من ورا الشباك امل نصر

بالطبع، شعرت بوجود ابن الجيران مصطفى، الذي يقطن في آخر الشارع لكن مقهاه يقع مقابل منزلهم تماماً. تظاهرت بعدم الانتباه لنظراته، وهي تعلم يقيناً أنه يستيقظ باكراً كل يوم ليجلس على تلك الطاولة المواجهة لشرفتها خصيصاً ليراها؛ فهي ليست غافلة عن نظراته المصوبة نحوها الآن.

أنهت سقي الزرع واعتدلت لتستند بيديها على حافة الشرفة، متظاهرة بمتابعة حركة الشارع، حتى التقت عيناهما لثوانٍ، فابتسم في وجهها ونادى بصوت عالٍ على صبيّ المقهى:

— ولا يا حوكشة.. انت ياض!

— نعم يا معلمي.

— سيب اللي في أيدك ياض وروح اتشطر كدة وهاتلي ياض شاي بحليب وكتر الحليب عشان انا بمو,ت فيه.. بمو,ت فيه أوي!

كبتت مرام ابتسامة أمام تلميحه المبطن، قبل أن تضحك غصباً عنها على تعليق الصبي:

— طب وانت عايزني اروح فين ما تشرب شاي على ما يوصل المعلم الكبير بالطلبات اللي ناقصة القهوة، ولا هي حبكت بالحليب يعني؟

— يا بن الـ….!

صاح بها بعصبية جعلتها تبتسم وهو يتابع انفعاله:

— روح ياض واشتري حليب مخصوص من عند البقال ومتستناش المعلم، واهو بالمرة تعملي طبق مهلبية حكم انا بحب أي حاجة يدخل فيها الحليب.

قال جملته الأخيرة موجهاً نظره إليها بمغزى جعلها تخجل وتنسحب لداخل غرفتها، بينما سمعت تذمر “حوكشة” خلفها:

— كمان مهلبية؟ ناقص كمان اعملك رز بلبن عشان تبقى كملت!

— يا بن الـ… متخلنيش أعند معاك يا حوكشة!

أسرعت بخطاها وانفجرت ضاحكة على مشاكستهما اليومية التي لا تفشل أبداً في إضحاكها.

هدأت أخيراً وعادت للمرآة بفرحة غامرة، تتأمل نفسها وتتثنى بانتعاش يتكرر يومياً؛ فلا شيء أجمل من شعور الأنثى بالإعجاب، والأجمل أن يكون من تحب هو من يبادلها هذا الشعور.

كانت تعيش حالة من الهيام قبل أن تنتفض على صرخة والدتها وطرقة عنيفة على الباب:

— انتي يا زفتة ناوية تغيبي النهاردة عن مدرستك ولا ايه؟

شهقت مذعورة وقد عادت من عالمها الوردي إلى واقع غضب والدتها، فقالت بلجلجة وهي تسحب حقيبتها وهاتفها:

— أيوة يا ماما انا جاية اهو!

في المدرسة الثانوية التجارية، وخلال الاستراحة، فضلت مرام البقاء في مقعدها، رافضة الخروج مع الفتيات، لتختلي بصديقتها الوحيدة ندى وتحكي لها عن جارها مصطفى:

— يا ندى بقولك بيفضل مستنيني الصبحية كل يوم، واول ما اطل م البلكونة يرمي كلام بالسيم عشان يغازلني، زي ما بيعمل كدة كل ما اعدي عليه وانا رايحة المدرسة أو راجعة من أي مشوار.. دا أكيد بيحبني، معقول يعني اكون بيتهيألي؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!