اقتباس من القادم عبدالرحمن وخديجـــــــــة
خرجت من المطبخ متجهة إلى غرفتها، إلا أنها توقفت حين استمعت بفتح باب المنزل، التفت وجدته يدلف إلى الداخل، يحمل الصغيرة بين ذراعيه.
توقفت للحظات، التقت عيناها بعينيه، ثم أشاحت بنظراتها سريعًا وتابعت طريقها، وكأن وجوده لم يعد يعني لها شيئًا.
لكن صوته أوقفها:
_خديجة.
توقفت، وأعطته ظهرها دون أن تلتفت.
اقترب منها بخطوات هادئة، ثم قال:
_خلي سيليا معاكي الليلة، أنا عندي مشوار، ولما أخلص هرجع أخدها.
استدارت إليه بحدة، وما إن وقعت عيناها على الصغيرة حتى اشتعلت في صدرها نيران الغيرة
فقالت ببرود جارح:
_وديها عند أمها… أنا قفلت باب الإحسان.
زفر بضيق، محاولًا أن يبتلع غضبه.
_خديجة، لو سمحتي… خلي البنت عندك. مفيش حد آمن عليها غيرك. ماما سافرت القاهرة من الصبح، وعمر مش هيعرف يتعامل معاها.
ضحكت بسخرية مريرة، ثم انفجرت فيه:
_إنت إيه يا أخي؟ البعيد جبل ما بيحسش! روح وديها لأمها، ولا شاطر بس تطلع معاها سياحة؟ مش قد الخلفة ما تخلفش!
اتسعت عينا الصغيرة من صوتها المرتفع، وبدأت تستيقظ من غفوتها، تتلفت حولها بقلق، ثم خرج صوتها مرتجفًا:
_بابي…
تغيرت ملامحه، فضمها إلى صدره بحنان، ثم حملها وصعد الدرج دون أن يجيب خديجة بكلمة واحدة.
فقد وصل الغضب في صدره كبيرًا، لكنه أمام خوف طفلته لم يعلق
همس لها وهو يصعد:
_إنتِ مع بابي يا حبيبتي… شوفي إحنا فين.
هزت رأسها برفض، ولفت ذراعيها حول عنقه:
_لا… مش عايزة، خدني معاك.
_حاضر يا قلب بابي… بس دلوقتي نطلع ننام شوية.
وقفت خديجة مكانها تتابع صعوده، وعيناها معلقتان بالصغيرة بين ذراعيه، بينما الغيرة تأكل قلبها ببطء.
لماذا يؤلمها أن يحنو عليها؟
ولماذا يؤلمها أكثر أن يحنو عليها هو؟
دلف إلى غرفته، ووضع سيليا فوق الفراش برفق، ثم جلس إلى جوارها.
_يلا بقى حبيبة بابي تكمل نوم.
فتحت عينيها بصعوبة:
_هتمشي؟
انحنى وقبّل جبينها، ثم أمسك كفها الصغير وقبّله بحنان، وهز رأسه نافيًا.
_لا يا حبيبتي… بابي معاكي.
أغمضت عينيها، لكنها تشبثت بأصابعه وهمست بخوف:
_أوعى تمشي… أنا بخاف.
تألم قلبه، ومسح على خصلاتها الشقراء في هدوء.
_مش هسيبك حبيبتي.. نامي.
ظل إلى جوارها دقائق، حتى غلبها النوم، ثم نهض واتجه إلى هاتفه واتصل بالخادمة.
_اطلعي أوضتي وخلي بالك من سيليا.
_حاضر يا بيه.
انتظر حتى اطمأن إلى نوم الصغيرة، ثم خرج من الغرفة، لكنه وجد خديجة واقفة أمامه.
اقتربت منه بخطوات غاضبة، وقالت بصوت خافت حتى لا توقظ الطفلة:
_أنا مش قولت متجبش البنت دي عندي؟ جايبها ليه؟
رفع عينيه إليها، وقد نفد ما تبقى من صبره.
_وطي صوتك… البنت نايمة.
_خدها من هنا. مش عايزاها عندي في البيت.
اشتعلت عيناه، وقبض على ذراعيها بقوة، وقال بصوت خرج مكتومًا بالغضب:
_هي في بيت أبوها، متنسيش نفسك. مش علشان أنا ساكت على أفعالك تتمادي فيها أكتر.
رفعت عينيها إليه بتحدٍّ:
_ساكت ليه؟
صمت لحظة، ثم قال بصوت أكثر هدوءًا:
_علشان بحبك.
ضحكت بمرارة، ودفعته في صدره:
_حب إيه اللي بتتكلم عنه؟ يا كداب… إنت آخر واحد يتكلم عن الحب.
قبض على خصرها، واجتذبها نحوه بعناد:
_عايزة تعرفي حب إيه؟ طيب ما تيجي تجربي كده…
وقبل أن يكمل، جاء طرق خفيف على الباب، ثم دلفت الخادمة.
ابتعدت خديجة عنه سريعًا، بينما استدار هو إليها.
_خلي بالك من سيليا لحد ما أرجع. لو صحيت وعيطت أو خافت، خديها في حضنك. هي شافت حاجة قبل ما تنام وعلشان كده خايفة، وهتصحى أكتر من مرة.
أومأت الخادمة:
_تحت أمرك يا بيه.
التفتت خديجة اليها
_انزلي يا هانم، روحي كملي نومك، وأنا هاخد بالي منها.
قال بسرعة:
_لا.
وأشارَت إلى الخادمة
_انزلي وانا معاها
عاد عبدالرحمن ينظر إلى خديجة، فقالت ببرود متعمد:
_ومتفكرش إني بعمل كده علشانك… أنا صعبان عليَّ البنت الغلبانة. إنما إنت، متهمنيش.
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه رغمًا عنه.
_يعني لو مت… مش هتزعلي عليَّ؟
رفعت حاجبها بسخرية:
_لا، موت إنت وهزعل شوية… ما إحنا جيران يا حنين.
ضحك بخفوت، ثم اقترب منها:
_ماشي يا خديجة… بس إنتِ لو حصلك حاجة، أنا هموت من الحزن.
وضعت يدها على صدرها متصنعة التأثر:
_يا سلام! صدقت أنا كده؟ ولازم أعيط وأجري على حضنك وأقولك: متقولش كده تاني، مقدرش أعيش من غيرك؟
ثم لوحت بيدها ساخرة:
_لا اطمن… شغل الأبيض والأسود والهندي والتركي ده ما بيأكلش عيش.
اختفت ابتسامته تدريجيًا
اقترب منها حتى أصبح أمامها مباشرة، ثم رفع كفيه إلى حجابها، وسحبه برفق، فانسكب شعرها البني على كتفيها.
تجمدت في مكانها.
انحنى، ودفن وجهه بين خصلاتها، يستنشق رائحتها وكأنه يستعيد شيئًا حُرم منه طويلًا.
ثم همس بالقرب من أذنها:
_بحبك… أوي أوي.
توقف لحظة، ثم أضاف بصوت حمل كل ما عجز عن قوله طوال السنوات الماضية:
_خليكي فاكرة الكلمتين دول… حتى لو مش مصدقاهم دلوقتي.
ارتجف جسدها بقوة، وشعر برجفتها بين ذراعيه.
لف ذراعيه حولها، وضمها إليه أكثر، وأخذ يهمس لها بكلمات عشق متقطعة، كلمات كان قلبه يحفظها، وللحظات…ضعفت.
أغمضت عينيها، واستسلم جسدها لدفء حضنه رغم كل ما بينهما، وكأن قلبها الخائن لم يتعلم يومًا كيف يكرهه.
لكن عيناها وقعتا حيث ترقد الصغيرة على فراشه فتذكرت خيانته لها كما ظنت
تذكرت كل شيء.
وعاد الجدار بينهما في لحظة.
ابتعدت عنه سريعًا، وسحبت حجابها تجمع به خصلاتها المرتجفة، ثم رفعت عينيها إليه، وقد عادت القسوة تغطي كل ما انكشف منها.
_بينا شروط… احترمها.
صمتت لحظة، ثم قالت بنبرة أثقل:
_أو حقق وعدك… الوعد اللي وعدتهولي زمان.. مرة واحدة خليك قد كلامك
ثبت عينيه عليها طويلًا، وكأن كلماتها أعادته إلى نقطة البداية؛ إلى ذلك الوعد الذي لم تستطع هي نسيانه، ولم يستطع هو الوفاء به.