رقصة على حطام قلب
رأى يونس جالسًا على الكنبة، ملتفًا داخل البطانية، وعيناه نصف مفتوحتين بين النوم والخوف.
رفع الطفل بصره إلى جاسر، وتأمله بفضول بريء.
يونس: “هو بابا جاي يقعد معانا يا ماما؟”
بلع جاسر ريقه بصعوبة.
الرجل الذي لم يعرف الدموع، لمعت عيناه رغماً عنه.
ثم انحنى قليلًا وقال بصوت أخف:
جاسر: “لا يا بطل… أنا جاي عشان أخدك ونروح سوا مشوار صغير هيعجبك أوي.”
ومد ذراعيه إليه.
حمله.
اقتربت غزل بسرعة:
غزل: “نزل الولد. هشيله أنا.”
هز رأسه دون أن ينظر لها.
جاسر: “لا. أنا اللي هشيله.”
وخرج.
كانت الحارة تبدو ميتة، لكن الشبابيك وحدها كانت يقظة.
ستائر تتحرك، وعيون تلمع من خلف الزجاج، تراقب المشهد في صمت جائع.
في السيارة
كان جاسر يقود بعنف مكتوم، قابضًا على عجلة القيادة حتى كادت عظام أصابعه تتكسر من شدة الضغط.
وفي المقعد الخلفي، جلست غزل تحتضن يونس الذي عاد للنوم، بينما كانت هي في أقصى درجات اليقظة والتوتر.
قطعت الصمت:
غزل: “معمل إيه اللي فاتح الفجر؟”
أجاب دون أن يحيد بعينيه عن الطريق:
جاسر: “معمل د. رأفت. صاحبي. وهيفتح مخصوص. وهيطلع النتيجة كمان ساعة. بالفلوس… كل حاجة بتحصل.”
سألته وهي تراقب جانبه المتحجر:
غزل: “وبعد النتيجة بقا؟”
رفع عينيه إلى المرآة، ونظر إليها نظرة حادة كسكاكين.
جاسر: “هتتحاسبي. بسيطة إهي”
ضحكت غزل ضحكة قصيرة ساخرة.
غزل: “وإنت مش هتتحاسب زيي ولا اي؟”
وقبل أن يرد، تمتم يونس وهو غارق في النوم:
يونس: “…بابا…”
ضغط جاسر على الفرامل فجأة.
صرخت السيارة فوق الأسفلت.
شهقت غزل بعنف:
غزل: “بطل جنان! هتموتنا!”
لكنه لم يلتفت.
أسند رأسه إلى الدركسيون، وأنفاسه تصعد وتهبط بعنف.
ثم قال بصوت مكسور:
جاسر: “الواد… قال بابا. تاني.”
نظرت إليه غزل طويلًا، ثم قالت بمرارة:
غزل: “عشان إنت باباه. سواء حللت ولا محللتش. الدم بيحن يا جاسر. بس إنت قلبك مات خلاص، مش قادر تشوف لهفة ابنك عليك. كل همك تدوس عليا وبس. أنا كنت مراتك، واللي حصل بينا حلال مش حرام، بس أقسم بالله لحاسبك على سكوتك طول السنين دي.”
شد فكه بقوة وقال:
جاسر: “قلبي مات يوم ما شوفت السي دي. اللي بترقصي فيه… وبتلفي وسط رجالة بشنبات وكلهم بيتخيلوكي في أوضاع شبهك.”
استدارت له بحدة، وعيناها تقدحان نارًا:
غزل: “متغلطش ولسانك ده تلمه وانت بتتكلم معايا.
انت مفكرتش تسأل عليا؟
مفكرتش تسأل حتى الرقص اللي سيادتك بتعايرني بيه دا ده حد غصبني عليه ولا لا؟
انت روحت وكنت هتتجوز واحدة غيري انت خاين؟”
لف لها نصف التفاتة وهو يقود، وصاح:
جاسر: “ماكنتش هتجوزها! أبوكي اتقتل! وإنتي اختفيتي! ووجعتي قلبي! هيكون فيا حيل لجوازة وأدخل واحدة حياتي إزاي؟”
ضربت غزل بيدها على المقعد:
غزل: “بس اتفقت مع عطية! ولبست البدلة! وأنا شوفتك!”
زمجر:
جاسر: “كدابة!”
رفعت ذقنها بتحدٍ:
غزل: “احلف؟ طب احلف إنك مالبستش بدلة الفرح! احلف إنك ماقولتش لأمك خلاص هننسى غزل!”
سكت.
لأنه لم يستطع أن يحلف.
لأنه بالفعل كان يرتدي البدلة.
قال أخيرًا بصوت منخفض مرتبك:
جاسر: “كنت… كنت هعمل كده عشان أنقذ سمعتي. بس ماكنتش هكمل. فيها… وبعدين إنتي شوفتيني إزاي وانتي كنتي هربانة؟”
انكمشت ملامحها بتوتر وقالت:
غزل: “مش فارقة بقا اللي حصل حصل.”
ضرب هو الدركسيون بقبضته.
جاسر: “ماشي يا غزل.”
وأكمل القيادة.
معمل د. رأفت — الثانية والنصف فجرًا
كان د. رأفت رجلًا خمسينيًا شاحب الوجه، فتح المعمل وهو يلعن اللحظة التي عرف فيها جاسر.
دخلوا مسرعين.
وضع جاسر يونس فوق السرير الطبي وقال بلهجة آمرة:
جاسر: “اسحب. دلوقتي. عايز النتيجة قبل الشمس ما تطلع.”
نظر رأفت إلى غزل ثم إلى جاسر وسأله بحذر:
رأفت: “والمدام تبقى مراتك على كده؟”
التفت جاسر إلى غزل للحظة قصيرة، ثم قال:
جاسر: “أيوة. غزل تبقى مراتي.”
ارتجف شيء خفي داخلها، لكنها لم تعلق.
تقدمت إلى جوار يونس، وأمسكت يده.
غزل: “اسحب يا دكتور. وخلصنا.”
سحب رأفت عينة الدم من يونس، فبكى الصغير.
ضمت غزل رأسه إلى صدرها وربتت عليه:
غزل: “بس يا حبيبي… خلاص.”
أما جاسر فوقف بعيدًا، عاجزًا عن النظر.
ومع كل بكاء يخرج من الطفل، كانت قطعة جديدة تنخلع من قلبه.
ثم سحب رأفت العينة من جاسر.
لم يرمش.
وقال بعدها:
رأفت: “ساعة. استنوا في المكتب وأنا هجيبلكم النتيجة.”
في المكتب
كان جاسر يتحرك ذهابًا وإيابًا كوحش حُبس داخل قفص ضيق.
بينما جلست غزل تضم يونس، مغمضة العينين، كأنها تحاول أن تمنع رأسها من الانفجار.
فجأة توقف جاسر أمامها.
ظل يحدق فيها طويلًا، بنظرة متشابكة من الكره والغضب والحب والشوق.
ثم سأل بصوت خرج كطعنة:
جاسر: “إنتي نمتي مع كام واحد بعدي؟”
فتحت غزل عينيها ببطء.
وشعرت بقلبها يتحطم إلى ألف قطعة.
ثم قالت:
غزل: “كتير.”
انفجر جاسر كمن لُدغ بنار.
جاسر: “غزل!”
انتفض يونس من نومه مذعورًا، واتسعت عيناه الصغيرتان.
فصرخت فيه غزل بعصبية موجوعة:
غزل: “حرام عليك! فزعت الولد!”
ثم نهضت واقفة دفعة واحدة.
كان صدرها يعلو ويهبط، وملامحها ترتجف بين القهر والغضب.
حدقت فيه كأنها تراه لأول مرة، وقالت بصوت مختنق:
غزل: “انت بتفكر إزاي ها؟
قلبك اتجرأ إمتى انه يتهمني وظنونك فيا توصل لكده؟
انت جوزي ولسه على ذمتك، غير ده كله أنا كنت حامل وفي حتة منك جوايا.
ولما ولدت يونس راعيت ربنا فيه، ومكنتش هسامح روحي لو لوثت نفسي عشان سمعة الواد وسط الناس.
أنا حافظت على نفسي وسمعتي…
انت اللي خاين.”
اهتز فك جاسر بعنف، وصاح:
جاسر: “ما تقوليش خاين!”
ضحكت غزل ضحكة مهزوزة من شدة الألم، ومدت ذراعيها في الهواء كأنها تحاكمه:
غزل: “أمال أقول إيه؟
يا اللي سيبتني بعد ما خدت شرفي؟
يا اللي وعدت وماجتش عندي؟
ولا أشهرت ولا أعلنت جوازنا؟”
قبض جاسر على شعره بيده، وشدّه كأنه يريد اقتلاع الذكريات من رأسه.
ثم قال بصوت متكسر:
جاسر: “كنت جاي! أقسم بالله كنت جاي!
بس فاطمة أغمى عليها في الفرح! شالوها المستشفى!
على ما رجعت… كان المخزن فاضي! وفيه دم!” والله كنت هروح ل ابوكي واعترفله
شهقت غزل، وبهت وجهها.
غزل: “دم؟ دم مين؟”
رفع عينيه إليها، وفيهما ارتباك سنين:
جاسر: “دم أبوكِ.
لقيته مرمي… وجنبه طرحتك.
فكرت إنك قتلتيه وهربتي.”
تراجعت غزل خطوة، ثم أخرى، حتى اصطدمت بالمكتب خلفها.
وضعت يدها فوق فمها وهي تهز رأسها بعنف.
غزل: ”
أنا لما رجعت لقيته مدبوح!
طرحتي؟ أيوه طرحتي! كنت بحاول أفوقه من غلبي جالي استنكار انه ممتش واتخضيت وجريت وسيبتها هناك
ساد الصمت.
صمت ثقيل هبط فوق رؤوسهما كالصاعقة.
كل واحد منهما كان يعيد ترتيب السنوات الخمس الماضية في رأسه.
كل اتهام.
كل كراهية.
كل دمعة.
كل لعنة.
ثم رفعا رأسيهما معًا.
ونطقا في نفس اللحظة، بنفس الذهول:
الاثنان: “يبقى في حد تالت… كان في المخزن.”
وقبل أن يستوعبا حجم الكارثة…
دوّى طرق خفيف على الباب.
التفتا.
دخل د. رأفت.
وجهه مشدود، وفي يده ورقة بيضاء.
شعرت غزل أن قلبها توقف.
أما جاسر فمد يده وخطف الورقة منه بعنف.
فتحها.
لم يكن فيها سوى سطر واحد.
“نسبة الأبوة: 99.99% — جاسر عبدالحميد هو الأب البيولوجي للطفل يونس.”
ساد السكون.
حتى أنفاسهم بدت مسموعة.
قال رأفت وهو يحاول أن يخفف التوتر:
رأفت: “مبروك يا جاسر… الواد ابنك. أظن عارف هتعمل إيه. لازم تعلن جوازك منها وسط الحارة كلها.”
لكن جاسر لم يسمع بقية الكلام.
كان يقرأ السطر مرة…
ثم ثانية…
ثم ثالثة…
ثم عاشرة.
يده أخذت ترتعش.
والورقة نفسها اهتزت بين أصابعه.
رفع عينيه ببطء نحو غزل.
غزل كانت تنظر إليه بأنفاس محبوسة، وقلب مرعوب، ودموع لم تنزل بعد.
طبق الورقة ببطء شديد.
ووضعها في جيب الأفارول.
ثم اقترب منها.
خطوة.
ثم خطوة.
حتى صار أمامها تمامًا.
مد يده.
أمسك ذراعها.
لم تكن قبضته عنيفة… لكنها كانت قوية، حاسمة، ممتلئة بما لا يقال.
ثم شدها نحوه.
إلى حضنه.
حضن واحد…
لكنه كان أثقل من خمس سنوات كاملة.
حضن يكسر الضلوع من شدة الضغط.
حضن ممتلئ بالغل، والشوق، والقهر، والندم، والدموع المؤجلة.
دفن جاسر وجهه في شعرها، وتنفس رائحتها كالغريق الذي وجد هواءه بعد غرق طويل.
وخرج صوته مبحوحًا، مكسورًا، يكاد لا يُسمع:
جاسر: “ابني… يونس… ابني.”
تخشبت غزل في البداية.
جسدها كله فقد القدرة على الحركة.
ثم شيئًا فشيئًا…
انفكّت صلابتها.
واهتز كتفاها.
وانهارت في حضنه، باكية بصمت موجع، كأنها تخرج من صدرها خمس سنوات من القهر دفعة واحدة.
ظل جاسر يضمها أكثر.
كأنه يحاول أن يعيدها إلى مكان كان يجب ألا تخرج منه أصلًا.
بعد ساعتين — قهوة عم سيد
كانت الحارة كلها متجمعة.
رجال فوق المصاطب.
نساء عند الأبواب.
أطفال يجرون بين الأرجل.
والكل يلوك الخبر دون أن يعرف حقيقته.
كان الحاج عطية يضرب كفًا بكف وهو يهتف:
الحاج عطية: “يعني إيه؟! الواد ابنه؟!”
وفي تلك اللحظة، دخل بليه يركض كعادته، يلهث حتى كاد يقع.
بليه: “يا حاج! يا ناس! جاسر خارج من المعمل! وشايل الواد! وماسك إيد غزل!”
شهقت امرأة:
امرأة: “يا لهوي! هيتجوزها؟!”
ورد رجل من آخر القهوة:
رجل: “ده كان هيقتلها إمبارح!”
وفجأة…
سكت الجميع.
كل الرقاب التفتت ناحية أول الحارة.
كان جاسر يدخل بخطوات ثابتة.
يحمل يونس فوق كتفيه، والصغير يضحك ويلعب في شعره الأسود بخشونة طفولية.
وفي يده الأخرى…
يمسك يد غزل.
غزل كانت تسير إلى جواره ورأسها مرفوع.
لأول مرة منذ خمس سنوات، لم تكن امرأة هاربة… بل امرأة عائدة لتأخذ مكانها.
تقدم الثلاثة حتى وقفوا في منتصف الحارة.
أنزل جاسر يونس عن كتفيه.
ثم استدار ببطء، ومر بعينيه على كل الوجوه المذعورة، والعيون الفضولية، والأفواه المفتوحة.
أخذ نفسًا عميقًا.
ثم قال بصوته الذي هز الحديد والحجر:
جاسر: “اسمعوني كلكم… وافتحوا ودانكم كويس عشان اللي جاي كبير.”