الفصل الثامن من ليلى وعمران بقلم سيلا وليد | Social Story Chapter

بعد عدة ساعات
وصل فريد إلى القاهرة، اتجه بنظره إلى صديقه فارس.
— هتعبك معايا يا فارس… هتوديني مستشفى الجامعة. عرفت إن فيه استشاري هيكون موجود النهارده.
أومأ فارس.
— حاضر يا فريد.
ثم اتجهت عيناه إلى ليلى، التي كانت غافية بين ذراعي والدتها، بينما ذراع وفاء تحاوطها بحماية
بعد فترة، توقف فريد أمام الطبيب.
استمع إليه بترقب، حتى تحدث الطبيب بهدوء:
— اللي حصل لليلى سبّب لها صدمة عصبية ونفسية شديدة جدًا. الظاهر إن الصدمة أثرت على قدرتها على الكلام والحركة بشكل مؤقت، وده كمان مفسر حالة البكاء الهستيري اللي بتدخل فيها.
ابتلع فريد ريقه.
— طيب يا دكتور… هتخف؟
ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة.
— بإذن الله. لكن هي محتاجة وقت… وصبر… وأهم حاجة الأمان. حاول تبعدها تمامًا عن المكان والناس اللي ارتبطوا باللي حصل لها. وجودها في بيئة هادية وآمنة هيساعدها كتير.
أومأ فريد، ثم مد يده وصافحه.
— ربنا يكرمك يا دكتور.
بعد عدة ساعات…
كانت وفاء تجلس بجوار ابنتها، تدثرها بالغطاء، بينما دموعها تنساب بصمت.
وفجأة، استيقظت ليلى مذعورة.
خرجت منها شهقة حادة، ثم انفجرت في البكاء.
بكاء مرتفع، متقطع، وكأنها تحاول الهرب من شيء لا يراه أحد سواها.
شهقت وفاء، وانحنت عليها، تمسح على خصلات شعرها بحنان.
— بعد الشر عليكي يا نور عيوني… أنا هنا، مفيش حاجة هتحصلك تاني.
لكن ليلى لم تستطع الرد.
كل ما استطاعت فعله أنها واصلت البكاء.

بالخارج
جلس فريد على أحد المقاعد، يمسح وجهه بعنف.
كان حديث الطبيب يتردد داخل رأسه.
هتحتاج علاج… ووقت… وصبر.
رفع عينيه نحو باب الغرفة، على صرخات اخته، اتجه سريعًا اايها وقام بحقنها بالمحلول الذي يعلق بوريدها،
توقف يراقب اخته الى أن هدأت، ثم زفر بحرقة.
_هتفضل كدا يافريد، عايشة على المهدئات
قبل أن يرد، ارتفع رنين هاتفه.
نظر إلى الشاشة، فوجد مدحت.
لم يرد في البداية.
لكن الهاتف استمر في الرنين.
أجاب أخيرًا:
— أيوه يا مستر مدحت؟
جاءه صوت مدحت:
— فريد، الساعة واحدة… ليه مجتش؟ امبارح كمان مجتش. الشغل ده لازم يتسلم في معاده.
تنهد فريد بضيق.
— اعذرني يا مستر مدحت، مش هعرف أجي.
— مينفعش كده يا فريد، إحنا عندنا شغل والتزامات…
قاطعه فريد:
— عندي ظروفي يا مستر مدحت، ولازم أقفل دلوقتي. بعد إذنك.
قالها وأغلق الهاتف.
رفع مدحت عينيه إلى عمران الجالس أمامه.
— بيقول عنده ظروف.
تهكم عمران بسخرية، بعدما كان قد حسم في رأسه أن فريد يتغيب لزواج اخته،او ربما سجن هشام.
فقال ببرود:
— كلمه وقوله… استغنينا عن خدماته.
اتسعت عينا مدحت.
— إيه اللي بتقوله ده يا عمران بيه؟
نهض عمران من مكانه دون اكتراث.
— ابعت له نهاية الخدمة. الواد ده مبقاش يلزمني.
— بس يا عمران بيه… الواد عنده ظروف.
التفت إليه عمران بنظرة حادة.
— ما تيجي تقعد مكاني يا مدحت.
صمت مدحت.
أكمل عمران ببرود:
— هو أنا فاتحها سبيل؟ الشغل شغل… واللي يغيب يتحمل نتيجة غيابه.
ثم أضاف:
— ابعت له خمسمية ألف.
اتسعت عينا مدحت.
— خمسمية ألف؟
— اللي تشوفه يا عمران بيه؟
ابتسم عمران ابتسامة باردة.
— بالظبط… اللي أشوفه. إنت ما تشوفش.
في منزل محمد… عم ليلى
كانت منال تجلس وهي تلطم صدرها وتولول:
— يا حبيبي يا ابني… يا ترى عامل إيه دلوقتي؟! كان وشها شؤم بنت وفاء…
صاح  محمد بضيق:
— قومي يا منال، خلينا نروح نشوف الواد محبوس ليه.
وقبل أن تتحرك، دخل محمود بعد أن نادى على أخيه:
— لو جاهزين… يلا، هاجي معاكم.
التفتت إليه منال باستنكار:
— مش هتروح تشوف بنتك يا محمود؟
تجمدت ملامحه، ثم قال بجمود قاتل:
— بنتي ماتت يا منال
نظر إليه أخوه في صدمة.
أما محمود، فتابع بصوت مكسور يخفي خلفه قسوة:
— ماتت يوم ما وطّت راسي… يوم ما خلتني أبص في وش الناس بسببها.
ثم اتجه نحو الباب.
— يلا… هشام أهم دلوقتي.
مساء ارتفع رنين جرس الباب، نهض فريد وفتحه
_مستر مدحت
_تسمح لي يابني ادخل
اومأ وابتعد عن فتحة الباب
_طبعًا اتفضل
خرجت وفاء وعيناها متورمة بالبكاء
حمحم مدحت
_مساء الخير يامدام
اومأت دون رد، اشار فريد الى مدحت
_مستر مدحت ياماما رئيسي في الشغل
_اهلا يااستاذ، قالتها بصوت مختنق
_اهلا بيكي
رفع فريد رأسه اليها
_ماما اتنين قهوة مظبوطة حبيبتي
_حاضر…. قالتها ودلفت للداخل
راقبها مدحت الى اختفت داخل المطبخ
صمت دام الى أن قال فريد
_عارف ان حضرتك مضايق، بس انا مش هينفع اشتغل في الشركة دي تاني
توسعت أعين مدحت من حديثه
ورغم ذلك لم يعلق، عجز عن الحديث لبعض الدقائق ثم قال
_والله يافريد مش عارف اقولك ايه، معرفش عمران بيه اصلا ماله بقاله يومين مش على بعضه، وعمال يرفض في الموظفين، وامر كل اللي مجاش الشغل النهاردة يترفض
حزن فريد من كلماته، علم أن عمران رفضه لسبب خاص، ورغم ذلك قال
_يعني أنا اترفضت قصدك، انا لسة قايلك، انا مكنتش هروح تاني
_مش عارف اقولك ايه يابني
_متقولش حاجة يامستر… كله نصيب
انا اصلا بدور على شغل، فلو مفيهاش ازعاج لو تعرف شركة طالبة محاسبين هكون شاكر لحضرتك
_هشوف لك يابني حاضر
رفع حقيبة المال ووضعها أمامه على المنضدة
_الفلوس دي صرفها عمران بيه لكل اللي اترفضوا
نظر للفلوس، ثم الى مدحت
_اسف مش هقدر اخدهم، انا مش بقالي سنين، اشكره، مش محتاجهم
_بس يافريد
قاطعه فريد
_لو سمحت يامستر مدحت
وصلت وفاء بالقهوة، وضعتها امامهم بصمت فجأة، ارتفع صوت نحيب ليلى بالداخل، ركضت وفاء للداخل وخلفها فريد. حاول تهدئتها، يضمها، ولكن بكاؤها اخترق الصدور.
_ليلى حبيبتي، اهدي ياماما، اهدي حبيبتي
ولكنها تبكي فقط
حقنها فريد كالعادة، ظل لدقائق معدودة بالداخل ثم خرج معتذرا الى مدحت
طالعه مدحت بااستفهام
_فيه حاجة يابني
_لا دي ليلى اختي تعبانة
_سلامتها… ألف سلامة عليها، بس ليه صوت عياطها كدا، لو عايز مساعدة
_شكر لحضرتك يامستر، اختي للاسف فقدت النطق والحركة وعايشة على المهدئات
ذهل مدحت من كلماته، هل يحكي عن الفتاة التي تملأ الدنيا ضحك
لقد حزن كثيرا عليها…
بمنزل شهاب
خرجت نيفين من المطبخ تحمل فنجان القهوة، واتجهت إلى الأريكة وجلست بجوار شهاب.
— تفتكر عمران صدّق اللي حصل؟
مد شهاب ذراعه، وأحاط خصرها يقربها منه بلا اهتمام بما يدور داخل رأسها.
— مش مهم صدّق ولا لأ… المهم إن البنت اتجوزت، وبعدت عنه. وبعدين على فكرة، عمران كان هيتسلى يومين بجواز عرفي، انا خفت تحمل منه
هزت نيفين رأسها نافية، وقالت بنبرة واثقة:
— لا يا شهاب… أنت مشفتوش ولا سمعته وهو معايا. ده كان واقع فيها
ابتسم شهاب بسخرية.
— خلاص انسي. أهم حاجة إن البنت بعدت، ومش هيتجوزها. وأنا مش عايز عمران يتجوز خالص يا نيفين… مش قبل ما ناخد كل حاجة.
ارتشفت نيفين من قهوتها، لكن عقلها لم يكن مع شهاب.
كانت قبلات عمران ما تزال عالقة في ذاكرتها… صوته، نظراته، ارتباكه، وطريقته التي جعلتها للحظات تنسى كل شيء حولها.
لاحظ شهاب شرودها، فقال بضيق:
— هتفضلي تشربي القهوة دي لحد الصبح؟ ما تقومي علشان ننام.
وضعت الفنجان على الطاولة.
— ماليش مزاج يا شهاب.
في لحظة واحدة، امتدت يده وأطبقت على عنقها.
شهقت نيفين، ورفعت كفيها تدفع يده بعيدًا وهي تحاول التقاط أنفاسها.
— إيه؟! عايز تموتني؟
اقترب منها بعينين غاضبتين:
— مالك من يوم ما الزفت قرب لك وإنتِ مش طايقة لمستي؟
دفعته عنها، تلهث وهي تحدق فيه بخوف.
لكنه نهض، وعدّل ملابسه ببرود، ثم اتجه نحو الباب.
— قبل ما أوصل الباب تكوني ورايا… سمعتي ولا لأ؟
تركها واقفة في مكانها، بينما ظلت تنظر إلى أثره بصمت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!