الفصل الثامن من ليلى وعمران بقلم سيلا وليد | Social Story Chapter

“اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك ”
قدرًا لايشبهه بقلم سيلا وليد

نظرت ليلى إلى المأذون، فانتفض جسدها بالكامل، وكأن صوته وحده كان كافيًا ليعيدها إلى كل ما حاولت الهروب منه.
كانت النظرات المحيطة بها تنهشها كسهامٍ مسمومة، والكلمات التي سمعتها منذ أن وطأت قدماها منزل والدها ما زالت تتردد داخل رأسها بلا رحمة:
خاطية… زانية… هتتجوز… دخلة بلدي… اغسل عارك.
أغمضت عينيها بقوة،  تحاول إسكات تلك الأصوات، لكن بدلًا منها ظهرت أمامها صورة.. عمران.
ضحكاته… نظراته… اعترافاته التي جعلت قلبها يرفرف من السعادة… قربه منها… وذلك الحنان الذي أغدقه عليها حتى شعرت، ولو لشهر واحد فقط، أنها أهم امرأة في العالم.
شهر واحد فقط…
شهر جعلها كنجمةٍ ساطعة في السماء، ثم هوى بها من سابع سماء إلى سابع أرض.
رأت الفيديو من جديد…
عمران مع أخرى. قبلات مجنونة، ونظرات عاشقة، كأنها لم تكن يومًا في حياته.
ثم تذكرت ذهابها إليه…
كيف كانت نظراته إليها  باشمئزاز؟ كيف اتهمها بأبشع الكلمات؟ كيف طردها من أمامه وكأنها شيء مقزز لا يستحق حتى الوقوف أمامه؟
ثم ضربات أخيها… صرخات أبيها… كل شيء اجتمع فوق قلبها في يوم واحد.
يوم واحد فقط…
كان كافيًا لتكره الحياة، وتتمنى لو أن الموت يمد يده إليها وينهي كل هذا الألم.
ارتجفت شفتاها، وانسابت دمعة ساخنة على وجنتها.
وفجأة، جاءها صوت المأذون كأنه حكم بالإعدام:
_ليلى محمود المختار، موافقة على جوازك من هشام محمد المختار
نظرت اليه بضياع، وتذكرت كلمات عمران
—ايه مش مرات عمران الزيني…
توقفت أنفاسها.
ارتجف قلبها بعنف.
ثم كلمات والدها
— دخلتك على ابن عمك…
تجمدت أطرافها.
فتحت عينيها ببطء، بينما كان المأذون يكرر سؤاله:
— ليلى محمود المختار… موافقة على هشام محمد المختار؟
رفعت عينيها المرتجفتين نحو هشام.
فالتقت عيناه بعينيها، وعلى شفتيه ابتسامة باردة، ساخرة.
تذكرت كلماته قبل قليل، حين اقترب منها وهمس بجوار أذنها بصوت جعل الدم يهرب من عروقها:
— قولتي إنك مش بتحبيني، وعمرك ما هتفكري فيا…
اقترب أكثر، ونظر إليها بنظرات مخيفة.
— وأنا بقى الليلة هعيشكِ أسود ليلة في حياتك. هخلي صوتك يوصل للناس كلها، علشان تعرفي اللي بيدوس على هشام بيتعمل فيه إيه.
شهقت بصمت، وعيناها اتسعتا رعبًا.
تابع بهدوء أكثر رعبًا:
— ومتأكد إن الحيوان ده ملمسكيش… بس خليهم يثبتوا ده.
ابتسم ابتسامة خبيثة.
— وفي ليلة واحدة هعلّم في حياتك كلها. ومش بس كده… تاني يوم هتجوز عليكي أحسن بنت في البلد. صاحبتك… وإنتِ عارفاها.
ثم مال عليها، وهمس بهسيسٍ مرعب:
— وكل ليلة هخليكي تتمني الموت يا بنت عمي.
ارتعشت ليلى بعنف.
كانت تسمع دقات قلبها داخل أذنيها.
وكأن قلبها نفسه يصرخ طالبًا النجدة.
وللحظة واحدة فقط…
تمنت أن يظهر عمران.
تمنت أن يفتح الباب فجأة، أن يقتحم هذا المكان، أن ينتشلها من بين أيديهم، أن يقول لها إنها لن تتزوج أحدًا.
رغم كل ما فعله بها…رغم أنه كسرها وطعن قلبها بأبشع الكلمات…
إلا أنها، في أضعف لحظاتها، ما زالت تتمنى أن يأتي.
انسابت دموعها بغزارة، بينما أعاد المأذون السؤال للمرة الأخيرة:
— ليلى محمود المختار… موافقة على الزواج من هشام محمد المختار؟
لم تستطع الرد.
كان صوتها محبوسًا في صدرها.
صاح والدها بغضب:
— ما تردي على الشيخ يا بت!
انتفضت.
رفعت عينيها إليه، فشعرت فجأة بأن المكان يدور حولها.. الوجوه أمامها بدأت تتداخل…
الصوت ابتعد…والظلام أخذ يزحف ببطء إلى عينيها.
في تلك اللحظة، لم تعد تتمنى النجاة…
كانت تتمنى فقط أن تغيب عن الحياة، أن تنام ولا تستيقظ.
أن يرحمها الله من هذا اليوم، ومن كل ما سيأتي بعده.
حاولت تحريك لسانها.. حاولت أن تنطق…
لكن لسانها كان ثقيلًا، وكأن جسدها كله أعلن استسلامه.
وفجأة…. دوّى صوت من خلف الجميع:
— ليلى!
رفعت عينيها بصعوبة.
رأت فريد يركض نحوها، وجهه شاحب، وعيناه ممتلئتان بالفزع.. تخيلته عمران، كل ماتتمناه هو ولا غيره، حاولت أن تتحدث.
تحركت شفتاها بصعوبة شديدة، وخرج صوتها مبحوحًا متقطعًا:
— عُم… ران…
كانت تلك الكلمة آخر ما استطاعت أن تقوله.. وفجأة ارتخت عضلات جسدها بالكامل…
وسقطت من فوق المقعد.
— ليلى!
اندفع فريد نحوها، بينما تعالت صرخة وفاء:
— بنتي!
تجمد المأذون في مكانه، ونظر إليها بصدمة.
— لا حول ولا قوة إلا بالله… البنت وشها أزرق يا جماعة!
انحنى فريد وحملها سريعًا، يربت على وجنتيها المرتعشتين:
— ليلى… ليلى افتحي عينيكي! ليلى!
لكن والدها دفعه بعنف:
— ابعد عنها!
ثم اقترب من ابنته، ولكزها بطرف عصاه:
— قومي يا بت! بطلي تمثيل!
لم تتحرك.. لم تفتح عينيها.
كان وجهها شاحبًا بصورة مخيفة، وكأن الحياة نفسها بدأت تنسحب منه.
تجمد محمود للحظة.
ثم اندفعت وفاء نحوه بكل ما تبقى لديها من قوة، ودفعته بعيدًا عنها.
— ابعد عن بنتي؟!
تراجع محمود مذهولًا.
وقفت وفاء أمام ابنتها، ثم صرخت في وجوه الجميع:
— بررررة!
ترددت صرختها في أرجاء البيت.
— برة بيتي! كلكم اطلعوا برة!
كانت تبكي وتصرخ في آنٍ واحد.
— ربنا ياخدكم… ربنا ينتقم منكم!
ثم التفتت إلى زوجها، وعيناها تحترقان بالقهر:
— ربنا ينتقم منك يا محمود! ربنا ينتقم منك إنت وأخوك ومراته وولاده!
صاح محمد بغضب:
— ما كفاية يا أختي! مش كفاية إننا رضينا بيها؟
التفتت إليه وفاء، وقد فاض بها الكيل، وصاحت من أعماق قلبها:
— ربنا يفضحك يا محمد! إنت ومراتك… في أعز ما عندكم! زي ما كسرتوا بنتي، ربنا يوريكم الوجع اللي أنا شايفاه في عينيها!

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!