خرجت من المطبخ متجهة إلى غرفتها، إلا أنها توقفت حين استمعت بفتح باب المنزل، التفت وجدته يدلف إلى الداخل، يحمل الصغيرة بين ذراعيه. توقفت للحظات، التقت عيناها بعينيه، ثم أشاحت بنظراتها سريعًا وتابعت طريقها، وكأن وجوده لم يعد يعني لها شيئًا. لكن صوته أوقفها: _خديجة. توقفت، وأعطته ظهرها دون أن تلتفت. اقترب منها بخطوات هادئة، ثم قال: _خلي سيليا معاكي الليلة، أنا عندي مشوار، ولما أخلص هرجع أخدها. استدارت إليه بحدة، وما إن وقعت عيناها على الصغيرة حتى اشتعلت في صدرها نيران الغيرة فقالت ببرود جارح: _وديها عند أمها... أنا قفلت باب الإحسان. زفر بضيق، محاولًا أن يبتلع غضبه. _خديجة، لو سمحتي... خلي البنت عندك. مفيش حد آمن عليها غيرك. ماما سافرت القاهرة من الصبح، وعمر مش هيعرف يتعامل معاها. ضحكت بسخرية مريرة، ثم انفجرت فيه: _إنت إيه يا أخي؟ البعيد جبل ما بيحسش! روح وديها لأمها، ولا شاطر بس تطلع معاها سياحة؟ مش قد الخلفة ما تخلفش! اتسعت عينا الصغيرة من صوتها المرتفع، وبدأت تستيقظ من غفوتها، تتلفت حولها بقلق، ثم خرج صوتها مرتجفًا: _بابي... تغيرت ملامحه، فضمها إلى صدره بحنان، ثم حملها وصعد الدرج دون أن يجيب خديجة بكلمة واحدة. فقد وصل الغضب في صدره كبيرًا، لكنه أمام خوف طفلته لم يعلق همس لها وهو يصعد: _إنتِ مع بابي يا حبيبتي... شوفي إحنا فين. هزت رأسها برفض، ولفت ذراعيها حول عنقه: _لا... مش عايزة، خدني معاك. _حاضر يا قلب بابي... بس دلوقتي نطلع ننام شوية. وقفت خديجة مكانها تتابع صعوده، وعيناها معلقتان بالصغيرة بين ذراعيه، بينما الغيرة تأكل قلبها ببطء. لماذا يؤلمها أن يحنو عليها؟ ولماذا يؤلمها أكثر أن يحنو عليها هو؟ دلف إلى غرفته، ووضع سيليا فوق الفراش برفق، ثم جلس إلى جوارها. _يلا بقى حبيبة بابي تكمل نوم. فتحت عينيها بصعوبة: _هتمشي؟ انحنى وقبّل جبينها، ثم أمسك كفها الصغير وقبّله بحنان، وهز رأسه نافيًا. _لا يا حبيبتي... بابي معاكي. أغمضت عينيها، لكنها تشبثت بأصابعه وهمست بخوف: _أوعى تمشي... أنا بخاف. تألم قلبه، ومسح على خصلاتها الشقراء في هدوء. _مش هسيبك حبيبتي.. نامي. ظل إلى جوارها دقائق، حتى غلبها النوم، ثم نهض واتجه إلى هاتفه واتصل بالخادمة. _اطلعي أوضتي وخلي بالك من سيليا. _حاضر يا بيه. انتظر حتى اطمأن إلى نوم الصغيرة، ثم خرج من الغرفة، لكنه وجد خديجة واقفة أمامه. اقتربت منه بخطوات غاضبة، وقالت بصوت خافت حتى لا توقظ الطفلة: _أنا مش قولت متجبش البنت دي عندي؟ جايبها ليه؟ رفع عينيه إليها، وقد نفد ما تبقى من صبره. _وطي صوتك... البنت نايمة. _خدها من هنا. مش عايزاها عندي في البيت. اشتعلت عيناه، وقبض على ذراعيها بقوة، وقال بصوت خرج مكتومًا بالغضب: _هي في بيت أبوها، متنسيش نفسك. مش علشان أنا ساكت على أفعالك تتمادي فيها أكتر. رفعت عينيها إليه بتحدٍّ: _ساكت ليه؟ صمت لحظة، ثم قال بصوت أكثر هدوءًا: _علشان بحبك. ضحكت بمرارة، ودفعته في صدره: _حب إيه اللي بتتكلم عنه؟ يا كداب... إنت آخر واحد يتكلم عن الحب. قبض على خصرها، واجتذبها نحوه بعناد: _عايزة تعرفي حب إيه؟ طيب ما تيجي تجربي كده... وقبل أن يكمل، جاء طرق خفيف على الباب، ثم دلفت الخادمة. ابتعدت خديجة عنه سريعًا، بينما استدار هو إليها. _خلي بالك من سيليا لحد ما أرجع. لو صحيت وعيطت أو خافت، خديها في حضنك. هي شافت حاجة قبل ما تنام وعلشان كده خايفة، وهتصحى أكتر من مرة. أومأت الخادمة: _تحت أمرك يا بيه. التفتت خديجة اليها _انزلي يا هانم، روحي كملي نومك، وأنا هاخد بالي منها. قال بسرعة: _لا. وأشارَت إلى الخادمة _انزلي وانا معاها عاد عبدالرحمن ينظر إلى خديجة، فقالت ببرود متعمد: _ومتفكرش إني بعمل كده علشانك... أنا صعبان عليَّ البنت الغلبانة. إنما إنت، متهمنيش. ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه رغمًا عنه. _يعني لو مت... مش هتزعلي عليَّ؟ رفعت حاجبها بسخرية: _لا، موت إنت وهزعل شوية... ما إحنا جيران يا حنين. ضحك بخفوت، ثم اقترب منها: _ماشي يا خديجة... بس إنتِ لو حصلك حاجة، أنا هموت من الحزن. وضعت يدها على صدرها متصنعة التأثر: _يا سلام! صدقت أنا كده؟ ولازم أعيط وأجري على حضنك وأقولك: متقولش كده تاني، مقدرش أعيش من غيرك؟ ثم لوحت بيدها ساخرة: _لا اطمن... شغل الأبيض والأسود والهندي والتركي ده ما بيأكلش عيش. اختفت ابتسامته تدريجيًا اقترب منها حتى أصبح أمامها مباشرة، ثم رفع كفيه إلى حجابها، وسحبه برفق، فانسكب شعرها البني على كتفيها. تجمدت في مكانها. انحنى، ودفن وجهه بين خصلاتها، يستنشق رائحتها وكأنه يستعيد شيئًا حُرم منه طويلًا. ثم همس بالقرب من أذنها: _بحبك... أوي أوي. توقف لحظة، ثم أضاف بصوت حمل كل ما عجز عن قوله طوال السنوات الماضية: _خليكي فاكرة الكلمتين دول... حتى لو مش مصدقاهم دلوقتي. ارتجف جسدها بقوة، وشعر برجفتها بين ذراعيه. لف ذراعيه حولها، وضمها إليه أكثر، وأخذ يهمس لها بكلمات عشق متقطعة، كلمات كان قلبه يحفظها، وللحظات...ضعفت. أغمضت عينيها، واستسلم جسدها لدفء حضنه رغم كل ما بينهما، وكأن قلبها الخائن لم يتعلم يومًا كيف يكرهه. لكن عيناها وقعتا حيث ترقد الصغيرة على فراشه فتذكرت خيانته لها كما ظنت تذكرت كل شيء. وعاد الجدار بينهما في لحظة. ابتعدت عنه سريعًا، وسحبت حجابها تجمع به خصلاتها المرتجفة، ثم رفعت عينيها إليه، وقد عادت القسوة تغطي كل ما انكشف منها. _بينا شروط... احترمها. صمتت لحظة، ثم قالت بنبرة أثقل: _أو حقق وعدك... الوعد اللي وعدتهولي زمان.. مرة واحدة خليك قد كلامك ثبت عينيه عليها طويلًا، وكأن كلماتها أعادته إلى نقطة البداية؛ إلى ذلك الوعد الذي لم تستطع هي نسيانه، ولم يستطع هو الوفاء به. اتجه الى غرفة ملابسه، دقائق وخرج، وجدها تقف بشرفة الغرفة تنظر بشرود اتجه الى الطفلة الغافية، ثم اقترب منها وطبع قبلة على جبينها، التفت خديجة بعدما شعرت بوجوده، وجدته يقبل جبين الصغيرة، ليعود ذاك الشعور الكاره لتلك البريئة التي لم يكن لها ذنبا رفع نظره الى الواقفة، ثم اتجه الى هاتفه وتحرك للخارج _انت رايح فين _مالكيش دعوة _مع السلامة، داهية توقف واستدار اليها قائلا _انا فعلا رايح الداهية دي، خلي بالك من سيليا قالها وغادر المنزل وهي تتابعه بقلبًا مرتجف مضت عدة ساعات، ولم يعود، استيقظت الصغيرة عدة مرات تصرخ، وتضمها خديجة وتهمس لها بكلمات حانية ارتفع رنين هاتفها، التقطته سريعًا ظنًا انه هو _عبد الرحمــــــــن عندك _اللي هو ايه، متصلة بيا تسألي على جوزك لا مش عندي،... قاطعتها ماسة سريعًا _مش وقت سخرية، اتصلي بيه، هو هيرد عليكي متأكدة، خليه يرجع هيقتلوه. انتفضت خديجة بجلوسها _انت بتقولي ايه _خديجة كلميه، مش بيرد علي اغلقت الهاتف دون ان تكمل حديثها، فهي تشعر بشيئًا ثقيلًا منذ خروجه، ولا تنسى نظراته اليها، نظرت للصغيرة وكلماته رفعت الهاتف تحادثه، لحظات واجاب عليها _انت فين ممكن تقولي _خديجة ارتاحي أنا مش عند ماسة _عبدالرحمن ارجع على البيت ايه شوفتي رؤية بموتي _عبدالرحمن لو سمحت ارجع على البيت _لازم اقفل دلوقتي قالها واغلق الهاتف سريعا بعد يومين كان يغفو فوق فراشه، شعر بوزنٍ صغير يصعد إلى جواره. تمددت سيليا على الفراش بالقرب منه، وبدأت تربت على خده بكفها الصغيرة. _بابي... بابي، اصحى بقى. فتح عينيه بصعوبة، وما إن رأى وجهها حتى ارتسمت ابتسامة دافئة على ملامحه، ومد ذراعه إليها: _تعالي في حضن بابي. هزت رأسها بسرعة، وقالت ببراءة: _لأ... أنطي ديجة قالت متنميش في حضن بابي، علشان هو أخد حقنة كبيرة. رفع حاجبيه، ثم مرر كفه على خصلاتها: _هي قالت لك كده؟ أومأت برأسها، ثم أضافت بعفوية: _آه... ومامي جت هنا، بس أنطي ديجة قالت لها إنك مش عايز تشوف حد، ومامي مشيت. اتسعت ابتسامته على مجنونته سألها بحنان: _هي فين دلوقتي؟ _بتعمل أكل لبابي علشان يخف بسرعة. ابتسم أكثر: _مين قالك كده؟ _أنطي ديجا. ضحك بخفوت، ثم فتح ذراعيه لها من جديد: _طب تعالي في حضن بابي شوية. هزت رأسها بحزم طفولي: _لأ... أنطي ديجا هتزعل من سيليا. انفلتت منه ضحكة، ثم قال: _خلاص، ميلي كده... علشان تروحي تقولي لأنطي ديجا حاجة. انحنت نحوه، فاقترب من أذنها وهمس: _روحي قولي لها إن بابي هيخف لو أكل فراولة. ابتعدت قليلًا، وقالت بحماس: _بابي عايز فراولة؟ قرص وجنتها برفق: _آه... بس من أنطي خديجة. وضعت إصبعها أمام فمها بتفكير _انا اجب لك _لا... فراولة انطي ديجا هتخلي بابي يخف بسرعة ابتعدت للخلف على كفيها _هروح أقولها. قفزت من فوق الفراش وركضت إلى الخارج. ظل يتابعها بابتسامة، ثم اعتدل بصعوبة، وأزاح الغطاء عن جسده، قبل أن يهبط من الفراش متجهًا إلى الأسفل. كان الألم لا يزال يسكن جسده، لكنه لم يمنعه من السير خلف صوت ضحكات طفلته. وصل إلى المطبخ، توقف عند الباب. كان المشهد أمامه كفيلًا بأن يسرق منه كل تعب. وجدها تقف أمام الطاولة، وعلى وجهها ابتسامة لم يرها منذ وقت طويل، وسيليا تضحك بصوتٍ عالٍ بعدما لطخت خديجة طرف أنفها ووجنتيها ببقايا العجين. _أنطي... أنطي! بابي صحي وعايز فراولة! توقفت خديجة عن العبث بالعجين، والتفتت إليها: _بابي صحي؟ أومأت الصغيرة بحماس: _آه! قالي أقولك عايز فراولة من أنطي خديجة. يلا خدي الفراولة وروحي لبابي. رفعت خديجة عينيها إلى باب المطبخ... فتوقفت أنفاسها. كان واقفًا هناك، يستند إلى الحائط، وذراعاه معقودتان أمام صدره، وعلى شفتيه ابتسامة يعرفها قلبها جيدًا. تعلقت عيناه بعينيها. لحظة واحدة فقط... لكنها كانت كافية لتعيد إلى قلبها كل الخوف الذي عاشته منذ اصابته ذلك الخوف الذي أخفته خلف الغضب، حين ظنت للحظة أنها قد تفقده. استدار، ملتفتًا إلى الصغيرة: _إيه يا سيليا؟ واقفة في المطبخ ليه؟ مش كنتِ عايزة بابي يموت؟ ودلوقتي بتعملي اكل لبابي اقترب منها بعدما ادارت وجهها للخلف _سيليا مبتعرفش بابي،دي انطي ديجا توقف خلف خديجة، وانحنى قليلًا يهمس لها: كنتي هتعملي اكل وتوزيعه على الغلابة، على روحي _بس انت عايش ماشاء، الله التفت اليه سريعًا، ذهب ببصره الى الطفلة فقال لسيليا: _فين الفراولة يا سيليا؟ مش قولتِ تقولي لأنطي إن بابي عايز يدوقها علشان يخف؟ _إنت مش عيان... ما تتهد شوية.. دنا فخطت إلى الخلف، لكنها فوجئت به يتقدم خطوة، ثم أخرى، حتى أصبحت بينه وبين الحائط. رفعت عينيها إليه بضيق: _عبدالرحمن... فقال بهدوء متعمد: _مسمعتيش الدكتور قال إيه؟ لازم أتغذى كويس علشان أعوض اللي فقدته. اقترب قليلًا، وأضاف بابتسامة جانبية: _يرضيكي حبيبك يفضل عيان؟ زفرت بضيق: _عايز إيه يا عبدالرحمن على الصبح؟ مد إصبعه ولمس طرف شفتيها بخفة، ثم قال: _عيان يا ديجا. رفعت عينيها إليه بسخرية: _ألف سلامة عليك يا أخويا. ضحك: _أخوكي؟! ناقص تقوليلي إن جوازنا حرام شرعًا. رغمًا عنها، خانتها ابتسامة صغيرة. ولحظة رؤيته لتلك الابتسامة، شعر وكأنه ربح الدنيا كلها. لف ذراعيه حولها بحنان، وهمس: _أي حركة غلط منك هتفتح الجرح. تجمدت بين ذراعيه. رفعت عينيها إلى عينيه القريبتين كانت تحمد الله في سرها... الحمد لله أنه ما زال حيًا. الحمد لله أن هذا القلب الذي أرعبها ما زال ينبض أمامها. شعر بنظراتها، فقال بصوت خافت: _دعيتي عليا... وكنت هموت. صمت لحظة، ثم ابتسم بحنان: _مش كان الأحسن تدعي إنك تفضلي في حضني؟ ارتعشت أنفاسها، وقالت وهي تحاول أن تخفي ارتباكها: _بعد الشر عليك... اقترب منها اكثر، وهمس: _بعدك هو الشر يا حبيبة فارس احلامك _انت.. فجأة، تعلقت يد صغيرة ببنطاله. _بابي... بابي! ابتعد عنها فورًا، والتفت إلى الطفله: _نعم يا سيليا هانم؟ هتخليني أضايق منك ليه؟ أشارت الصغيرة إلى خديجة: _قول لأنطي تجيب الفراولة... عايزة بابي يخف بسرعة. رفع عبدالرحمن عينيه إلى خديجة، وارتسم على وجهه خبث طفولي: _أنطي خديجة وحشة يا سيليا... ومش راضية تدي بابي الفراولة. شهقت خديجة ترمقه بغضب لكن الصغيرة كانت قد سبقتها، واتجهت إليها بكل براءة، ومدت يدها إليها: _أنطي... هاتي الفراولة لبابي.. لازم تدي بابي الفراولة نظرت خديجة إلى الصغيرة، ثم رفعت عينيها إلى عبدالرحمن، فوجدته يبتسم بانتصار. هزت رأسها وجزت على اسنانها _أنت قليل الأدب... حتى بنتك بتستخدمها، انت ايه ياخي، اتهد شوية ولا اقولك هتصل بالحلوة بباربي الننوسة تيجي تاخدك، اهي تديك الفراولة اللي تطفحها على قلبك _تؤ... زهقت منها، اصلها فراولة جبلية عايزة فراولة طبيعية _الهي ربنا ياخدك ياعبدالرحمن يارب قالتها واقتربت منه تسكب فوقه العجين الذي كانت تعده للكيك وصرخت تدور في المطبخ تبحث عن شيئا تلقيه به. _خديجة اعقلي البت... خديجة، ولكن كأنها فقدت سمعها وتوجهت اليه وهي