضعت يديه على بطنها. تغيرت ملامحه في لحظة. نظر إلى يديه، ثم رفع عينيه إليها، وكأن عقله رفض أن يصدق ما فهمه قلبه فورًا. _ ليلى... إنتِ؟ اقتربت منه، وامتلأت عيناها بالدموع وهي تهمس: _ هتبقى أحسن أب في الدنيا. لم يحتج إلى كلمة أخرى. في لحظة واحدة، انحنى نحوها، ورفعها بين ذراعيه، يدور بها في الغرفة، وضحكته تملأ المكان بسعادة لم يعرفها من قبل. كانت تضحك وتبكي في الوقت نفسه، بينما ضمها إليه وكأن العالم كله اختُصر في هذه اللحظة. _ أنا هبقى أب؟ هزت رأسها وهي تبكي: _ أيوه... توقف عن الدوران، وأسند جبهته إلى جبهتها، وعيناه تلمعان بدموع لم يستطع إخفاءها. _ إنتِ عارفة عملتي فيا إيه؟ ضحكت وسط دموعها: _ فرحتك؟ _ لأ... احتضنها بقوة، وقبل رأسها طويلًا. _ رجعتيلي قلبي من جديد. أغمضت عينيها بين ذراعيه، وابتسمت. وفي تلك اللحظة، احتضنها بنظراته وكل مايراه هو طفل صغير سيأتي ليجمع قلبين ظلا طويلًا يحاربان العالم، حتى كافأهما القدر أخيرًا بأجمل هدية.