من ورا الشباك امل نصر
في المساء، وعلى مكتبها، كانت مرام في حالة شرود عميق؛ كلمات لميا تدور في رأسها، وفي المقابل تحذيرات والدتها من الحديث مع الغرباء.
أخرجها صوت أختها ريهام من شرودها:
— إيه مالك يا مرام إنتي بتكلمي نفسك؟
— هاا… لا متشغليش نفسك انتي دي حاجة بسيطة.
— هي ايه اللي بسيطة مدام بتفكري بصوت عالي؟ كمان دا معناه انها مش بسيطة.. قولي لو عندك مشكلة.
ارتبكت مرام وحاولت الإنكار:
— مش لدرجة مشكلة يا ريهام دي حاجة مش مستهلة.
— بسيطة بقى ولا مش مستاهلة؟ ما تقولي يا بنتي ع اللي شاغلك ولا هو سر حربي يعني؟
استغلت مرام الفرصة لتعرف رأي أختها الكبرى:
— لا والله ما سر حربي هو بس حاجة كدة سمعت عنها النهاردة في المدرسة وانا بتكلم مع البنات.. شوفي يا ستي اصلهم كانوا بيتكلموا عن واحدة زميلتنا بتحب واحد معاها في المدرسة بس أكبر منها، فنفسها تكلمه عشان هو باين عليه انه بيحبها وهو ساكت، وهي عايزاه يتحرك، فواحدة من زميلاتنا اقترحت عليها تقدم عنده طلب صداقة على حسابه ع النت عشان تسهل الدنيا عليه ويبقى فيه طريقة للتواصل.
أجابت ريهام بصرامة:
— غلط.
— ايه؟
— بقولك غلط.
— غلط ليه يا ريهام؟
ردت الأخت بنبرة حادة:
— عشان هو فعلا غلط، صاحبتك لازم تعزز نفسها، وهو لو بيحبها هيلاقي الطريقة اللي توصله بيها، وأكيد يعني الحلال مفيش احلا منه.. مع أني شايفة انه مينفعش وانتي بتقولي زميلها في المدرسة يعني حتى لو كبير هيبقى كام سنة يعني؟ سيبك منهم بلاش كلام فارغ وبصي لمذاكرتك، والدتك بتحوش القرش ع القرش عشان تأمن دخولك المعهد أو الكلية بعد ما تخلصي وانتي سرحانة في مشكلة صاحبتك؟ دا ايه الخيابة دي!
كانت الكلمات قاسية وأحرجت مرام، فقررت التركيز في كتابها خاصة وأن الامتحانات بعد شهر.
في اليوم التالي، استيقظت مرام وجهزت نفسها، وذهبت لشرفتها لتلقي نظرة على مصطفى، لكن المفاجأة كانت في غيابه عن مقعده المعتاد. بحثت عنه في أرجاء المقهى فلم تجده، وظلت تنتظر حتى داهمها الوقت ودخلت والدتها الغرفة:
— انتي يا بنت انتي الساعة داخلة على تمانية ناوية تغيبي النهاردة ولا ايه؟
اعتذرت مرام وأسرعت لمدرستها، آملة أن تراه عند عودتها، لكنه لم يظهر أيضاً. كاد جنونها يطبق عليها؛ فهذه المرة الأولى التي يمر فيها يوم دون رؤيته أو سماع صوته، وأقنعت نفسها بوجود عذر قاهر منعه. وظلت تردد بقلبها: “يارب ما يكون تعب ولا مريض”.