الفصل الثامن من ليلى وعمران بقلم سيلا وليد | Social Story Chapter
في تلك اللحظة حمل فريد أخته بين ذراعيه، وضم جسدها المرتخي إلى صدره.
وقال بصوتًا خرج مبحوحًا من الخوف:
— ماما!
التفتت إليه وفاء.
— ليلى بتموت يا ماما! لازم نلحقها!
شهقت وفاء، وركضت نحوهما وهي تبكي:
— بنتي… يا روح قلبي!
اقتربت منهما والدموع تغرق وجهها:
— حسبي الله ونعم الوكيل…
ارتجف صوتها:
— يا رب… إنت شايف اللي حصل لبنتي.
ثم احتضنت رأس ليلى، وهي تردد بانهيار:
— يا رب ما تسيبش حقها… يا رب رد لها وجعها في اللي ظلموها… ي
بينما صرخ فريد:
— لازم نوديها المستشفى حالًا!
وتحول البيت في لحظات إلى صراخ وفوضى…
أما ليلى…
فكانت غارقة في غيبوبتها، لا تسمع شيئًا.
ولا تدري أن آخر كلمة خرجت من بين شفتيها قبل أن يغيب عنها الوعي…
لم تكن لا…ولم تكن موافقة…
كانت اسم الرجل الذي احبته، رغم أنه حطم قلبها…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عند عمران…
وصل إلى المنزل بعد وقتٍ لا يعرف كم استغرقه، وترجل من سيارته بجسدٍ مترنح، كأن الطريق كله مرّ فوق صدره.
لم يذهب لوالدته، لم يرد أن يراه أحد بهذه الحالة… لم يرد أن تنكشف هشاشته التي حاول طوال عمره أن يخفيها خلف بروده وقسوته.
صعد إلى غرفته بخطوات ثقيلة، فتح الباب ودلف إلى الداخل، ثم ألقى مفاتيحه وهاتفه وساعته بلا اهتمام، قبل أن ينهار بجسده فوق فراشه.
استلقى على ظهره، وحدق في السقف بعينين زائغتين.
لكن صورتها كانت أقوى من أن يهرب منها…رآها بفستان زفافها.
أغمض عينيه بقوة، وكأن إغلاقهما سيمنع تلك الصورة من الظهور، لكنها ازدادت وضوحًا.
فستان أبيض… وجه شاحب… عيون منكسة… ورجل آخر يقف إلى جوارها.
تجمعت الدموع في عينيه دون أن يشعر.
لأول مرة في حياته، يفهم معنى أن يكون الألم أكبر من قدرة الإنسان على احتماله.
قديمًا… كان الحب بالنسبة إليه شيئًا عابرًا.
حب مراهقة مرّ به، وحين انتهى ظن أنه انتهى معه كل شيء.
وتمضي الايام والسنين ويعود قلبه للنبض
ليلى التي دخلت حياته دون استئذان، تسللت إلى قلبه في الوقت الذي كان يظن فيه أن قلبه لم يعد يعرف الحب.
ضحكتها…خوفها…ارتباكها…
كل مرة قالت فيها اسمه.
كل مرة نظرت إليه وكأن وجوده وحده يمنحها الأمان.
كيف يتغلب على كل ذلك الآن؟
كيف يقتلع إنسانة من قلبه بعدما جعلها جزءًا من نبضه؟
ارتجف حين استمع الى، همسة صدحت بااذنه:
— أنا بحبك أوي يا عمران…
انتفض جسده فجأة، واعتدل في جلسته بأنفاس متسارعة.
فتح عينيه، كأن صوتها جاءه من جواره بالفعل.
— ليلى..همس بها يبحث عنها
جلس و قلبه يضرب بعنف، والذكريات تتهاوى فوق رأسه كصفعات متتالية.
ضحكتها.. صوتها.. خجلها.
نظراتها إليه.
وكلمتها التي ظلت عالقة في داخله:
“أنا بحبك.”
نهض من فوق الفراش بعنف.
— كفاية!
دار في الغرفة ذهابًا وإيابًا، يمرر يده في شعره بجنون.
لا يريد أن يتذكر.. لا يريد أن يسمع صوتها.
لا يريد أن يرى وجهها.
يريد فقط أن يخرجها من رأسه!
لكن عقل الإنسان حين يحاول النسيان، يصبح قلبه أكثر عنادًا.
كل لحظة بجوارها عقله ذكّره بها.
كل نفس أخذَه حمل رائحتها.
وكل نبضة في صدره كانت تنطق باسمها.
ضرب كفيه على وجهه بعنف.
— اخرجي من دماغي بقى!
لكن ضحكتها الطفولية ارتدت في أذنيه من جديد.
ضحكتها التي كان يحبها…
والآن أصبحت تؤلمه أكثر من أي شيء.
رفع رأسه إلى السماء، والدموع تنساب رغمًا عنه.
— يا رب… خليني ما أسمعش صوتها تاني.
سكت لحظة، ثم ابتسم بمرارة.
— حتى لو أصم… بس ما أسمعهاش.
اتجه إلى هاتفه فجأة.
فتح الصورة التي وصلته.. ظل يحدق فيها طويلًا.
هذه المرة لم ينظر إلى فستان الزفاف فقط.
عيناه راحتا تلتهمان كل تفصيلة في وجهها.
شفتيها المجروحتين…وجهها المتورم…
آثار الألم التي لم ينتبه إليها من قبل.
تجمد.. قطب جبينه.
— مين عمل فيكي كده؟
اقترب من الصورة أكثر.
ثم عاد إلى الوراء.. كان هناك شيء خاطئ.
شيء لا يستطيع فهمه.
لكن الغيرة كانت أعلى من عقله.
زوجها.. الرجل الذي اختارته.
الرجل الذي وقفت إلى جواره بفستان زفافها.. الرجل الذي من أجله تلاعبت بمشاعره
ضغط على أسنانه حتى آلمته.
رفع هاتفه واتصل دون تردد
— علي.
جاءه الصوت من الطرف الآخر:
— أيوة يا عمران، معاك.
— هبعت لك اسم واحد… تتصرف وتعمله ق\ضية. لازم يبات في السجن الليلة.
صمت علي لحظة.
— واحد؟! مين ده؟
— خليك معايا… هجيب لك الاسم.
أغلق المكالمة، ثم بدأ يقلب في هاتفه بعصبية.
أصابعه ترتجف.
كان يعرف أنه يتصرف بدافع الغضب.
يعرف أنه ربما يظلم رجلًا لا يعرف عنه شيئًا، لكن الألم كان قد أعماه.
هي لعبت بمشاعره كما يظن…
خدعته…جعلته يصدق أنها تحبه، ثم ذهبت في النهاية إلى رجل آخر.
أقسم أن هذه الليلة لن يتركها تنعم بما فعلته به.. عاد واتصل بعلي.
— علي!
— معاك يا عمران.
— اسمه هشام محمد المختار.
— حاضر… بس ده مش من القاهرة.
— لا… هتلاقي اسم المحافظة عندك لما تبحث عن اسمه.
صمت علي لحظات.
— خلاص ظهر عندي.
— خلال نص ساعة تتصل بيا وتقولي اتحبس.
__ودي اعملها ازاي، بتهمة جوازه من امي
_علييي… صرخ بها
— طيب عمل فيك إيه يا عمران؟
اشتعلت عيناه.
— نفذ من غير أسئلة.
قالها وأغلق الهاتف.
ظل واقفًا للحظات، ثم ألقاه فوق الفراش.
دخل الحمام، وغاب دقائق، لكنه لم ينجح في تهدئة شيء.
وعندما خرج، جلس على طرف السرير.
انتظر.. ثوانٍ…دقائق…حتى وصل ساعة كاملة، لم يتحرك.
كان الهاتف أمامه، وعيناه معلقتان به كأنه ينتظر حكمًا على حياته كلها.. لايريد أن تهنأ هذه الليلة
ضغط على شفتيه بقوة ادماه، وغيرته المجنونة تعميه، يضحك على نفسه، هو لايريد أحدًا يلمسها، يريد أن يحطم اي أحدًا يقترب منها، حتى اذ هي خدعته باسم الحب، المهم عنده لا احد يقترب منها
ارتفع رنينه، التقطه فورًا.
— كله تمام؟
— أيوة.
— اتحبس؟
— أيوة.
سكت عمران لحظة، ثم سأل بصوت بارد يخفي تحته نارًا:
— التهمة إيه؟
— الواد ده حشاش، بيشرب بانجو، وملموم على شلة مش تمام… وعرفت كمان إنه نسونجي.. توقف نفس عمران.
حدق أمامه.
إذن…هذا هو الرجل الذي اختارته؟
هذا هو الرجل الذي تركته من أجله؟
شعر بشيء يمزق صدره.
— عمران؟ معايا؟
ابتلع مرارته.
— معاك… كمل.
— الواد كان فرحه الليلة. بصراحة اتضايقت، ولولا إنك صاحبي مكنتش عملتها.
في اللحظة نفسها، قبض عمران على الكوب الموجود بجواره.
ضغط أكثر…حتى تحطم الزجاج داخل قبضته، وسال الدم بين أصابعه.
لم يشعر بشيء.
— المهم… مش عايزه يطلع.
— طيب مش تعرف دخل ليه؟
— ميهمنيش.
— عمران…
— المهم يدخل… وميخرجش غير لما أنا أقول.
صمت” علي” لحظة، ثم قال:
— حرام عليك يا عمران. ده عريس، بدل ما تكون دي ليلة العمر مع مراته، تحبسه؟
انفجر عمران:
— اخرس!
قالها وأغلق الهاتف.
ظل واقفًا مكانه.
صدره يرتفع ويهبط بعنف.
كان يظن أن حبس الرجل سيمنحه راحة.
أنه حين يمنعه عنها ، سيشعر أنه استعاد شيئًا من حقه.
لكن…لم يشعر بأي راحة.
على العكس، ازدادت النار اشتعالًا.
لأن الحقيقة لم تتغير.. ليلى ما زالت زوجته.
رجل آخر يحمل حقًا لا يملكه هو.
رجل آخر ستعود إليه الليلة.
وفجأة، أدرك الحقيقة التي حاول الهروب منها:
هو لم يكن يريد الانتقام من هشام…
كان يريد الانتقام من ليلى.لأنها جعلته يحبها، ثم غدرت به.
جلس على طرف السرير، ومرر يده على وجهه.
— ليه يا ليلى؟
خرج السؤال مبحوحًا.
— ليه عملتي فيا كده؟
لم تجبه إلا ذكرياته.. رفع هاتفه.
فتح اسمها.. تردد لحظة، ثم ضغط اتصال.
مرة… لا رد، أعاد الاتصال.
مرتان، ثلاث، ولا إجابة.
اشتعل غضبه.
— ردي…
اتصل مرة أخرى.
لا شيء.
بدأ غضبه يتحول إلى خوف.
هل هي معه؟
هل تخبره الآن أنها اختارت زوجها؟
هل تحتفل معه بزفافهما؟
هل تنام مطمئنة بين ذراعيه بينما هو يموت هنا؟
ضغط على الهاتف بقوة… كيف؟ وعلي اخبره بسجنه
ثم فجأة، قذف به في الحائط.
— ردييييي!
سقط الهاتف أرضًا.
وانهار صوته.
— ردي… عايز أسمع صوتك دلوقتي!
ضرب صدره بقبضته.
— عايز أفهم! عايز أعرف إزاي قدرتي تعملي فيا كده؟
تعثرت أنفاسه.
— تيجي تعيطي عندي الصبح…
ضحك ضحكة موجوعة.
— وبالليل… تتجوزيه؟
هز رأسه بعنف، والدموع تنهمر دون مقاومة.
— أنا كنت إيه بالنسبة لك؟
سقط جالسًا على الأرض.
لأول مرة لم يحاول أن يخفي دموعه.
لم يكن عمران البارد.. ولا رجل الأعمال الذي لا يهتز.
ولا الرجل الذي اعتاد أن يسيطر على كل شيء.
كان فقط…رجلًا مكسورًا.
رجلًا أحب امرأة حتى صار وجودها جزءًا من حياته، ثم وجدها واقفة بفستان أبيض إلى جوار رجل آخر.
رفع عينيه إلى الفراغ.
— أنا حبيتك بجد
خرجت الكلمات كأنها اعتراف ينتزعه الألم من بين ضلوعه.
— والله ما كنت بلعب بيكي…
شهق، ومسح وجهه بعنف.
اختنق صوته وخرج مبحوحًا، محملًا بكل القهر الذي عجز عن إخراجه:
— زبااااااااالة…
ثم خفت صوته.
— بس أنا اللي طلعت غبي…
أغمض عينيه.
وتسللت إلى رأسه صورتها من جديد.
هذه المرة لم يرَ حالتها ب فستان الزفاف.
بل تخيل أنها تبتسم لغيره، وتكون ملكه
لم يعد يصدق شيئًا من كلمات
فانهار أكثر.. لأنه، رغم كل غضبه…
رغم كل ما فعلته..ورغم اقتناعه بأنها غدرت به…كان قلبه اللعين ما زال يحبها.