الفصل الأخير.. كان شارداً يفكر في حياته من بعدها وكيف ستمضي حياته من دونها هي وأطفاله؟ لا يوجد حل سوى أن يرحل بعيدًا ويرجع إلى سويسرا مرة أخرى، ويفني حياته في عمله. حسام بضيق شديد، وهو يزيد من سرعة سيارته ويضرب بيديه على عجلة القيادة: ـ أنا اللي ضيعت كل حاجة، أنا غبي... أنا مقدرش أعيش من غيرها، ومن غير ولادي... بس أنا جرحتها أوي، مش هتقدر تسامحني ولا تنسى الوجع اللي سببتهولها... وفجأة، ظهرت إحدى السيارات أمامه، واستطاع أن يتفاداها بصعوبة. حسام بتنهيدة بعد ما حدث، ثم رن هاتفه، وكان المتصل السيد محمود، والد هنا. ... بعد مرور ساعة، تقابل والد هنا مع حسام. ـ حبيت أقابلك بعيد عن هنا... فهمني يا حسام إيه السبب اللي وصلكم للطلاق؟ حسام بعد تنهيدة طويلة: ـ الأفضل إن هنا تحكيلك يا عمي. محمود بضيق: ـ هو في إيه؟ محدش ليه فيكوا راضي يقولي السبب، ما هو أنا لازم أفهم. حسام: ـ صدقني، الأفضل إنك تسمع منها. محمود بحدة بعد أن نهض: ـ اللي إنتوا بتعملوه ده مهزلة... ثم تركه وأنصرف بملامح وجه متجهمة. حسام: ـ لو عرفت السبب، هتفضل طول عمرك تكرهني يا عمي، وإنت اللي هتطلق بنتك مني... للأسف أنا خيبت ظنك فيا. ..... ـ اتفضل يا أستاذ عبدالله. عبدالله: ـ هو محمود هنا؟ الدادة فاطمة: ـ لأ، ده خرج من ساعة. عبدالله، وكاد أن يسأل عن هنا... هنا بود: ـ إزيك يا عمي؟ عبدالله: ـ بخير يا حبيبتي، أخبار حبايب جدو إيه؟ هنا بابتسامة: ـ تمام، الحمد لله. عبدالله، وهو لا يعلم كيف يبدأ معها الكلام: ـ حسام حكالي عن كل حاجة، وصدقيني أنا مش زعلان إنك طلبتي الطلاق، بالعكس، ده حقك يا بنتي وأنا هقف معاكي صدقيني مهما كان. ثم زفر أنفاسه وتابع بلطف: ـ بس فكري تاني، يمكن تقدري تسامحي، مش عشانه هو، عشان ولادك. هنا بدموع: ـ حسام ظلمني أوي ووجعني. عبدالله بحنان أبوي: ـ عارف يا حبيبتي، بس ممكن تفكري تاني. افتكري ليه الحلو وحاولي تنسي الوحش. عارف إن اللي عامله ما يتنسيش، بس الزمن بيداوي... وزي ما قلتلك، مهما كان قرارك أنا هقف معاكي حتى لو ضد ابني لكن عايز أطلب منك طلب، ممكن؟ هنا: ـ اتفضل يا عمي. عبدالله: ـ بلاش تقولي لمحمود السبب دلوقتي، ممكن؟ عارف إنه لازم يعرف ومن حقك تقوليله، لأنه مش هيوافق على الطلاق غير لما يعرف السبب. هنا: ـ أنا أصلًا مقولتلوش ولا ناوية أقوله. مقدرش أخلي منظر حسام وحش قدام بابا... مهما كان حسام أبو ولادي ولسه جوزي، ومهما حصل بينا، فلازم تفضل نظرة الاحترام موجودة عشان ولادنا. عبدالله، وهو يقف ليحتضنها وبصوت أجش قال: ـ ابني حمار عشان بغبائه ضيعك من إيده. بعد اللي عامله فيكي، لسه عايزة تحافظي على شكله قدام الناس؟ هنا بحزن: ـ نصيبنا إن حياتنا متكملش مع بعض. عبدالله: ـ بس لسه في أمل لكن الأمل ده متوقف عليكي. فكري تاني، وفكري الأول في ولادك. هنا: ـ إن شاء الله. في هذه اللحظة جاء محمود. محمود: ـ إنت هنا يا عبدالله؟ عبدالله: ـ جيت أشوف الولاد وأطمن على هنا... وأتكلم معاها شوية. محمود بحدة: ـ عاجبك المهزلة دي؟ عبدالله، وهو ينظر إلى هنا: ـ هنا وعدتني إنها هتفكر تاني، وأنا واثق إنها هتفكر المرادي كويس. ثم غادر عبدالله. محمود بحب، وهو يحتضن ابنته: ـ فكري كويس، والقرار اللي هتختاريه أنا هكون جنبك فيه. هنا وهي تحتضن والدها وبصوت خافت تمتمت: ـ ربنا يخليك ليا يا بابا. .... ليلاً ، ظلت هنا تنظر إلى أطفالها وتتخيل حياتهم من دون أب....فهي قد جربت إحساس الحرمان، لأنها حُرمت من والدتها في سن صغير. نعم، كان والدها يعوضها ويغمرها بالحنان، ولكن إحساس الفقد كان دائمًا بداخلها. كانت ترى الأطفال في سنها يتشبثون بأيدي والديهم، وكانت تنظر إليهم وهي تود أن تفعل ذلك مع والديها، ولكن ما كان يجعلها تتأقلم وتتناسى أن هذا قدرها، ولا يصح لها الاعتراض على مشيئة الله مهما حدث... ولكن هي الآن تحرم أطفالها من أن يعيشوا تلك الحياة التي تمنتها لنفسها. ..... ـ أنا إيه اللي سمعته ده يا هنا؟ معقول هتطلقي أنتِ وحسام؟ طب حسام إزاي يوافقك على كده؟ هنا: ـ ممكن يا رنا منتكلمش في الموضوع ده دلوقتي؟ رنا: ـ ماشي يا هنا، هسكت دلوقتي، بس هقولك حاجة... كان عاجبك حياتي أنا وأخويا المشتتة بين أهلنا، عشان بس كل واحد فكر في نفسه ومفكرش فينا؟ ـ فكري في ولادك يا هنا، وحسام بيحبك على فكرة، مضيعهوش من إيدك. ـ وعلى فكرة، هو قرر يعملك اللي أنتِ عايزاه، وهيسافر تاني سويسرا عشان يستقر هناك. هنا بنبرة صوت تحمل الفزع: ـ هيسافر؟ رنا: ـ ليه؟ هو مقالكيش؟ هنا، وهي تحاول أن تتظاهر باللامبالاة: ـ اللي يريحه يعمله. ... رد حسام على مكالمتها بلهفة وتساءل: ـ الولاد فيهم حاجة؟ هنا: ـ لأ، بخير... إنت هترجع تاني سويسرا؟ حسام بحزن: ـ آه، خلاص مبقاش ليا حاجة تربطني هنا تاني. هرجع أكمل حياتي تاني هناك. هنا، وهي تريد أن تقول له: لا تتركني وترحل، فما زلت أحبك وأنا بحاجة لك، ولكن... أخمدت مشاعرها وقالت بنبرة جافة: ـ طيب إمتى هنطلق؟ حسام، بخيبة أمل، فقد كان لديه أمل أن تتراجع عن ذلك، ولكن فقد خاب أمله: ـ لما هسافر هبعتلك ورقة طلاقك. ـ ممكن أشوف ولادي؟ هنا، بنبرة حزينة: ـ حاضر. .... باليوم التالي، وقفت تشاهده وهو يحملهما ويقبلهما بحنان. حسام بصوت متحشرح: ـ هتوحشوني أوي يا حبايب بابا. خلوا بالكم من ماما واسمعوا كلامها..، بابا بيحبكم أوي وهيبعد عنكم علشان ده الأحسن ليكم ولـ ماما. وأضاف بصوت مختنق نبرته: ـ ماما هتقدر تعوضكم عن حناني، أنا واثق من كده. ثم نظر إليهم نظرة طويلة. ـ ممكن يا هنا تبعتيلي صورهم دايمًا؟ هنا، وهي تشيح وجهها عنه: ـ حاضر. ومرت الأيام بثقل على الجميع. هنا تحاول أن تظهر للجميع بأنها متمسكة وتستطيع أن تربي أولادها بمفردها، مع أنها بداخلها تود أن يأتي لها حسام ويجبرها بأنها تبقى معه كما فعل من قبل بطريقته التي ستظل محفورة في ذاكرتها مهما حاولت أن تنسى. أما حسام، أصبح راضيًا بما حدث؛ لأن هذا ما يستحقه. فمن لا يحافظ على شيء، لا يندم إذا ضاع منه... والآن قد فات وقت الندم. عبدالله، وهو يربت على كتف ابنه بحنان: ـ برضه لسه مصمم تسافر؟ خليك يا ابني، يمكن ترجعوا تاني لبعض وتربوا ولادكم سوا. حسام: ـ للأسف خلاص يا بابا... وجودي بعيد عنها أحسن ليها ولولادي، وأنا واثق إنها هتعرف تربيهم كويس، وهي سامحتلي أطمن عليهم من بعيد. وبحزن أستطرد قائلاً: ـ كفاية إنها مشوهتش صورتي قدام باباها، ولسه مخلياني في صورة الراجل... اللي أنا مستحقهاش. عبدالله، وهو ينظر بأسف إلى حالته التي أصبح عليها، ثم تنهد دون أن ينطق بشىء. ... محمود: ـ على فكرة يا هنا ، حسام هيسافر بكرة. أبلغها والدها بالخبر ثم تركها في حيرتها وأوجاعها. **وفي المطار...** ـ حسام... أخترق هذا الهتاف مسامعه ولكنه ظن بأنه يحلم. أيعقل أن تكون هي؟ ظل واقفًا لبضع ثوانٍ، ثم التفت أملًا بأن تكون هي بالفعل. هنا: ـ متسافرش وتسبنا يا حسام... حسام، وهو ما زال يظن أنه في حلم. هنا بدموع: ـ عايز تسبني لوحدي؟ في حد يسيب بنته؟ مش أنت كنت دايمًا تقولي: أنتِ بنتي؟ في أب يسيب ولاده التلاتة؟ اقترب حسام منها بجسد مرتجف ثم حضنها بقوة حتى يتأكد من وجودها أمامه. ـ أنا جرحتك وظلمتك كتير يا هنا... ومافيش أب بيظلم ولاده. هنا: ـ هنحاول ننسى ونسامح... ونبتدي صفحة جديدة. حسام: ـ بس صفحتي القديمة، كل ما هتفتكريها هتشوفيني الشخص الظالم. هنا: ـ هنحاول نفتكر الحلو، ونننسى الوحش، لحد ما نخلي كل حياتنا اللي جاية أحلى. حسام، وهو يشد من ضمها إلى صدره: ـ بحبك يا أحلى حاجة في دنيتي كلها... يا أم ولادي. ... مرت الأعوام، وقد استطاع حسام أن يمحو تلك الصفحة القديمة ويبدأ صفحة جديدة مليئة بالحب. محمود: ـ أخيرًا اتخرجت يا خويا، وهنعمل حفلة التخرج... طب أنا مالي؟ أنا متخرج من سنتين، لازم أستناك يعني؟ عبدالله بضحك: ـ بس يا مهندس يا فاشل. محمود: ـ أنا فاشل؟ يا دكتور على متفرج. في هذه اللحظة أتت إليهم فتاة تبلغ من العمر تسعة عشر عامًا. ـ يا خسارة تربية ماما فيكم... رجالة آخر زمن. محمود: ـ اتلمي... عبدالله بضحك، وهو يحضن أخته: ـ سيبك من الفاشل ده يا هنون يا حبيبتي. هنا: ـ حبيبي يا دوك. عبدالله بضحك: ـ دوك؟ ماشي يا ستي. ـ بقولك يا هنون يا حبيبتي... هي سارة جاية الحفلة مع عمي هشام وطنط رنا؟ هنا بغمزة: ـ أيوه بقى، قول كده... وأنا أقول الحب ده نزل مرة واحدة ليه. عبدالله: ـ أخص عليكي يا هنون، ده أنتِ حبيبتي. هنا: ـ أيوه يا سيدي، جاية... ثم غمزت له مجدداً: ـ هي أصلًا متقدرش ما تيجيش، أصل الحب برضه بهدلة. ثم تركته وذهبت سريعًا وهي تضحك على حاله. عبدالله بارتياح: ـ الحمد لله... .... حسام: ـ حبيبي الجميل بيعمل إيه؟ هنا: ـ كنت بكلم سلمى... هشوفها هتيجي إمتى. صح... مش حسام رجع من السفر؟ حسام: ـ آه، ما أنا عارف، أمجد قالي. هنا: ـ أخيرًا وافق يرجع مصر. ده بعد ما أمجد وسلمى قرروا يعيشوا هنا... وهو صمم يهاجر أمريكا ويكمل دراسته هناك. دي سلمى نفسها تخليه يعيش هنا ويستقر. حسام: ـ بيفكرني بنفسي. ثم غمز لها: ـ بس طبعًا شُفت حبيبي الجميل من هنا... وبعدين اتدبست من هنا. هنا بغيظ: ـ ماشي يا حسام... امشي من وشي بقى، ما دام اتدبست فيا. هنا الصغيرة: ـ يا لهوي يا بابا، بتقولك امشي... لااا، أوعى تسكت، خد حقك! هنا: ـ وخد بنتك دي كمان وامشي، أنا مش فايقالكم، عايزة أكلم رنا. حسام، وهو يجذب ابنته إليه، التي يعشقها بشدة مثل أمها: ـ يلا يا حبيبة بابا... ثم تركوها وذهبوا. ... ـ أنتِ يا زفتة، هي سارة مجتش ليه؟ هنا لـ شقيقها عبدالله: ـ ييييييه يا عبدالله... بكلمها وقالت جاية والله، سيبني بقى. عبدالله: ـ ماشي يا هنا... ليكي يوم. محمود بدعابة: ـ يا عيني على الحب لما يبهدل الناس. عبدالله بنرفزة: ـ امشي من وشي... في هذه اللحظة جاء أمجد وسلمى وحسام. محمود وعبدالله: ـ مش معقول! حسام ابن (أمجد و سلمى): ـ أكيد أنت عبدالله... وأنت محمود. عبدالله ومحمود: ـ أنت حسام؟ حسام: ـ مبروك يا دكتور عبدالله على التخرج، ومبروك يا بشمهندس. محمود بدعابة: ـ البشمهندس كان قاعد مركون جانب الأستاذ سنتين... عشان يحتفل بحفلة التخرج. الله يرحمك يا جدو... أنت اللي كنت بتنصفني في العيلة دي. حسام "الطفل الصغير" الآن أصبح لديه تسعة وعشرون عامًا، وهو دكتور في جامعة هارفارد يدرس الاقتصاد. في هذه اللحظة جاءت هنا وحسام الوالد. هنا بحب، وهي تحتضن حسام: ـ كبرت ما شاء الله يا حسام. حسام: ـ وحشتيني أووووي يا طنط هنا. هنا: ـ وأنت أكتر يا حسام يا حبيبي. محمود وعبدالله: ـ يا سيدي يا سيدي. سلمي بدعابة: ـ برضه لسه الواد بيموت فيكي أنتِ وحسام... ثم نظرت حولها: ـ هي فين هنا حبيبتي؟ كانت هنا الصغيرة ـ التي تم تسميتها على أسم والدتها ـ، تجلس على أرجوحتها المفضلة، شاردة في أفكارها ، فهي مثل والدتها لا تحب الأجواء الصاخبة. ـ أيوه يا جو، هي فترة وراجع تاني... ماشي، هبقى أبلغك إن شاء الله بميعاد وصولي... سلام. حسام، وهو ينظر إلى تلك الفتاة التي تجلس شاردة بمفردها، ثم قرر الذهاب إليها. حسام: ـ احم احم. هنا بفزع: ـ إيه؟ في إيه؟ حسام بضحك: ـ آسف، مكنش قصدي إني أخضك. هنا بضيق: ـ طيب عن إذنك. حسام، وهو يمسك يدها: ـ ليه قاعدة في الضلمة وقاعدة لوحدك؟ هنا بتأفف: ـ أنت اتجننت؟ سيب إيدي، وكمان أنت مالك؟ وفي تلك اللحظة تلاقت أعينهما، وظلا... وعاد الزمن مرة أخرى لتبدأ قصة جديدة، مع " هنا وحسام " آخرين، ولنترك للقدر دوره في تجميع القلوب... وتنتهي قصتنا. **تمت** #بقلم_سهـــام صادق رواية أحببتك ولكن.