رقصة على حطام قلب

رقصة ع حطام القلب

هاجر عبدالحليم
الحلقة الثالثة والاخيرة
كان جاسر قابضًا على يد غزل، وعيناه معلّقتان بوجه أخته، لا تتحركان، كأنهما تخشيان أن تفوتهما لحظة واحدة.
أما غزل، فكانت ثابتة على غير عادتها. لم تعد تلك الفتاة التي ترتجف من أول صدمة. تعلّمت أخيرًا أن الوجع، حين يأتي من الأقرب، لا يُهرب منه… بل يُواجَه واقفًا.
تقدّمت فاطمة خطوة، وصوتها يرتعش كغصنٍ في مهب الريح:
فاطمة: “قبل ما تتكلموا… أنا… أنا همشي. هسيب الحارة. هسيب لكم البيت. مش هتشوفوا وشي تاني. بس… بس متخلوش الكلب ده يوقع بيننا. أنا غلطت. غلطت زمان.”
اقتربت منها غزل بهدوء، ورفعت وجهها بين كفّيها، كأنها ترفض أن تنكسر أمامها:
غزل: “فاطمة… إحنا مش هنسمع للراجل دا مش هنديله الفرصة اللي يوجعنا ويفرقنا . إحنا هنسمعك إنتي. احكي. والحارة كلها سامعة، وهنصدقك. والله”
انهارت فاطمة باكية، كأن السنين كلّها انسكبت دفعة واحدة:
فاطمة: “أيوه… حبيته. حبيت الحاج نصار. كنت 18 سنة، وهو كان… كان راجل. حنين. قولتله. اتقدم لي، وهو رفض. قالي: إنتي زي غزل بنتي، وفرق السن كبير، وأنا راجل شايل هموم. ولما عرفت إنك يا جاسر كتبت على غزل بنته… النار كلتني. حسيت إنه فضّل بنته عليا. حسيت إني اترفضت مرتين… مرة منه، ومرة منك.”
ظلّ جاسر صامتًا، فكّه مشدود، كأن الكلمات لو خرجت ستكسر شيئًا داخله.
تابعت فاطمة، بصوتٍ متقطّع:
فاطمة: “سامح جه. قالي: هكسرهم. هخلي جاسر يتجوز بنت عطية ويبعد عن الرقاصة. وأنا… أنا اللي صورتك يا غزل. في الفرح اللي رحتيه. بعت له الفيديو. كنت فاكرة إني بنقذ أخويا. كنت شيطانة… وعريت ست زيي انا وحشة وحشة اوي.”
صرخة خرجت من غزل، لكنها لم تكن موجّهة لفاطمة، بل لوجعٍ قديم انفجر داخلها:
غزل: “صورتيني انتي اللي فضحتيني يافاطمة!”
ارتجفت فاطمة أكثر، وكأنها تعترف بآخر ما تبقى من ذنبها:
فاطمة: “سامح بيبتزني. بيقولي: يا تخلصي على غزل… يا هبعت لجاسر وأقول له إنك السبب في كل حاجة. وشيلني الليلة اهو ونفذ تهديده لأني رفضت أذيكي والله ياغزل انا مش شريرة والسواد اللي جوايا اختفي انا كل اللي فارقلي اني اعيش وسطكم وبس ”
ساد الصمت الحارة، صمتٌ ثقيل، كأن الجدران نفسها تحبس أنفاسها.
اقترب جاسر، أمسك بذراع فاطمة، ورفعها من مكانها بقوةٍ حازمة، لكنها لم تخلُ من الرحمة:
جاسر: “قومي. إخواتي ما يناموش في الوحل. غلطتي؟ أيوه غلطتي. بس اللي بلغ عن سامح؟ إنتي. اللي شهدتي في النيابة؟ إنتي يعني معدش فيه ذنب عليكي احنا بشر وبنغلط احنا اللي بينا دم وعمره م هيبقي مية.”
فاطمة: “لكن ياجاسر…”
قاطعها بصوتٍ لا يقبل النقاش:
جاسر: “احنا عيلة يافاطمة.. والعيلة لما واحد فيها يقع، الباقي يشيله، مش يدوس عليه.”
مسحت غزل دموعها ببطء، ونظرت إلى جاسر، ثم إلى فاطمة، وكأنها تتخذ قرارًا لا رجعة فيه:
غزل: “وأنا… أنا سامحت. عشان مش هخلي سامح يكسب وهو في السجن. مش هخليه يحركّنا زي العرايس.”
ثم احتضنت فاطمة.
كان حضنًا طويلًا… حضنًا يغسل سنواتٍ من القهر والذنب والخذلان.
في الغرفة الأخرى، كان يونس نائمًا بين ذراعي فاطمة، أنفاسه المنتظمة تضيف طمأنينة خافتة للمكان.
أما هنا…
فكان جاسر وغزل وحدهما.
لأول مرة منذ شهر… هدوءٌ حقيقي، لا يهدده خوف ولا يقطعه وجع.
جلست غزل أمام المرآة، تسرّح شعرها في هدوء. كانت ترتدي عباءة منزلية بيضاء، وشعرها منسدل على ظهرها كستارٍ من ليلٍ هادئ.
بينما كان جاسر مستندًا إلى السرير، يراقبها بصمت.
كتفه ما زال يؤلمه، لكن عينيه… كانتا خفيفتين، كأنهما تخلّصتا من حملٍ ثقيل.
جاسر: “حلويات والله ما تقريي.”
التفتت إليه، وفي عينيها قلق لم يهدأ بعد:
غزل: “خايفة عليك… كتفك ييني…”
مدّ يده السليمة نحوها، بابتسامة دافئة:
جاسر: “تعالي.”
نهضت ببطء، واقتربت حتى وقفت أمامه مباشرة.
صوتها خرج هامسًا، مثقلًا بسنوات الانتظار:
غزل: “خمس سنين… كنت بحلم باللحظة دي.”
شدّها إليه برفق، وأجلسها على حجره، كأنّه يخشى أن تختفي إن تركها:
جاسر: “طب خلينا نعيش الحلم بقى..؟”
أسند جبينه إلى جبينها، واختلطت أنفاسهما الدافئة.
همس بصوتٍ صادق:
جاسر: “عارفة… يوم ما خدت الرصاصة، مفكرتش في الوجع. فكرت فيكِ. قولت لو موت… مين هيحميكي؟”
انسابت دموع غزل، لكنها مسحتها سريعًا، كأنها ترفض أن تفسد اللحظة:
غزل: “وإنت لما رميت نفسك قدامي وسط النار… أنا موت وعشت في نفس اللحظة… لأني عرفت غلاوتي عندك.”
رفع يده، ومرّر أصابعه على ملامحها ببطء… على خدها، على حاجبها، على شفتيها المرتعشتين.
كأنّه يعيد رسمها… أو يحفظها من جديد.
جاسر: “كل يوم في بُعدك… كانه سنة. وكل يوم جنبك… بيرد فيا الروح. أوعي تبعدي عني.”
وضعت يدها على صدره، تشعر بنبضه:
غزل: “وحشتني يا جاسر.”
اقترب منها، وقبّل جبينها ببطء… قبلة حملت حزن السنين وثقل الغياب.
جاسر: “قوليلي… سامحتيني من قلبك؟”
غزل: “سامحتك… بس عايزاك توعدني.”
ابتسم بخفة:
جاسر: “الهانم تؤمر وأنا أنفّذ.”
نظرت إليه بثبات:
غزل: “توعدني إنك مش هتسيب إيدي تاني… ومتخبيش عليا حاجة… وأكون دايمًا من أولوياتك… وأولها.”
اتسعت ابتسامته، وقال بدفء:
جاسر: “طب هاتي حضن كبير بقى.”
احتضنها…
حضنٌ هادئ، عميق، كأنه يعوّض كل ما ضاع.
يده السليمة التفّت حول خصرها، ورأسها استقر على قلبه، يستمعان إلى دقّاتٍ تعرف طريقها لبعضها.
همست بخجلٍ خفيف:
غزل: “جاسر… إنت طلبت مني حاجة كده.”
ضحك بصوتٍ منخفض:
جاسر: “فاكر… قولتي هترقصي… بس ليا أنا.”
ابتعدت قليلًا، واحمرّ وجهها:
غزل: “وكتفك؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!