"اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك " قدرًا لايشبهه بقلم سيلا وليد نظرت ليلى إلى المأذون، فانتفض جسدها بالكامل، وكأن صوته وحده كان كافيًا ليعيدها إلى كل ما حاولت الهروب منه. كانت النظرات المحيطة بها تنهشها كسهامٍ مسمومة، والكلمات التي سمعتها منذ أن وطأت قدماها منزل والدها ما زالت تتردد داخل رأسها بلا رحمة: خاطية... زانية... هتتجوز... دخلة بلدي... اغسل عارك. أغمضت عينيها بقوة، تحاول إسكات تلك الأصوات، لكن بدلًا منها ظهرت أمامها صورة.. عمران. ضحكاته... نظراته... اعترافاته التي جعلت قلبها يرفرف من السعادة... قربه منها... وذلك الحنان الذي أغدقه عليها حتى شعرت، ولو لشهر واحد فقط، أنها أهم امرأة في العالم. شهر واحد فقط... شهر جعلها كنجمةٍ ساطعة في السماء، ثم هوى بها من سابع سماء إلى سابع أرض. رأت الفيديو من جديد... عمران مع أخرى. قبلات مجنونة، ونظرات عاشقة، كأنها لم تكن يومًا في حياته. ثم تذكرت ذهابها إليه... كيف كانت نظراته إليها باشمئزاز؟ كيف اتهمها بأبشع الكلمات؟ كيف طردها من أمامه وكأنها شيء مقزز لا يستحق حتى الوقوف أمامه؟ ثم ضربات أخيها... صرخات أبيها... كل شيء اجتمع فوق قلبها في يوم واحد. يوم واحد فقط... كان كافيًا لتكره الحياة، وتتمنى لو أن الموت يمد يده إليها وينهي كل هذا الألم. ارتجفت شفتاها، وانسابت دمعة ساخنة على وجنتها. وفجأة، جاءها صوت المأذون كأنه حكم بالإعدام: _ليلى محمود المختار، موافقة على جوازك من هشام محمد المختار نظرت اليه بضياع، وتذكرت كلمات عمران —ايه مش مرات عمران الزيني... توقفت أنفاسها. ارتجف قلبها بعنف. ثم كلمات والدها — دخلتك على ابن عمك... تجمدت أطرافها. فتحت عينيها ببطء، بينما كان المأذون يكرر سؤاله: — ليلى محمود المختار... موافقة على هشام محمد المختار؟ رفعت عينيها المرتجفتين نحو هشام. فالتقت عيناه بعينيها، وعلى شفتيه ابتسامة باردة، ساخرة. تذكرت كلماته قبل قليل، حين اقترب منها وهمس بجوار أذنها بصوت جعل الدم يهرب من عروقها: — قولتي إنك مش بتحبيني، وعمرك ما هتفكري فيا... اقترب أكثر، ونظر إليها بنظرات مخيفة. — وأنا بقى الليلة هعيشكِ أسود ليلة في حياتك. هخلي صوتك يوصل للناس كلها، علشان تعرفي اللي بيدوس على هشام بيتعمل فيه إيه. شهقت بصمت، وعيناها اتسعتا رعبًا. تابع بهدوء أكثر رعبًا: — ومتأكد إن الحيوان ده ملمسكيش... بس خليهم يثبتوا ده. ابتسم ابتسامة خبيثة. — وفي ليلة واحدة هعلّم في حياتك كلها. ومش بس كده... تاني يوم هتجوز عليكي أحسن بنت في البلد. صاحبتك... وإنتِ عارفاها. ثم مال عليها، وهمس بهسيسٍ مرعب: — وكل ليلة هخليكي تتمني الموت يا بنت عمي. ارتعشت ليلى بعنف. كانت تسمع دقات قلبها داخل أذنيها. وكأن قلبها نفسه يصرخ طالبًا النجدة. وللحظة واحدة فقط... تمنت أن يظهر عمران. تمنت أن يفتح الباب فجأة، أن يقتحم هذا المكان، أن ينتشلها من بين أيديهم، أن يقول لها إنها لن تتزوج أحدًا. رغم كل ما فعله بها...رغم أنه كسرها وطعن قلبها بأبشع الكلمات... إلا أنها، في أضعف لحظاتها، ما زالت تتمنى أن يأتي. انسابت دموعها بغزارة، بينما أعاد المأذون السؤال للمرة الأخيرة: — ليلى محمود المختار... موافقة على الزواج من هشام محمد المختار؟ لم تستطع الرد. كان صوتها محبوسًا في صدرها. صاح والدها بغضب: — ما تردي على الشيخ يا بت! انتفضت. رفعت عينيها إليه، فشعرت فجأة بأن المكان يدور حولها.. الوجوه أمامها بدأت تتداخل... الصوت ابتعد...والظلام أخذ يزحف ببطء إلى عينيها. في تلك اللحظة، لم تعد تتمنى النجاة... كانت تتمنى فقط أن تغيب عن الحياة، أن تنام ولا تستيقظ. أن يرحمها الله من هذا اليوم، ومن كل ما سيأتي بعده. حاولت تحريك لسانها.. حاولت أن تنطق... لكن لسانها كان ثقيلًا، وكأن جسدها كله أعلن استسلامه. وفجأة.... دوّى صوت من خلف الجميع: — ليلى! رفعت عينيها بصعوبة. رأت فريد يركض نحوها، وجهه شاحب، وعيناه ممتلئتان بالفزع.. تخيلته عمران، كل ماتتمناه هو ولا غيره، حاولت أن تتحدث. تحركت شفتاها بصعوبة شديدة، وخرج صوتها مبحوحًا متقطعًا: — عُم... ران... كانت تلك الكلمة آخر ما استطاعت أن تقوله.. وفجأة ارتخت عضلات جسدها بالكامل... وسقطت من فوق المقعد. — ليلى! اندفع فريد نحوها، بينما تعالت صرخة وفاء: — بنتي! تجمد المأذون في مكانه، ونظر إليها بصدمة. — لا حول ولا قوة إلا بالله... البنت وشها أزرق يا جماعة! انحنى فريد وحملها سريعًا، يربت على وجنتيها المرتعشتين: — ليلى... ليلى افتحي عينيكي! ليلى! لكن والدها دفعه بعنف: — ابعد عنها! ثم اقترب من ابنته، ولكزها بطرف عصاه: — قومي يا بت! بطلي تمثيل! لم تتحرك.. لم تفتح عينيها. كان وجهها شاحبًا بصورة مخيفة، وكأن الحياة نفسها بدأت تنسحب منه. تجمد محمود للحظة. ثم اندفعت وفاء نحوه بكل ما تبقى لديها من قوة، ودفعته بعيدًا عنها. — ابعد عن بنتي؟! تراجع محمود مذهولًا. وقفت وفاء أمام ابنتها، ثم صرخت في وجوه الجميع: — بررررة! ترددت صرختها في أرجاء البيت. — برة بيتي! كلكم اطلعوا برة! كانت تبكي وتصرخ في آنٍ واحد. — ربنا ياخدكم... ربنا ينتقم منكم! ثم التفتت إلى زوجها، وعيناها تحترقان بالقهر: — ربنا ينتقم منك يا محمود! ربنا ينتقم منك إنت وأخوك ومراته وولاده! صاح محمد بغضب: — ما كفاية يا أختي! مش كفاية إننا رضينا بيها؟ التفتت إليه وفاء، وقد فاض بها الكيل، وصاحت من أعماق قلبها: — ربنا يفضحك يا محمد! إنت ومراتك... في أعز ما عندكم! زي ما كسرتوا بنتي، ربنا يوريكم الوجع اللي أنا شايفاه في عينيها! في تلك اللحظة حمل فريد أخته بين ذراعيه، وضم جسدها المرتخي إلى صدره. وقال بصوتًا خرج مبحوحًا من الخوف: — ماما! التفتت إليه وفاء. — ليلى بتموت يا ماما! لازم نلحقها! شهقت وفاء، وركضت نحوهما وهي تبكي: — بنتي... يا روح قلبي! اقتربت منهما والدموع تغرق وجهها: — حسبي الله ونعم الوكيل... ارتجف صوتها: — يا رب... إنت شايف اللي حصل لبنتي. ثم احتضنت رأس ليلى، وهي تردد بانهيار: — يا رب ما تسيبش حقها... يا رب رد لها وجعها في اللي ظلموها... ي بينما صرخ فريد: — لازم نوديها المستشفى حالًا! وتحول البيت في لحظات إلى صراخ وفوضى... أما ليلى... فكانت غارقة في غيبوبتها، لا تسمع شيئًا. ولا تدري أن آخر كلمة خرجت من بين شفتيها قبل أن يغيب عنها الوعي... لم تكن لا...ولم تكن موافقة... كانت اسم الرجل الذي احبته، رغم أنه حطم قلبها... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عند عمران... وصل إلى المنزل بعد وقتٍ لا يعرف كم استغرقه، وترجل من سيارته بجسدٍ مترنح، كأن الطريق كله مرّ فوق صدره. لم يذهب لوالدته، لم يرد أن يراه أحد بهذه الحالة... لم يرد أن تنكشف هشاشته التي حاول طوال عمره أن يخفيها خلف بروده وقسوته. صعد إلى غرفته بخطوات ثقيلة، فتح الباب ودلف إلى الداخل، ثم ألقى مفاتيحه وهاتفه وساعته بلا اهتمام، قبل أن ينهار بجسده فوق فراشه. استلقى على ظهره، وحدق في السقف بعينين زائغتين. لكن صورتها كانت أقوى من أن يهرب منها...رآها بفستان زفافها. أغمض عينيه بقوة، وكأن إغلاقهما سيمنع تلك الصورة من الظهور، لكنها ازدادت وضوحًا. فستان أبيض... وجه شاحب... عيون منكسة... ورجل آخر يقف إلى جوارها. تجمعت الدموع في عينيه دون أن يشعر. لأول مرة في حياته، يفهم معنى أن يكون الألم أكبر من قدرة الإنسان على احتماله. قديمًا... كان الحب بالنسبة إليه شيئًا عابرًا. حب مراهقة مرّ به، وحين انتهى ظن أنه انتهى معه كل شيء. وتمضي الايام والسنين ويعود قلبه للنبض ليلى التي دخلت حياته دون استئذان، تسللت إلى قلبه في الوقت الذي كان يظن فيه أن قلبه لم يعد يعرف الحب. ضحكتها...خوفها...ارتباكها... كل مرة قالت فيها اسمه. كل مرة نظرت إليه وكأن وجوده وحده يمنحها الأمان. كيف يتغلب على كل ذلك الآن؟ كيف يقتلع إنسانة من قلبه بعدما جعلها جزءًا من نبضه؟ ارتجف حين استمع الى، همسة صدحت بااذنه: — أنا بحبك أوي يا عمران... انتفض جسده فجأة، واعتدل في جلسته بأنفاس متسارعة. فتح عينيه، كأن صوتها جاءه من جواره بالفعل. — ليلى..همس بها يبحث عنها جلس و قلبه يضرب بعنف، والذكريات تتهاوى فوق رأسه كصفعات متتالية. ضحكتها.. صوتها.. خجلها. نظراتها إليه. وكلمتها التي ظلت عالقة في داخله: "أنا بحبك." نهض من فوق الفراش بعنف. — كفاية! دار في الغرفة ذهابًا وإيابًا، يمرر يده في شعره بجنون. لا يريد أن يتذكر.. لا يريد أن يسمع صوتها. لا يريد أن يرى وجهها. يريد فقط أن يخرجها من رأسه! لكن عقل الإنسان حين يحاول النسيان، يصبح قلبه أكثر عنادًا. كل لحظة بجوارها عقله ذكّره بها. كل نفس أخذَه حمل رائحتها. وكل نبضة في صدره كانت تنطق باسمها. ضرب كفيه على وجهه بعنف. — اخرجي من دماغي بقى! لكن ضحكتها الطفولية ارتدت في أذنيه من جديد. ضحكتها التي كان يحبها... والآن أصبحت تؤلمه أكثر من أي شيء. رفع رأسه إلى السماء، والدموع تنساب رغمًا عنه. — يا رب... خليني ما أسمعش صوتها تاني. سكت لحظة، ثم ابتسم بمرارة. — حتى لو أصم... بس ما أسمعهاش. اتجه إلى هاتفه فجأة. فتح الصورة التي وصلته.. ظل يحدق فيها طويلًا. هذه المرة لم ينظر إلى فستان الزفاف فقط. عيناه راحتا تلتهمان كل تفصيلة في وجهها. شفتيها المجروحتين...وجهها المتورم... آثار الألم التي لم ينتبه إليها من قبل. تجمد.. قطب جبينه. — مين عمل فيكي كده؟ اقترب من الصورة أكثر. ثم عاد إلى الوراء.. كان هناك شيء خاطئ. شيء لا يستطيع فهمه. لكن الغيرة كانت أعلى من عقله. زوجها.. الرجل الذي اختارته. الرجل الذي وقفت إلى جواره بفستان زفافها.. الرجل الذي من أجله تلاعبت بمشاعره ضغط على أسنانه حتى آلمته. رفع هاتفه واتصل دون تردد — علي. جاءه الصوت من الطرف الآخر: — أيوة يا عمران، معاك. — هبعت لك اسم واحد... تتصرف وتعمله ق\ضية. لازم يبات في السجن الليلة. صمت علي لحظة. — واحد؟! مين ده؟ — خليك معايا... هجيب لك الاسم. أغلق المكالمة، ثم بدأ يقلب في هاتفه بعصبية. أصابعه ترتجف. كان يعرف أنه يتصرف بدافع الغضب. يعرف أنه ربما يظلم رجلًا لا يعرف عنه شيئًا، لكن الألم كان قد أعماه. هي لعبت بمشاعره كما يظن... خدعته...جعلته يصدق أنها تحبه، ثم ذهبت في النهاية إلى رجل آخر. أقسم أن هذه الليلة لن يتركها تنعم بما فعلته به.. عاد واتصل بعلي. — علي! — معاك يا عمران. — اسمه هشام محمد المختار. — حاضر... بس ده مش من القاهرة. — لا... هتلاقي اسم المحافظة عندك لما تبحث عن اسمه. صمت علي لحظات. — خلاص ظهر عندي. — خلال نص ساعة تتصل بيا وتقولي اتحبس. __ودي اعملها ازاي، بتهمة جوازه من امي _علييي... صرخ بها — طيب عمل فيك إيه يا عمران؟ اشتعلت عيناه. — نفذ من غير أسئلة. قالها وأغلق الهاتف. ظل واقفًا للحظات، ثم ألقاه فوق الفراش. دخل الحمام، وغاب دقائق، لكنه لم ينجح في تهدئة شيء. وعندما خرج، جلس على طرف السرير. انتظر.. ثوانٍ...دقائق...حتى وصل ساعة كاملة، لم يتحرك. كان الهاتف أمامه، وعيناه معلقتان به كأنه ينتظر حكمًا على حياته كلها.. لايريد أن تهنأ هذه الليلة ضغط على شفتيه بقوة ادماه، وغيرته المجنونة تعميه، يضحك على نفسه، هو لايريد أحدًا يلمسها، يريد أن يحطم اي أحدًا يقترب منها، حتى اذ هي خدعته باسم الحب، المهم عنده لا احد يقترب منها ارتفع رنينه، التقطه فورًا. — كله تمام؟ — أيوة. — اتحبس؟ — أيوة. سكت عمران لحظة، ثم سأل بصوت بارد يخفي تحته نارًا: — التهمة إيه؟ — الواد ده حشاش، بيشرب بانجو، وملموم على شلة مش تمام... وعرفت كمان إنه نسونجي.. توقف نفس عمران. حدق أمامه. إذن...هذا هو الرجل الذي اختارته؟ هذا هو الرجل الذي تركته من أجله؟ شعر بشيء يمزق صدره. — عمران؟ معايا؟ ابتلع مرارته. — معاك... كمل. — الواد كان فرحه الليلة. بصراحة اتضايقت، ولولا إنك صاحبي مكنتش عملتها. في اللحظة نفسها، قبض عمران على الكوب الموجود بجواره. ضغط أكثر...حتى تحطم الزجاج داخل قبضته، وسال الدم بين أصابعه. لم يشعر بشيء. — المهم... مش عايزه يطلع. — طيب مش تعرف دخل ليه؟ — ميهمنيش. — عمران... — المهم يدخل... وميخرجش غير لما أنا أقول. صمت" علي" لحظة، ثم قال: — حرام عليك يا عمران. ده عريس، بدل ما تكون دي ليلة العمر مع مراته، تحبسه؟ انفجر عمران: — اخرس! قالها وأغلق الهاتف. ظل واقفًا مكانه. صدره يرتفع ويهبط بعنف. كان يظن أن حبس الرجل سيمنحه راحة. أنه حين يمنعه عنها ، سيشعر أنه استعاد شيئًا من حقه. لكن...لم يشعر بأي راحة. على العكس، ازدادت النار اشتعالًا. لأن الحقيقة لم تتغير.. ليلى ما زالت زوجته. رجل آخر يحمل حقًا لا يملكه هو. رجل آخر ستعود إليه الليلة. وفجأة، أدرك الحقيقة التي حاول الهروب منها: هو لم يكن يريد الانتقام من هشام... كان يريد الانتقام من ليلى.لأنها جعلته يحبها، ثم غدرت به. جلس على طرف السرير، ومرر يده على وجهه. — ليه يا ليلى؟ خرج السؤال مبحوحًا. — ليه عملتي فيا كده؟ لم تجبه إلا ذكرياته.. رفع هاتفه. فتح اسمها.. تردد لحظة، ثم ضغط اتصال. مرة... لا رد، أعاد الاتصال. مرتان، ثلاث، ولا إجابة. اشتعل غضبه. — ردي... اتصل مرة أخرى. لا شيء. بدأ غضبه يتحول إلى خوف. هل هي معه؟ هل تخبره الآن أنها اختارت زوجها؟ هل تحتفل معه بزفافهما؟ هل تنام مطمئنة بين ذراعيه بينما هو يموت هنا؟ ضغط على الهاتف بقوة... كيف؟ وعلي اخبره بسجنه ثم فجأة، قذف به في الحائط. — ردييييي! سقط الهاتف أرضًا. وانهار صوته. — ردي... عايز أسمع صوتك دلوقتي! ضرب صدره بقبضته. — عايز أفهم! عايز أعرف إزاي قدرتي تعملي فيا كده؟ تعثرت أنفاسه. — تيجي تعيطي عندي الصبح... ضحك ضحكة موجوعة. — وبالليل... تتجوزيه؟ هز رأسه بعنف، والدموع تنهمر دون مقاومة. — أنا كنت إيه بالنسبة لك؟ سقط جالسًا على الأرض. لأول مرة لم يحاول أن يخفي دموعه. لم يكن عمران البارد.. ولا رجل الأعمال الذي لا يهتز. ولا الرجل الذي اعتاد أن يسيطر على كل شيء. كان فقط...رجلًا مكسورًا. رجلًا أحب امرأة حتى صار وجودها جزءًا من حياته، ثم وجدها واقفة بفستان أبيض إلى جوار رجل آخر. رفع عينيه إلى الفراغ. — أنا حبيتك بجد خرجت الكلمات كأنها اعتراف ينتزعه الألم من بين ضلوعه. — والله ما كنت بلعب بيكي... شهق، ومسح وجهه بعنف. اختنق صوته وخرج مبحوحًا، محملًا بكل القهر الذي عجز عن إخراجه: — زبااااااااالة... ثم خفت صوته. — بس أنا اللي طلعت غبي... أغمض عينيه. وتسللت إلى رأسه صورتها من جديد. هذه المرة لم يرَ حالتها ب فستان الزفاف. بل تخيل أنها تبتسم لغيره، وتكون ملكه لم يعد يصدق شيئًا من كلمات فانهار أكثر.. لأنه، رغم كل غضبه... رغم كل ما فعلته..ورغم اقتناعه بأنها غدرت به...كان قلبه اللعين ما زال يحبها. عند ليلى توقف فريد أمام الطبيب، وقد بدا القلق واضحًا على ملامحه — طمّني يا دكتور. تنهد الطبيب بهدوء، ثم قال: — أنا اديتها العلاج المناسب، وإن شاء الله الصبح نعمل شوية تحاليل وفحوصات، ونشوف حالتها بشكل أدق. أومأ فريد، لكنه لم يبدُ مقتنعًا تمامًا. في الداخل، كانت وفاء تجلس بجوار فراش ابنتها، تبكي بنحيب مكتوم دلف فريد إلى الغرفة، فما إن رأته حتى هبّت من مكانها. — إيه يا فريد؟ الدكتور قالك إيه؟ جلس على المقعد بجوار فراش أخته، وألقى نظرة عليها قبل أن يجيب: — مقلش حاجة تطمّن يا ماما... أنا لازم أخدها مصر. هنا الدكاترة مش بنفس المستوى، وأنا مش هسيبها كده. أسرعت وفاء تهز رأسها. — طيب يا حبيبي... يلا، ناخدها ونروح. مرر فريد يده على وجهه بعصبية. — الصبح يا ماما، دلوقتي صعب. هشوف عربية صاحبي تاخدنا، ونمشي أول ما الدنيا تنور. أومأت وفاء، وعادت لتجلس بجوار ابنتها. مرت الساعات ثقيلة، بطيئة، وكأن الليل قرر ألا ينتهي... حتى أشرق الصباح بنوره. فتحت وفاء عينيها بعدما غلبها النعاس فوق المقعد. التفتت نحو ابنتها. كانت ليلى ما تزال غافية. اقتربت منها، وانحنت تقبل جبينها بحنان، ثم اتجهت نحو باب الغرفة. وقبل أن تخرج، جاءها صوت فريد من خلفها: — ماما... رايحة فين؟ التفتت إليه. — هوصل البيت يا حبيبي، أجيب شوية هدوم... علشان هروح معاكم. أومأ فريد. — ما تتأخريش. أنا كلمت صاحبي امبارح، وقالي هيكون هنا على الساعة تمانية. هزت رأسها وخرجت مسرعة. في منزل وفاء دلفت إلى البيت، فوجدت زوجها جالسًا فوق سجادة الصلاة، يردد بعض الأذكار خلف صوت الراديو. لم تنظر إليه اتجهت مباشرة إلى غرفتها، وسحبت بعض الملابس ووضعتها داخل حقيبتها، ثم فتحت صندوقها الصغير وأخرجت علبة ذهبها، وضعتها داخل الحقيبة وأغلقتها. وحين همّت بالخروج، ظهر زوجها خلفها. طالعها ببرود، ثم قال بسخرية لاذعة: — إيه؟ بنتك الغندورة لسه عايشة؟ توقفت للحظة.. لم ترد. فقط قبضت على حقيبتها بقوة، واتجهت نحو الباب. لكن قبل أن تخرج، التفتت إليه، وقد فاض بها ما تحملته سنوات: — يبقى طلّقني... وابعت ورقتي على شقة ابنك. قالتها، ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها بقوة، حتى اهتزت له الجدران. ظل واقفًا مكانه، متسع العينين من الصدمة. لم يتوقع أن تصل بها الأمور إلى تلك النقطة. تمتم بغيظ: — بقى كده يا وفاء؟... طيب. بعد عدة ساعات وصل فريد إلى القاهرة، اتجه بنظره إلى صديقه فارس. — هتعبك معايا يا فارس... هتوديني مستشفى الجامعة. عرفت إن فيه استشاري هيكون موجود النهارده. أومأ فارس. — حاضر يا فريد. ثم اتجهت عيناه إلى ليلى، التي كانت غافية بين ذراعي والدتها، بينما ذراع وفاء تحاوطها بحماية بعد فترة، توقف فريد أمام الطبيب. استمع إليه بترقب، حتى تحدث الطبيب بهدوء: — اللي حصل لليلى سبّب لها صدمة عصبية ونفسية شديدة جدًا. الظاهر إن الصدمة أثرت على قدرتها على الكلام والحركة بشكل مؤقت، وده كمان مفسر حالة البكاء الهستيري اللي بتدخل فيها. ابتلع فريد ريقه. — طيب يا دكتور... هتخف؟ ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة. — بإذن الله. لكن هي محتاجة وقت... وصبر... وأهم حاجة الأمان. حاول تبعدها تمامًا عن المكان والناس اللي ارتبطوا باللي حصل لها. وجودها في بيئة هادية وآمنة هيساعدها كتير. أومأ فريد، ثم مد يده وصافحه. — ربنا يكرمك يا دكتور. بعد عدة ساعات... كانت وفاء تجلس بجوار ابنتها، تدثرها بالغطاء، بينما دموعها تنساب بصمت. وفجأة، استيقظت ليلى مذعورة. خرجت منها شهقة حادة، ثم انفجرت في البكاء. بكاء مرتفع، متقطع، وكأنها تحاول الهرب من شيء لا يراه أحد سواها. شهقت وفاء، وانحنت عليها، تمسح على خصلات شعرها بحنان. — بعد الشر عليكي يا نور عيوني... أنا هنا، مفيش حاجة هتحصلك تاني. لكن ليلى لم تستطع الرد. كل ما استطاعت فعله أنها واصلت البكاء. بالخارج جلس فريد على أحد المقاعد، يمسح وجهه بعنف. كان حديث الطبيب يتردد داخل رأسه. هتحتاج علاج... ووقت... وصبر. رفع عينيه نحو باب الغرفة، على صرخات اخته، اتجه سريعًا اايها وقام بحقنها بالمحلول الذي يعلق بوريدها، توقف يراقب اخته الى أن هدأت، ثم زفر بحرقة. _هتفضل كدا يافريد، عايشة على المهدئات قبل أن يرد، ارتفع رنين هاتفه. نظر إلى الشاشة، فوجد مدحت. لم يرد في البداية. لكن الهاتف استمر في الرنين. أجاب أخيرًا: — أيوه يا مستر مدحت؟ جاءه صوت مدحت: — فريد، الساعة واحدة... ليه مجتش؟ امبارح كمان مجتش. الشغل ده لازم يتسلم في معاده. تنهد فريد بضيق. — اعذرني يا مستر مدحت، مش هعرف أجي. — مينفعش كده يا فريد، إحنا عندنا شغل والتزامات... قاطعه فريد: — عندي ظروفي يا مستر مدحت، ولازم أقفل دلوقتي. بعد إذنك. قالها وأغلق الهاتف. رفع مدحت عينيه إلى عمران الجالس أمامه. — بيقول عنده ظروف. تهكم عمران بسخرية، بعدما كان قد حسم في رأسه أن فريد يتغيب لزواج اخته،او ربما سجن هشام. فقال ببرود: — كلمه وقوله... استغنينا عن خدماته. اتسعت عينا مدحت. — إيه اللي بتقوله ده يا عمران بيه؟ نهض عمران من مكانه دون اكتراث. — ابعت له نهاية الخدمة. الواد ده مبقاش يلزمني. — بس يا عمران بيه... الواد عنده ظروف. التفت إليه عمران بنظرة حادة. — ما تيجي تقعد مكاني يا مدحت. صمت مدحت. أكمل عمران ببرود: — هو أنا فاتحها سبيل؟ الشغل شغل... واللي يغيب يتحمل نتيجة غيابه. ثم أضاف: — ابعت له خمسمية ألف. اتسعت عينا مدحت. — خمسمية ألف؟ — اللي تشوفه يا عمران بيه؟ ابتسم عمران ابتسامة باردة. — بالظبط... اللي أشوفه. إنت ما تشوفش. في منزل محمد... عم ليلى كانت منال تجلس وهي تلطم صدرها وتولول: — يا حبيبي يا ابني... يا ترى عامل إيه دلوقتي؟! كان وشها شؤم بنت وفاء... صاح محمد بضيق: — قومي يا منال، خلينا نروح نشوف الواد محبوس ليه. وقبل أن تتحرك، دخل محمود بعد أن نادى على أخيه: — لو جاهزين... يلا، هاجي معاكم. التفتت إليه منال باستنكار: — مش هتروح تشوف بنتك يا محمود؟ تجمدت ملامحه، ثم قال بجمود قاتل: — بنتي ماتت يا منال نظر إليه أخوه في صدمة. أما محمود، فتابع بصوت مكسور يخفي خلفه قسوة: — ماتت يوم ما وطّت راسي... يوم ما خلتني أبص في وش الناس بسببها. ثم اتجه نحو الباب. — يلا... هشام أهم دلوقتي. مساء ارتفع رنين جرس الباب، نهض فريد وفتحه _مستر مدحت _تسمح لي يابني ادخل اومأ وابتعد عن فتحة الباب _طبعًا اتفضل خرجت وفاء وعيناها متورمة بالبكاء حمحم مدحت _مساء الخير يامدام اومأت دون رد، اشار فريد الى مدحت _مستر مدحت ياماما رئيسي في الشغل _اهلا يااستاذ، قالتها بصوت مختنق _اهلا بيكي رفع فريد رأسه اليها _ماما اتنين قهوة مظبوطة حبيبتي _حاضر.... قالتها ودلفت للداخل راقبها مدحت الى اختفت داخل المطبخ صمت دام الى أن قال فريد _عارف ان حضرتك مضايق، بس انا مش هينفع اشتغل في الشركة دي تاني توسعت أعين مدحت من حديثه ورغم ذلك لم يعلق، عجز عن الحديث لبعض الدقائق ثم قال _والله يافريد مش عارف اقولك ايه، معرفش عمران بيه اصلا ماله بقاله يومين مش على بعضه، وعمال يرفض في الموظفين، وامر كل اللي مجاش الشغل النهاردة يترفض حزن فريد من كلماته، علم أن عمران رفضه لسبب خاص، ورغم ذلك قال _يعني أنا اترفضت قصدك، انا لسة قايلك، انا مكنتش هروح تاني _مش عارف اقولك ايه يابني _متقولش حاجة يامستر... كله نصيب انا اصلا بدور على شغل، فلو مفيهاش ازعاج لو تعرف شركة طالبة محاسبين هكون شاكر لحضرتك _هشوف لك يابني حاضر رفع حقيبة المال ووضعها أمامه على المنضدة _الفلوس دي صرفها عمران بيه لكل اللي اترفضوا نظر للفلوس، ثم الى مدحت _اسف مش هقدر اخدهم، انا مش بقالي سنين، اشكره، مش محتاجهم _بس يافريد قاطعه فريد _لو سمحت يامستر مدحت وصلت وفاء بالقهوة، وضعتها امامهم بصمت فجأة، ارتفع صوت نحيب ليلى بالداخل، ركضت وفاء للداخل وخلفها فريد. حاول تهدئتها، يضمها، ولكن بكاؤها اخترق الصدور. _ليلى حبيبتي، اهدي ياماما، اهدي حبيبتي ولكنها تبكي فقط حقنها فريد كالعادة، ظل لدقائق معدودة بالداخل ثم خرج معتذرا الى مدحت طالعه مدحت بااستفهام _فيه حاجة يابني _لا دي ليلى اختي تعبانة _سلامتها... ألف سلامة عليها، بس ليه صوت عياطها كدا، لو عايز مساعدة _شكر لحضرتك يامستر، اختي للاسف فقدت النطق والحركة وعايشة على المهدئات ذهل مدحت من كلماته، هل يحكي عن الفتاة التي تملأ الدنيا ضحك لقد حزن كثيرا عليها... بمنزل شهاب خرجت نيفين من المطبخ تحمل فنجان القهوة، واتجهت إلى الأريكة وجلست بجوار شهاب. — تفتكر عمران صدّق اللي حصل؟ مد شهاب ذراعه، وأحاط خصرها يقربها منه بلا اهتمام بما يدور داخل رأسها. — مش مهم صدّق ولا لأ... المهم إن البنت اتجوزت، وبعدت عنه. وبعدين على فكرة، عمران كان هيتسلى يومين بجواز عرفي، انا خفت تحمل منه هزت نيفين رأسها نافية، وقالت بنبرة واثقة: — لا يا شهاب... أنت مشفتوش ولا سمعته وهو معايا. ده كان واقع فيها ابتسم شهاب بسخرية. — خلاص انسي. أهم حاجة إن البنت بعدت، ومش هيتجوزها. وأنا مش عايز عمران يتجوز خالص يا نيفين... مش قبل ما ناخد كل حاجة. ارتشفت نيفين من قهوتها، لكن عقلها لم يكن مع شهاب. كانت قبلات عمران ما تزال عالقة في ذاكرتها... صوته، نظراته، ارتباكه، وطريقته التي جعلتها للحظات تنسى كل شيء حولها. لاحظ شهاب شرودها، فقال بضيق: — هتفضلي تشربي القهوة دي لحد الصبح؟ ما تقومي علشان ننام. وضعت الفنجان على الطاولة. — ماليش مزاج يا شهاب. في لحظة واحدة، امتدت يده وأطبقت على عنقها. شهقت نيفين، ورفعت كفيها تدفع يده بعيدًا وهي تحاول التقاط أنفاسها. — إيه؟! عايز تموتني؟ اقترب منها بعينين غاضبتين: — مالك من يوم ما الزفت قرب لك وإنتِ مش طايقة لمستي؟ دفعته عنها، تلهث وهي تحدق فيه بخوف. لكنه نهض، وعدّل ملابسه ببرود، ثم اتجه نحو الباب. — قبل ما أوصل الباب تكوني ورايا... سمعتي ولا لأ؟ تركها واقفة في مكانها، بينما ظلت تنظر إلى أثره بصمت. في اليوم التالي... بمكتب عمران كان جالسًا خلف مكتبه، يحاول أن يدفن عقله في العمل بعدما عجز طوال الليل عن إسكات أفكاره. دلف مدحت إلى المكتب. رفع عمران عينيه إليه. — حضرت المهندسين اللي هيقدموا العرض كويس يا مدحت؟ بالميزانية وكل حاجة؟ أومأ مدحت. — جهزت كل حاجة يا عمران بيه. رفع عمران رأسه عن الأوراق، وأسند ظهره إلى مقعده. — الاجتماع ده مهم أوي يا مدحت. إنت عارف ميزانية المشروع كام. عايزك تبقى فايق لكل رقم... غلطة واحدة ممكن تضيع علينا المشروع كله. وأنا دماغي مشغولة اليومين دول. — حضرتك مش هتحضر ولا إيه؟ رفع عمران حاجبه. — لا طبعًا هحضر. ده أهم مشروع السنة دي، ولو خسرناه الشركة هتغرق. — إن شاء الله يكون من نصيبنا. أنا حضرت كل حاجة، تحب تشوفها؟ أشار عمران بيده. — لا... وديها لعلي، هو يراجعها كويس. ثم وقعت عيناه على الحقيبة التي يحملها مدحت. — دي إيه؟ وضع مدحت الحقيبة أمامه. — الفلوس اللي حضرتك بعتهم لفريد... رفض ياخدهم. زم عمران شفتيه بسخرية. — هو حر. المهم... نزل إعلان عن محاسب كفء وأمين. ظل مدحت واقفًا مكانه. رفع عمران عينيه إليه بضيق. — مالك واقف كده ليه؟ تردد مدحت للحظات وهو ينظر الى عمران ثم قال — عايز أقول لحضرتك حاجة... بس متزعلش. — قول يا سيدي، مش فاضي. أخذ مدحت نفسًا. — أنا اتوسطت له في شركة المنشاوي. الواد صعب عليا... خصوصًا لما عرفت إنه بيدور على شغل علشان يعالج أخته المريضة. توقفت أنفاس عمران للحظة. اعتدل في جلسته. — هو... ليه أخت مريضة؟وبقلم سيلا وليد — أيوه. ثم أضاف مدحت: — حضرتك تعرفها. ثبت عمران عينيه عليه. — مين؟ — ليلى يا عمران بيه. توقف الزمن. مجرد سماع اسمها جعل قلبه يخفق بعنف مفاجئ. — ليلى؟ — أيوه... مش عارف حضرتك فاكرها ولا لأ، بس البنت حالتها اتغيرت جدًا. عرفت إنها فقدت الحركة والنطق. لم يستوعب عمران الجملة كاملة. فقدت الحركة والنطق؟ لماذا؟.. كيف؟ هل حدث لها ذلك بعد أن سُجن زوجها؟ زوجها... الكلمة وحدها كانت كفيلة بإشعال نار في صدره. وقبل أن يسأل، دلف علي إلى المكتب. — عمران، فاضي؟ فيه حاجة مهمة لازم تسمعها لم يرد.. اقترب علي، ثم نظر إلى مدحت. — سبنا شوية يا أستاذ مدحت. خرج مدحت، وأغلق الباب خلفه. ظل عمران جالسًا مكانه، كأنه تحول إلى تمثال. وجهه شاحب، وعيناه ثابتتان في نقطة لا يراها أحد. قال علي بحذر: — عمران... فيه حاجة لازم تسمعها. رفع عمران يده في وجهه. — علي... بعدين. — لا، لازم تسمع. الموضوع مهم. — مش عايز أسمع حاجة. اشتعلت عيناه فجأة، وانفجر: — سبني دلوقتي يا علي! لكن علي لم يتحرك. — مش هطلع. ولازم تسمعني يا بني آدم. وقبل أن يعترض عمران، فتح علي هاتفه. خرج صوت شهاب من التسجيل: — برافو يا نيفين... أنا لما عرفت اتجننت. ثم جاء صوت نيفين: — وأنا كمان. مضحكش عليك يا شهاب، متخيلتش عمران يحب واحدة كده. ثم صوت شهاب ساخرًا: — المهم اتخلصنا منها. عمران مش لازم يتجوز أبدًا. تجمد عمران. ثم جاء صوت نيفين: — تفتكر كان ممكن يتجوزها؟ — يتجوز مين؟ هو أنا كنت هسمح بكده؟ تتابعت الكلمات... كل كلمة كانت تسقط على عمران كطعنة. خطوبة مزيفة.. اتفاق ملفق.. زواج لم يتم. صور استُخدمت لخداعه. أغمض عمران عينيه، انقبض فكه. كان يشعر أن شيئًا ما يُنتزع من صدره بعنف. ثم جاء الصوت الأخطر: — البنت مكنتش مخطوبة برضاها.. دا كان اتفاق، بس ابن عمها استغل الاتفاق دا __ايه اللي عرفك __ماهو بعد مااسمعت كلام مرات عمها، وهي بتقول خطيبة ابني، امها قالت، ابنك ضحك على البت وفهمها انه بيساعدها، خطوبة ايه ياام خطوبة، والله لو هيموت قدامي مش هتتجوزه فتح عمران عينيه ببطء. استمع حتى النهاية. وعندما أغلق علي التسجيل، ظل الصمت يطبق على المكتب. رفع عمران عينيه إليه. كانت عيناه محمرتين، لكن صوته خرج هادئًا بشكل مخيف: — عايز أعرف إيه اللي حصل في بيت ليلى تنهد علي. — صعب أوي يا عمران. اقترب بجسده يحدق بعيني علي، — سمعتني قلت إيه؟ ابتلع علي ريقه. — هحاول. — مش هتحاول... هتعرف. __ليه مقولتليش ياصاحبي، مش يمكن مكنتش وصلت لكدا نهض علي والتقط هاتفه، فأوقفه عمران و قال: — عايز كل الكاميرات اللي في بيت شهاب. كل حاجة حصلت هناك، كله حتى لياليهم الحمرا حدق علي فيه. — إنت ناوي على إيه؟ رفع عمران عينيه إليه. لم يكن فيهما سوى وجع وغضب. — لما أعرف اللي حصل لها... هقرر. تحرك علي. وبمجرد خروجه، جلس عمران وحده. فتح التسجيل مرة أخرى.. ثم مرة ثانية. وعاشرة. كل مرة يسمع كلمة اتفاق، خطوبة، رفضاه، ضحك عليها، كان قلبه يزداد تمزقًا. كان يظن أنه خسرها لأنها اختارت رجلًا آخر. والآن اكتشف... لعبة ابنة عمه وابن خاله، ياالله، كيف تكون القرابة بهذا الانحطاط، ولقد وقع في فخهم ليلى، الفتاة البريئة التي جاءت تستنجد به، بينما هو كان يعاقبها على جري\مة لم ترتكبها. مرت ساعات.. دلفت السكرتيرة. — عمران بيه... الاجتماع بعد دقائق. رفع عينيه إليها.. نظر إلى ساعته. كانت السادسة مساءً. لم يكن لديه طاقة للحديث مع أحد، ولا حتى للوقوف.. لكنه تذكر كلمات شهاب.. بقلم سيلا وليد أشار إليها بيده. — خليهم يحضروا العربية. مرت ساعات أخرى... حتى جاء علي أخيرًا. وضع أمامه كل ما استطاع جمعه. استمع عمران لكل شيء. كل تفصيلة عن ليلى.. عن والدها. عن إجبارها.. عن الزواج الذي لم يتم. عن حالتها..اتهامات الناس،ورميها بالباطل، وعندما انتهى علي... ظل عمران صامتًا. ثم خرج السؤال من بين شفتيه كأن كل حرف يؤلمه: — يعني... ما كتبوش الكتاب؟ هز علي رأسه. — لأ. أطرق عمران رأسه. أغمض عينيه، وانسابت دمعة وحيدة على خده. همس: — وأنا... كنت فاكر إنها اختارت واحد غيري. رفع رأسه، ينظر بااركان المكتب، وكأنه يرى المشهد أمامه من جديد. ليلى وهي تأتي إليه...تستنجد باعترافه حتى تهرب اليه، وتطلب منه أن يحميها.وهو تركها وظن بها السوء. نهض بصعوبة.. استند إلى مكتبه للحظات. كان يشعر أن قدميه لا تحملانه. — هي جت لي... خرجت الجملة مبحوحة. — جت لي وأنا طردتها. نظر علي إليه بحزن، لكنه لم يجد ما يقوله. تحرك عمران نحو الباب. خطواته كانت ثقيلة، كأنه يحمل فوق ظهره جبالًا من الندم. وصل بعد دقائق أمام منزل فريد ورغم أن المسافة لم تكن طويلة، شعر عمران وكأن الطريق امتد بين الشرق والغرب. أوقف السيارة.. ظل للحظات يحدق في المنزل. هنا كان يوصلها...هنا كانت تضحك. وهنا كانت تودعه أحيانًا وهي تقول له أما الآن...فكل ذكرى أصبحت س\كينًا. أغمض عينيه بقهر، ثم ترجل. صعد الدرج بخطوات متثاقلة. بالداخل وضعت وفاء ذهبها أمام ابنها _خدهم بيعهم ياحبيبي، عارفة علاج اختك غالي، وقبل ان يرد استمع الى طرق الباب. بعد لحظات، فتح فريد. تجمد مكانه عندما رأى عمران. — عمران بيه؟ لم يرد. كانت عيناه تبحثان في أرجاء المكان بجنون. — فين ليلى؟ ارتبك فريد. — نعم؟ تقدم عمران خطوة. — ليلى فين؟ اشتعل الغضب في عيني فريد. — ليه؟ الوقت اللي كان بينكم مكنش كفاية؟ أنا مصدوم فيك... إزاي تبقى شخص منحط بالشكل ده؟ لم يرد عمران.. لم يسمع أصلًا. كل ما كان يسمعه داخله: ليلى. تحرك إلى الداخل. — اطلع برة يا عمران بيه! توقف أمام وفاء التي تطالعه بااستفهام، التفت الى فريد _فين ليلى _اطلع برة ياعمران بيه، لكنه، ظل يبحث عنها، فتح باب الغرفة الأولى حتى وصل إلى الغرفة التي كانت فيها. فتح الباب... وتوقف، انطفأ كل شيء داخله.كانت ممددة على الفراش. وجهها شاحب كأن الحياة انسحبت منه. جسدها الصغير ساكن بصورة موجعة. المحلول معلق بجوارها. والهدوء المحيط بها كان أشبه بهدوء القبور. لمعت الدموع في عيني عمران. — يا الله... خرجت منه كأنها استغاثة. اقترب منها، كل خطوة كانت تؤلمه. انحنى أمامها. مد يده المرتجفة إلى وجهها، لكنه توقف قبل أن يلمسها. — ليلى... همس باسمها. وكأن مجرد نطقه سيعيد إليها الحياة. صرخ فريد خلفه: — متقربش منها! لكن عمران لم يسمعه. اقترب أكثر، ثم نزع المحلول من يدها بحذر، وحملها بين ذراعيه. صرخت وفاء من الصدمة. — إنت بتعمل إيه؟! وقف فريد أمامه. — نزلها حالًا! رفع عمران عينيه إليه. كانت عيناه غارقتين في الدموع، لكن صوته خرج حاسمًا: — هاخدها أعالجها. اقترب فريد وحاول انتزاعها من بين ذراعيه. — مستغنين عن خدماتك! روح شوف لك ضحية تانية بعيد عن أختي... وياريت وإنت بتشوفها، تفتكر إن ليك أخت! شد عمران ذراعيه حول ليلى أكثر. — ابعد يا فريد... علشان متزعلش. صُدم فريد من رده. — أنا هتصل بالشرطة! توقف عمران لحظة. ثم قال ببرود: — اتصل. تحرك نحو الباب، ثم استدار إليه. — وهقولهم إن دي مراتي. شهق فريد. — إنت مجنون! —مادام انت عرفت،أنا مضيت ليلى على ورقة عرفي، يعني هي مراتي ثم نظر إلى ليلى بين ذراعيه. — دي مراتي اقترب فريد منه بغضب: بقلم سيلا وليد — إنت كذاب! رفع عمران رأسه اليه، وقال بصوت خافت لكنه قاطع: — اثبت... ثم أضاف: — ولولا إن ليلى بين إيديا... كنت عرفت المجنون ده ممكن يعمل فيك إيه. تحرك نحو الباب وهو يقول — الحقني، علشان أوثق جوازنا تجمد فريد.. وهو يرى اخته بين ذراع ذاك المجنون... استدار عمران اليه —متتأخرش علشان تكون وليّها...ماهي لسة تحت السن ضمها إلى صدره أكثر: — ولا أخدها بعقد عرفي...، مش هسيب مراتي لحظة بعد كدا بعيد عني ضربت وفاء صدرها وهي تبكي: — يا لهوي! ... إيه اللي بيحصل لبنتي؟! الراجل دا واخد بنتي فين؟! التفت إليها فريد سريعًا. — ماما اهدي... هجيبها. ثم نظر إلى عمران الذي غادر المنزل، بعينين مليئتين بالغضب والخوف. — الراجل ده شكله مش سهل. وكونه ييجي ياخدها كده... يبقى فعلًا ممكن يكون في ورقة ماضية عليها. — اخرس! قطع لسانك ولسانه! بنتي متربية وماتعملش كده! ارتدى فريد ملابسه على عجل. — بنتك عملت أكتر من كده يا ماما... ولازم ألحقها. — استنى! أنا مش هسيب بنتي... هاجي معاك. — ماما لو سمحتي، مش ناقص. خليكي هنا وأنا هتصرف. مصر كبيرة، وممكن تتوهي مني، وأنا مش عارف هو رايح بيها فين ولا ناوي يعمل إيه. عند عمران كان جالسًا في السيارة، وليلى بين ذراعيه. نظر إلى وجهها.. لم يستطع منع دموعه. مد يده، وأزاح خصلة شعر عن جبينها. وقال بصوتًا مكسورًا، وكأنه يعتذر لها عن كل ما حدث: — حبيبتي... ابتلع غصته. — أنا هنا. اقترب منها أكثر.. يهمس بجوار أذنيها — سامعاني يا ليلى؟ لم تجبه... ارتجفت شفتاه ومازال يهمس — افتحي عيونك بس... انحنى وقبل جبينها قبلة مرتعشة. — افتحيهم وقوليلي إنك زعلانة مني... اشتميني حتى.. أنا موافق مرر انامله على وجهها — متفضليش ساكتة كده. ضمها إلى صدره —آسف... عارف إنك زعلانة أغمض عينيه، وأسند جبهته إلى رأسها. — محدش هيأذيك تاني يا ليلى... ثم همس، بصوت محطم: — هرجعلك حقك.. حتى لو مني بعد دقائق قليلة، وقبل أن يصل فريد اليهم.. رفرفت أهدابها وفتحتهم ببطء كان يراقبها، ليبتسم وهو يمرر اصابعه على وجنتيها فتحت عيناها، لتلتقي بعيناه، حركت رأسها بعيدًا عن صدره، تستكشف المكان، تظن أنها تحلم. ولكنها وجدت نفسها بسيارته، وبين ذراعيه حاولت أن تتحدث، ولكن لم تقدر، كان يتابعها بعينًا لامعة بالدموع _وحشتيني يانبض قلب عمران..