من ورا الشباك امل نصر

واستمر الغياب يوماً تلو الآخر، حتى انقضى أسبوع كامل دون أن تلمحه.

أقنعت نفسها بأنه لا بد من وجود مشغلٍ هام أو ظرفٍ قاهر منعه، فباتت دعواتها الصادقة: “يارب ما يكون تعب ولا مريض”، لا تفارق لسانها أبداً. وفي اليوم التالي تكرر الأمر، ثم الثالث والرابع، حتى مضى أسبوع كامل دون أن تلمح طيفه.

كان عقلها يكاد يطير من مكانه؛ فحر,قة السؤال عن سبب غيابه تنهش تفكيرها. لا بد من وجود أمر جسيم جعله يهجر مكانه المعتاد أمام شرفتها. فقدت شهيتها للطعام، وتعثرت في مذاكرتها، وبات كل شيء حولها باهتاً وفاقداً لقيمته؛ فرؤيته كانت بمثابة النافذة التي تطل منها على الحياة، وصوته كان أعذب من كل الأغنيات. كانت تناجي طيفه بمرارة: “يا ترى ايه اللي حصلك يا مصطفى وخلاك تغيب عن عيوني بالشكل ده؟”.

وفي ذروة شرودها، تناهى إلى مسامعها فجأة صوت يشبه صوته تماماً؛ فانتفضت فوراً نحو الشرفة لتستطلع الأمر. وبالفعل، وجدت مصطفى يتحدث مع صبيه في شأن يخص الزبائن. ركزت عينيها عليه بلهفة، منتظرة أن يرفع رأسه نحوها، لكنه ظل مشغولاً وقتاً طويلاً، وهي تكاد تمو,ت شوقاً لنظرة واحدة.

وحين حدث أخيراً والتقت عيناهما، صُدمت بنظرة غريبة جافة، خالية من أي بريق لمشاعر قديمة، ولا أثر فيها لهفة الاشتياق التي تملأ عينيها هي. “هو إيه اللي حصل؟!”؛ سألت نفسها هذا السؤال بوجع حين رأته يعاود تجاهلها بتعمد، وكأنه لا يراها أصلاً.

شعرت بحزن يمزق قلبها؛ فهذا الشخص بدا وكأنه غريب عنها، ليس مصطفى الذي تعرفه. لقد تغيرت معاملته تماماً، مما أكد لها أن غيابه كان مقصوداً. هل أخطأت في حقه؟ هل تسببت في زعلٍ لا تدركه؟

تكاثرت الأسئلة داخلها دون إجابات شافية، ولم تكن تتخيل أن تهون عليه بهذا الشكل. ومع استمرار مجيئه للمقهى وتجاهله المتعمد لها، قررت أخيراً اليأس من التفاتته، والالتفات بدلاً من ذلك إلى دراستها، محاولةً نسيان الأمر رغم علمها باستحالته. صممت على النجاح لتفرح قلب والدتها على الأقل، فمستواها الدراسي يؤهلها لتحقيق حلم الجامعة أو المعهد.

لكن المفاجأة الكبرى حدثت بعد أسبوع؛ فبينما كانت عائدة من مدرستها، وعلى وشك دخول شارعهم، اعترض طريقها فجأة ووقف أمامها. تسمرت مكانها تنظر إليه باستغراب، فهي المرة الأولى التي يبادر فيها بمثل هذا التصرف. حاولت التحرك وتجنبه، لكنه باغتها بسؤال أوقف أنفاسها:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!