كاره النساء
بغضب أردفت نريمان:
-ونش يشيلك انت.
سددت لها أمها نظرة عتاب ثم التفتت لمالك وقالت له بنبرة معتذرة ويدها تطبطب على كتفه:
-معلش يامالك ياولدي متاخدش عليها.. استحملها عشان خاطر عمك وخاطري.
تنهد مالك بمضض ثم انحني وزحف بيده تحت رقبتها واليد الاخرى أسفل ساقيها..فلفت يدها السليمة حول رقبته..وما إن رفعها حتى استنشقت أنفاسه عنوة..فاخترقت رئتيها بقوة..وحرقتها..أججتها، لسعت قلبها..وارتفعت دقات قلبها، وعلت نبضاته..قلبها الذي أصبح مجردا بدونها كطائرة ورقية تطير في الهواء وطفل يلهو بها كيفما شاء.. لم تستطيع التنفس هل نفذ الهواء.. أكل هذا لأنه حملها، تقاوم بصعوبة تلك القشعرية التي تسللت الى جسدها، وتدعو الله أن يسترها أمام ذلك الجلف فانفاسها العالية المضطربة كادت تفضحها.. اجلسها مالك على مايسمى( بالكومبنيشن) بحذر ثم خرج سريعا بعد أن قال:
-بعد متخلصو يامراة عمي ازعقي عليا عشان ارجعها مطرحها.
-ماشي ياحبيبي.
اغلقت امها الباب وراحت تساعد ابنتها في نزع ملابسها وهي تقول لها بتعنيف:
-حرام عليكي ال بتعمليه في الراجل ده..وهو مستحملك بس عشان خاطر ابوكي يباي عليكي بت متتطقيش.
لم تجاوبها نريمان وانما راحت تزفر كل ما تحمله في قلبها من انفعالات التي نتجت عن حمل ذلك الجلف لها.
********************************
-سلامتك يانانا ألف سلامة عليكي ياحبيبتي
قالت ذلك جومانة صديقة نريمان المقربة وهي تقبلها في خديها..فتاة في عمر نريمان في السادسة عشر من عمرها، خمرية البشرة..عيناها واسعة بها جحوظ طبيعي خفيف، ترتدي عوينات طبية محجبة تحب نريمان وتعتبرها بمثابة الأخت، جلست بجوارها على الفراش وهي تسألها بقلق ويدها تعدل حجابها:
-ايه يبنتي..ايه الحصلك وقعتي ازي الوقعة السودا دي؟.
تنهدت نريمان بضيق ثم أردفت بغيظ:
-وقعت ياستي بسبب الزفت الجلف ده ابن عمي..ثم حكت لها ما حدث.
كتمت جومانة ضحكتها حتى كادت أن تستلقي على ظهرها..ثم أردفت ومازال الضحك يعبأ فمها:
-ياااعيني..من حفر حفرة لأخيه وقع فيها.
-أنتي حتقولي زيه.. آه ياغلسة.
قالت ذلك نريمان بنبرة مغتاظة فضربتها بيدها على ركبتها.
عدلت جومانة من حجابها وبالكاد قتلت ضحكاتها..ثم قالت بنبرة ممزوجة بالجدية:
-يابنتي خفي عالواد شوية..هو عملك إيه بس لده كله..طب احنا ومستحملينك بس عشان بنحبك..إنما هو حيستحمل قلطتك ليه ياختي؟
صرخت فيها نريمان ولم يعجبها مناصفتها له:
-جومانة متلمي نفسك أنتي جاية تتطمني عليا ولا تقطميني.
-لا ..لا ياستي خلاص حتلم اهو
هتفت بها جومانة وهي تضع يدها على فمها على الرغم من فظاظة نريمان..وعجرفتها الا انها تتحملها لانها تحبها..انها رافضة لطريقتها المتعجرفة تلك وكم حاولت كثيرا أن تغير منها ولكنها لم تستطيع..لقد هاتفتها كثيرا وحكت لها عن ابن عمها وسعدت كثيرا برد فعله على تصرفاتها، وشعرت أنه قد يكون أرسله الله لكي يقوم من سلوك صديقتها..هي تعلم أن نريمان بداخلها شخصية طيبة معطاءة ظهر ذلك لها من خلال المواقف التي بينت معدنها وأصالتها فكم من مأزق تعرضت له وقفت بجوارها فيه وكانت خير الصديق وخير المعين..لقد رأت خلف شخصيتها الملطخة بالغرور..تكمن شخصية أخرى رقيقة وحنونة وطيبة..قد لا يعرف ذلك أحد حتى نريمان نفسها لا تعلم بتلك الشخصية المتناقضة المختبئة بداخلها..فجأة احتل الحزن وجهها وكأنه كان مختبئ خلف ضحكاتها لصديقتها..وما أن لاحت له الفرصة حتى هجم على قلبها، وغير وجهها حتى أن نريمان لاحظت ذلك خاصة عندما ظهر ذلك الحزن عندما قالت جومانة بنبرة مفعمة بالمرارة:
-أنا مش عارفة يانانا أنتي ربنا مديكي أهل بيعاملوكي بحرية بتعملي ال أنتي عايزاه، بدل ماتحمدي ربنا..لا بتتمردي ..متبصيلي أنا ال بابا قافل عليا قفلة سودا..لا خروج ولا بص من الشباك ولا باب..وممنوع اتكلم مع أي حد غيرك..حتى الحجاب واللبس فرضهم عليا.
قالت جملتها الاخيرة وهي تشير على حجابها وثيابها المحتشمة بضيق.. ثم اكملت بيأس:
-ومع ذلك متحملة ده كله ولولاكي لكنت انتحرت..لكن أنه يصمم يجوزني زميله ده بقى ال عمري محتمله ابدا..
أجهشت بالبكاء ولم تستطيع أن تكمل حديثها المرير ..اقتربا حاجبي نريمان في ضيق من أجل صديقتها وقوست فمها بأسف فربتت على يدها وهي تقول:
– طب إهدي طيب كده وبطلي عياط.
من وسط دموع القهر راحت تلقي بشكوتها لديها:
-أهدى ازاي بس ..عارفة يعني ايه واحدة عندها ستاشر سنة تتجوز واحد عنده 45 سنة يعني أكبر منها ب 29 سنة..قوليلي طيب أعيش ازاي بعد كده مع واحد قد أبويا.
وانسابت دموعها على وجنتيها انهارا ..فزفرت نريمان باستياء من والد صديقتها المستبد هذا فقالت :
-مش عارفة اقولك ايه بصراحة..أبوكي ده بيعمل كده ليه معاكي ..اكنك مش بنتنه وبيكرهك.
ثم التفتت لها وتابعت:
-طيب ايه رأيك أخلي بابا يكلمه.
-لأ..أوعي يانانا..أنتي عارفة بابا ميحبش حد يدخل في قرارته..وبعدين انتي مش فاكرة لما كنت عايزة اروح الرحلة بتاعة المدرسة السنة الفاتت ومرضيش ولما كلمه بابكي ..ساعتها اخدت علقة مش نساياها لحد دلوقت.
نريمان بقلة حيلة:
-طب وبعدين حتعملي ايه؟؛ طيب اتكلمي انتي تاني معاه.
لوت جانب فمها بيئس وقالت بعجز مفعم بالسخرية:
-مفيش فايدة من الكلام معاه حتى لو اتكلمت..فرحي قبل بداية السنة الجديدة بأسبوع.
-أييييييييه..بتقولي أيه؛ ينهار أسود بالسرعة دي ..يعني ايه شهرين وتتجوزي؟؛
أمنت جومانة على كلامها بايمائة من رأسها اودعت فيها حسرتها.. مسحت دموع الذل ثم نهضت وهي تقول بكلمات تحتضر:
-أنا حقوم بقى لحسن أتاخر وبعدين يبهدلني.
قبلتها جومانة قبلة الانصراف في وجنتيها فهمست لها نريمان:
:طيب ياحبيبتي..أبقى طمنيني عليكي.
وما ان انصرفت جومانة حتى اطلقت نريمان دموع الأسف والحزن على صديقتها.
**********************************
لقد باتت تدمن حمله لها، تدمن أنفاسه التي حلت محل الهواء، تدمن تناغم دقات قلبه مع خفقات قلبها، تدمن حرارة جسده التي تخترق جسدها فتبعث اليه الدفئ كأشعة الشمس في يوم شديد البرودة.
كل يوم من أربع الى خمس مرات يحملها، حتى أنها احيانا تخلق المعازير لحملها حتى تعيش ذلك الجنون الذي يحدث لها ..عندما يرفعها على ذراعيه ويرفع قلبها معها الى عنان السماء..ذلك الأحساس الغريب الذي تتذوقه لأول مرة في حياتها، اهتمامه بها وتحمله لعجرفتها ولسانها السليط يأسرها.
أنها حزينة الآن وفي أشد حالات ضيقها، لأنها سوف تحرم من ذلك الشعور الجميل..هاهم يلتفون حولها سعداء لأن الطبيب ينزع عن قدمها الجبيرة، لكن أين هو؟ لماذا لم يقف معهم حتى يطمئن عليها..يطمئن عليا؟؛ لما؟؛ هل رأى منك شئ حسنا يجعله يسأل عن حالك؟؛ لقد أدى واجبه نحوك و ليس من أجل عيناكي بل من أجل والديكي، فماذا تنتظرين منه بعد ذلك؟
أخرجها من شرودها الحزين صوت الطبيب وهو يقول لها بابتسامة:
-حمدالله على سلامتك ياست البنات..والف مبروك على فك الجبس..دلوقت بقى تقدري تتحركي براحتك.
همست بشرود ونبرة يشوبها الضيق:
– الله يسلمك.
تعجب الطبيب من حزنها البادي في ردها فسألها بمداعبة:
-أيه ياست البنات انتي زعلانة ولا أيه عشان حتفكي الجبس ..ايه نخليه شوية كمان؟؛
ابتسمت نريمان بمجاملة على مداعبته ولم تستطيع النطق..او أنها لا تريد التحدث..حتى انها لم ترد على أحد عندما هنئونها على سلامتها واتمام شفائها..واكتفت بايمائة من رأسها وابتسامة خفيفة، ولما لملم الطبيب اغراضه وانصرف..جلست أمها بجوارها وسألتها بقلق وهي تقربها من حضنها:
-مالك يانانا في ايه؟ شكلك زعلان كده ليه؟أنتي حاسة بوجع تاني في رجلك ولا دراعك.